برمة.. تنفيذ اعلان «اديس ابابا» يتطلب موافقة الجيش
تاريخ النشر: 5th, January 2024 GMT
رصد – نبض السودان
وصف رئيس حزب «الأمة القومي» اللواء متقاعد فضل الله برمة، توقيع «إعلان أديس أبابا» بين «تنسيقية القوى الديموقراطية المدنية (تقدم)» وقوات «الدعم السريع»، قبل أيام، بأنه «خطوة أولية في الطريق السليم نحو السلام»، وعدَّه «فرصة سياسية وعسكرية للوصول إلى حل نهائي للأزمة السودانية».
وقال برمة في مقابلة مع «الشرق الأوسط» في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، إن «الحرب التي اندلعت في السودان 15 أبريل (نيسان) 2023، تختلف عن كل الحروب التي شهدتها البلاد، لأنها بلا هدف، وتجاوزت خسائرها البشرية والمادية كل تلك الحروب السابقة».
وأجرى الرجل صاحب الخبرات العسكرية، والذي يقود حالياً أحد أكبر الأحزاب السودانية (تولى زعيمه الراحل الصادق المهدي أخر حكومة منتخبة، وشغل برمة منصب وزير الدفاع)، مقارنةً بين حرب الجيش و«الدعم السريع» والحروب السابقة، وقال إن «حرب جنوب السودان المعروفة بـ(تمرد الفرقة الاستوائية)، أغسطس (آب) 1955 – 1962، انتهت باتفاقية أديس أبابا عام 1973 بقيادة الجنرال جوزيف لاقو، والحرب الثانية بقيادة جون قرنق دمبيور (1983 – 2005)، وحرب (جبال النوبة) بقيادة يوسف كوة وتلفون كوكو (1985)، وحرب دارفور (2003 – 2020)، انتهت باتفاقية جوبا لسلام السودان (فيما لا تزال قوات عبد الواحد محمد النور لم توقع سلاماً)؛ كل هذه الحروب لم تُحدث خسائر في الأرواح والبني التحتية مثل الحرب الحالية».
وأضاف: «هذه الحرب يجب أن تقف، فقد ألحقت بالأرواح والناس والبني التحتية خلال تسعة أشهر ما لم تُحدثه الحروب السابقة التي استمرت 51 سنة». وتابع: «قُتل الناس بالآلاف ونزح وشُرد الملايين، وحدث دمار غير مسبوق بالبني التحتية، دمار يصعب إصلاحه؛ فمصفاة البترول (مصفاة الجيلي للبترول، شمالي مدينة بحري بالعاصمة الخرطوم) التي دُمرت مثلاً، بحاجة إلى خمسة مليارات دولار لإعادة بنائها (تكلفة تشييدها الأولى بلغت مليارَي دولار)، وكوبري شمبات يحتاج للملايين، هذا إلى جانب المنشآت الأخرى الخاصة والعامة». ورأى برمة أن الحرب السودانية الراهنة «بلا سبب»، على عكس حروب السودان التي سبقتها، وقال: «كل الحروب كانت لها أسبابها ودواعيها، لكنّ هذه الحرب ليس لها ما يبررها، فحرب الجنوب كانت بسبب مطالبة الجنوبيين بحقهم في الحكم الفيدرالي ولاحقاً الاستقلال، وهو مطلب مشروع، وبقية الحروب كانت تطالب بحقوق المواطنين في الثروة والسلطة». وحذر برمة من النتائج التي وصفها بالكارثية لهذه الحرب بقوله: «أوصلتنا هذه الحرب إلى المرحلة الخطرة، وتتمثل في استشراء خطاب الكراهية، الذي يعد أخطر من تدمير البنيات التحتية، لأنه يقود لتدمير السودان».
تحقيق دولي
وعندما سألت «الشرق الأوسط» برمة عن المسؤول، حسب رأيه، عن إشعال الحرب، قال: «لا أريد أن أطلق الأقوال جزافاً، ويجب تشكيل لجنة تحقيق دولية، لتجيب عن سؤال: مَن أطلق الرصاصة الأولى وتسبب في الحرب، وما أهدافه؟ ومَن وراءه؟ على (مجلس الأمن الدولي) و(مجلس حقوق الإنسان) تشكيل هذه اللجنة لتحقق في هذه الجريمة».
وكانت «الخارجية السودانية» قد رفضت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي قراراً من «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة يقضى بتكوين لجنة تحقيق دولية لـ«التقصي» حول ما يجري في البلاد وإصدار عقوبات ضد الأطراف الرئيسية في الحرب بما في ذلك تجميد أصول وحظر سفر، وعدّت الخارجية حينها أن القرار «يساوي بين القوات المسلحة و(ميليشيا الدعم السريع)».
وذكّر برمة في حديثه برفض الحكومة السودانية، إبان حكم الرئيس السابق عمر البشير، تنفيذ توصية «لجنة القاضي دفع الله الحاج يوسف» التي كُلفت التحقيق في أحداث دارفور، بتشكيل لجنة تحقيق دولية لتقصي جرائم دارفور، مما أدى إلى إحالة «مجلس الأمن الدولي» الملف إلى «المحكمة الجنائية الدولية»، وصار الرئيس البشير ووزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الدولة بالداخلية وقتها أحمد هارون، وقائد ميليشيا «جنجويد» علي كشيب، مطلوبين للمحكمة الدولية.
ورداً على الانتقادات لبطء لجان التحقيق الدولية مثلما حدث في حالة التحقيق في مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، التي عملت لسنوات، قال ناصر: «لجنة الحريري كانت تحقق في مقتل فرد، لكن في حالتنا فهذا تحقيق في مقتل أمة، ويجب أن تجري المحاسبة والمساءلة في هذه القضية، فنحن نطالب بشدة بالتحقيق وتجريم المجرم وتبرئة البريء». ورأى برمة، الذي يشغل موقعاً في تنسيقية «تقدم»، أنه «من المهم معرفة مَن هو مُطلق الرصاصة الأولى، لتبدأ المحاسبة، ويُمنع تكرار ارتكاب الجرائم وإزهاق الأرواح».
الجيش والإسلاميون
وتطرّق برمة إلى آليات الشروع في تنفيذ «إعلان أديس أبابا» بين «تقدم» و«الدعم السريع»، وقال إنه «يتطلب موافقة الجيش». وتوقع رئيس حزب «الأمة» استجابة الجيش لطلب «تقدم» بالاجتماع معهم، وقال: «نحن لا نعمل بافتراض عدم موافقة الجيش، نحن بصفتنا طرفاً أساسياً، نُصر ونطالب ونناشد الجيش الجلوس إلينا، لأن هذه هي الطريق الوحيدة لوقف الحرب، فهي لن تقف من جانب واحد». وأكد أنه لم يتواصل مع قادة الجيش بشكل مباشر، ولم تُتح له فرصة الحديث مباشرةً معهم، لكنهم في تنسيقية «تقدم» ظلوا يناشدونهم عبر وسائل الإعلام، وقال: «نقول لهم: عليكم وضع مصلحة وطنكم فوق كل مصلحة، وإن المصلحة الوطنية تتطلب إيقاف هذه الحرب».
ورأى برمة أن الحرب الجارية الآن إذا عُدَّت صراعاً على السلطة، فهو صراع «غير مشروع». وقال: «الطرفان لا يملكان الحق في الصراع على السلطة، لأن صاحب السلطة هو الشعب، والشعب وحده من يملك حق تفويض سلطته بانتخابات حرة لمن يراه… ومهمة القوات المسلحة حماية البلاد، وليس أن تفرض عليها إرادتها». وبشأن ما إذا كان طرفا الحرب (الجيش، و«الدعم السريع») سيكونان جزءاً من المرحلة المقبلة، قال برمة: «بالنسبة إلينا إيقاف الحرب هو المرحلة الأولى؛ أما مرحلة العملية السياسية، فيجب وضع النقاط على الحروف، فهي بحاجة إلى حمايةٍ وتأمينٍ، والمسؤول عن ذلك هي القوات المسلحة بوصفها أحد عناصر قوة الدولة». لكن على الجانب الآخر حسم برمة بشده موقفه الرافض لفتح أي حوار مع «الإسلاميين»، وقال: «الموقف منهم جرى تحديده في الوثيقة الدستورية، ونصَّت على مشاركة كل القوى الوطنية في العملية السياسية، والإسلاميون الذين أعلنوا موقفاً واضحاً وانضموا إلى الصف الوطني ووقَّعوا الاتفاق الإطاري فهم جزء من العملية السياسية، أما الذين ظلوا يؤيدونه (البشير) حتى سقط، ووقفوا ضد الثورة ودعموا (انقلاب 25 أكتوبر 2021)، وأشعلوا الحرب ودعموها، فلن يكونوا جزءاً من مرحلة الانتقال، عليهم انتظار الانتخابات». وقال برمة: «ليس هناك شخص يملك الحق في عزل مَن شاركوا في الثورة العظيمة، واختاروا الديموقراطية نظاماً أمثل لحكم السودان». وكان «إعلان أديس أبابا» قد سار على نهج الوثيقة الدستورية والاتفاق الإطاري، ونصَّ على «تفكيك نظام عمر البشير، وإنهاء هيمنته على جهاز الدولة، وإزالة تمكين الإسلاميين من الاقتصاد وسيطرتهم على الموارد بما في ذلك تصفية وجودهم داخل الخدمة المدنية والعسكرية، واستبعادهم من العملية الانتقالية المدنية».
المصدر: نبض السودان
كلمات دلالية: اديس ابابا اعلان برمة تنفيذ يتطلب الدعم السریع أدیس أبابا هذه الحرب
إقرأ أيضاً:
الجنجويد والطائرات المسيرة: سيمفونية الدمار التي يقودها الطمع والظلال الإماراتية
كتب الدكتور عزيز سليمان استاذ السياسة و السياسات العامة
في زمن يتداخل فيه الدخان الأسود برائحة البارود، وتصدح فيه أنين الأطفال وسط خرائب المستشفيات والمدارس و محطات الكهرباء و المياه ، يبدو السودان كلوحة مأساوية رسمها الجشع البشري. لكن، يا ترى، من يمسك بالفرشاة؟ ومن يرسم خطوط التدمير الممنهج الذي يستهدف بنية تحتية سودانية كانت يومًا ما عصب الحياة: محطات الكهرباء التي كانت تضيء الدروب، والطرق التي ربطت المدن، ومحطات مياه كانت تنبض بالأمل؟ الإجابة، كما يبدو، تكمن في أجنحة الطائرات المسيرة التي تحمل في طياتها أكثر من مجرد قنابل؛ إنها تحمل مشروعًا سياسيًا وجيوسياسيًا ينفذه الجنجويد، تلك المليشيا التي فقدت زمام المبادرة في الميدان، وانكسرت أمام مقاومة الشعب السوداني و جيشه اليازخ و مقاومته الشعبية الصادقة، فاختارت أن تُدمر بدلاً من أن تبني، وتُرهب بدلاً من أن تقاتل.
هذا النهج، يا اهلي الكرام، ليس عبثًا ولا عشوائية. إنه خطة مدروسة، يقف خلفها من يدير خيوط اللعبة من الخارج. الجنجويد، التي تحولت من مجموعة مسلحة محلية إلى أداة في يد قوى إقليمية، لم تعد تعمل بمفردها. الطائرات المسيرة، التي تقصف المدارس والمستشفيات، ليست مجرد أدوات تكنولوجية؛ إنها رسول يحمل تهديدًا صامتًا: “إما أن تجلسوا معنا على طاولة المفاوضات لننال حظنا من الثروات، وإما أن نجعل من السودان صحراء لا تحتمل الحياة”. ومن وراء هذا التهديد؟ الإجابة تلوح في الأفق، وهي دولة الإمارات العربية المتحدة، التي باتت، بحسب الشواهد، الراعي الأول لهذه المليشيا، مستخدمةً مرتزقة من كل أنحاء العالم، وسلاحًا أمريكيًا يمر عبر شبكات معقدة تشمل دولًا مثل تشاد و جنوب السودان وكينيا وأوغندا.
لكن لماذا السودان؟ الجواب يكمن في ثرواته المنهوبة، في أرضه الخصبة، ونفطه، وذهبه، ومياهه. الإمارات، التي ترى في السودان ساحة جديدة لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي، لم تتردد في استغلال الخلافات الداخلية. استخدمت بعض المجموعات السودانية، التي أُغريت بوعود السلطة أو خدعت بذريعة “الخلاص من الإخوان المسلمين”، كأدوات لتفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. لكن، هل هذه الذريعة الدينية أو السياسية كافية لتبرير تدمير أمة بأكملها؟ بالطبع لا. إنها مجرد ستار يخفي وراءه طمعًا لا حدود له.
الجنجويد، التي انهزمت في المعارك التقليدية، لجأت إلى استراتيجية الإرهاب المنظم. الطائرات المسيرة ليست مجرد أسلحة؛ إنها رمز لعجزها، ولكن أيضًا لدعمها الخارجي. فكل قصف يستهدف محطة كهرباء أو طريقًا أو مصدر مياه، هو رسالة موجهة إلى الحكومة السودانية: “لن نوقف حتى تجلسوا معنا”. لكن من يجلسون حقًا؟ هل هي الجنجويد وحدها، أم القوات المتعددة الجنسيات التي تجمع بين المرتزقة والمصالح الإماراتية؟ أم أن الجلسة ستكون مع الإمارات نفسها، التي باتت تتحكم في خيوط اللعبة؟ أم مع “التقدم”، ذلك الوهم الذي يبيعونه على أنه مخرج، بينما هو في الحقيقة استسلام للعدوان؟
هنا، يجب على الحكومة السودانية أن تتذكر أنها ليست مجرد ممثلة لنفسها، بل هي وكيلة عن شعب دفع ثمن أخطاء الحرية والتغيير، وأخطاء الإخوان المسلمين، وأخطاء السياسات الداخلية والخارجية. الشعب السوداني، الذي قاوم وصبر، يطالب اليوم بموقف واضح: موقف ينبع من روحه، لا من حسابات السلطة أو المصالح الضيقة. يجب على الحكومة أن تتحرى هذا الموقف، وأن تعيد بناء الثقة مع شعبها، بدلاً من الاستسلام لضغوط خارجية أو داخلية.
ورأيي الشخصي، أن الحل لا يبدأ بالجلوس مع الجنجويد أو راعيها، بل بفك حصار الفاشر، وتأمين الحدود مع تشاد، ورفع شكاوى إلى محكمة العدل الدولية. يجب أن تكون الشكوى شاملة، تضم الإمارات كراعٍ رئيسي، وتشاد كجار متورط، وأمريكا بسبب السلاح الذي وصل عبر شبكات دول مثل جنوب السودان وكينيا وأوغندا. كل هذه الدول، سواء من قريب أو بعيد، ساهمت في هذا العدوان الذي يهدد استقرار إفريقيا بأكملها.
في النهاية، السؤال المرير يبقى: مع من تجلس الحكومة إذا قررت الجلوس؟ هل مع الجنجويد التي أصبحت وجهًا للعنف، أم مع القوات المتعددة الجنسيات التي لا وجه لها، أم مع الإمارات التي تختبئ خلف ستار الدعم الاقتصادي، أم مع “صمود” التي يبدو وكأنها مجرد وهم؟ الإجابة، كما يبدو، ليست سهلة، لكنها ضرورية. فالسودان ليس مجرد ساحة للصراعات الإقليمية، بل هو تراب يستحقه اهله ليس طمع الطامعين و من عاونهم من بني جلدتنا .
quincysjones@hotmail.com