رفض دولي وعربي لتصريحات وزراء إسرائيل المتطرفين حول تهجير سكان غزة
تاريخ النشر: 5th, January 2024 GMT
لاقت دعوة وزيرين متطرفين في حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى تهجير سكان غزة طوعياً إلى الخارج إدانة عربية ودولية وأممية واسعة.
وأعلن وزيرا الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، والمالية بتسلئيل سموتريتش، الإثنين، دعمهما لـ"التهجير الطوعي للفلسطينيين" من قطاع غزة.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية (رسمية)، عن وزير المالية قوله إنّ "أكثر من 70% من الجمهور الإسرائيلي يؤيد حلاً إنسانياً لتشجيع الهجرة الطوعية لعرب غزة واستيعابهم في بلدان أخرى".
فيما قال بن غفير: "يجب علينا تعزيز الحل لتشجيع هجرة سكان غزة، فهذا هو الحل الصحيح والعادل والأخلاقي والإنساني".
من جانبها، وصفت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين فرانشيسكا ألبانيز، تهجير إسرائيل القسري للفلسطينيين بـ"جريمة ضد الإنسانية".
وأوضحت ألبانيز أن "التهجير القسري جريمة ضد الإنسانية، وأن إسرائيل تنفذ ذلك بتهور منذ عقود من الاحتلال غير القانوني"، مضيفة أن إسرائيل نقلت خطة التهجير القسري هذه إلى مستوى جديد من خلال ترويع السكان وتجويعهم وقصفهم.
اقرأ أيضاً
ستراتفور: لهذه الأسباب.. جهود إسرائيل لتهجير أهالي غزة لدول أفريقية ستفشل
كما شددت على ضرورة إعادة هيكلة المنطقة وعودة الفلسطينيين إلى وطنهم، وذكرت أنه يتعين على إسرائيل إنهاء احتلالها وتوفير العدالة.
واعتبرت ألبانيز ما يهدف إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والنواب الإسرائيليين تحت مسمى "التهجير الطوعي" لسكان غزة، بأنه جريمة.
كما أعرب المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة فولكر تورك، عن "القلق الشديد" إزاء تصريحات الوزيرين.
وكتب تورك، عبر منصة "إكس" (تويتر سابقا): "أشعر بقلق شديد بشأن تصريحات مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى حول خطط نقل مدنيين من قطاع غزة إلى دول ثالثة".
وتابع: "نزح بالفعل 85% من سكان غزة داخليا، ولديهم الحق في العودة إلى منازلهم. يحظر القانون الدولي النقل القسري للأشخاص الذين يحظون بالحماية داخل مناطق محتلة، أو ترحيلهم منها".
فيما قال المقرر الأممي المعني بالحق في السكن اللائق بالاكريشنان راجاغوبال، إنّ الترحيل القسري لسكان غزة "إبادة جماعية"، والدول التي تنوي استقبالهم سترتكب "جريمة" دعم هذه الإبادة.
اقرأ أيضاً
واشنطن ترفض تصريحات بن غفير وسموتريتش حول تهجير أهالي غزة طوعيا
من جانبها، أعربت الخارجية البريطانية عن رفضها تلك التصريحات، مؤكدةً في بيان على منصة "إكس"، أن "غزة أرض فلسطينية محتلة، وسوف تكون جزءاً من دولة فلسطينية مستقبلاً".
وأضافت: "يجب ألا يُجبر أهالي غزة على النزوح أو الانتقال إلى مناطق أخرى"، مضيفةً: "نرفض بكل شدة، إلى جانب شركائنا الدوليين، أي اقتراح بإعادة توطين الفلسطينيين خارج غزة".
كما أدانت وزارة الخارجية الفرنسية تصريحات الوزيرين، داعيةً "إسرائيل" إلى "الامتناع عن هذه التصريحات الاستفزازية التي تخلو من المسؤولية، وتؤجج التوترات".
وأكدت خارجية فرنسا أنه "ليس من شأن الحكومة الإسرائيلية أن تقرّر في أيّ مكان يجب على الفلسطينيين أن يعيشوا في أراضيهم".
كما أعلن الممثل الدائم لفرنسا لدى الأمم المتحدة، نيكولا دي ريفيير، أن بلاده لن تدعم التهجير الإسرائيلي القسري لسكان غزة.
وأكد دي ريفيير، معارضة فرنسا بشكل صريح للتهجير القسري للسكان، بشكل عام بما في ذلك في غزة.
اقرأ أيضاً
بلير: مناقشتي تهجير الغزيين في إسرائيل "أكذوبة"
وأضاف: "لن ندعم التهجير القسري للناس في غزة، يعيش الفلسطينيون في قطاع غزة، هدفنا هو ضمان استمرار الفلسطينيين في العيش هناك بأمان وفي ظل ظروف جيدة".
فيما ندد منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الأربعاء، بالتصريحات "التحريضية"، وقال في منشور على "إكس" (تويتر سابقا): "أدين بشدة التصريحات التحريضية وغير المسؤولة للوزيرين الإسرائيليين التي تسيء إلى الفلسطينيين في غزة وتدعو إلى خطة لهجرتهم. عمليات التهجير القسري محظورة تماما وتعد انتهاكا خطيرا للقانون الإنساني الدولي".
وأعربت الولايات المتحدة عن رفضها التصريحات، وقالت إنّ "غزة أرض فلسطينية وستبقى فلسطينية"، فيما وصفت الخارجية الفرنسية التصريحات بأنها "استفزازية وتغذي التوترات".
وصدرت بيانات مماثلة عن ألمانيا وهولندا.
فلسطينيا، رحّبت خارجية السلطة، في بيان لها، بالمواقف الدولية الرافضة لدعوات التهجير، مطالبة بإجراءات عملية ضاغطة على دولة الاحتلال، "لضمان وقف العدوان ومخططات التهجير، خاصة أن مخططات التهجير حاضرة على أجندة الحكومة الإسرائيلية، سواء من قطاع غزة أو الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، أو فلسطينيي الداخل".
فيما قالت حركة "حماس"، إن تصريحات قادة إسرائيل حول تهجير سكان قطاع غزة، "مجرد أحلام يقظة غير قابلة للتنفيذ".
اقرأ أيضاً
حماس والسلطة الفلسطينية تنددان بخطط تهجير أهل غزة وتصفها بـ" أحلام اليقظة"
وقالت "حماس": "تصريحات أقطاب حكومة الاحتلال، حول تهجير شعبنا الفلسطيني، وآخرها حديث الوزير (وزير الأمن القومي إيتمار) بن غفير عن تهجير شعبنا من قطاع غزة، وإقامة المستوطنات فيه، هي أحلام يقظة، لن تجد طريقا للتنفيذ أمام صمود شعبنا الفلسطيني ومقاومته الباسلة".
وطالبت المجتمع الدولي بـ"التدخل لمواجهتها".
عربيا، قالت السعودية في بيان لوزارة الخارجية: "تعرب عن تنديد المملكة ورفضها القاطع للتصريحات المتطرفة لوزيرين في حكومة الاحتلال الإسرائيلي دعوَا إلى تهجير سكان غزة وإعادة احتلال القطاع وبناء المستوطنات".
وأكدت المملكة أهمية تضافر جهود المجتمع الدولي لتفعيل آليات المحاسبة الدولية "تجاه إمعان حكومة الاحتلال الإسرائيلي، عبر تصريحاتها وأفعالها، في انتهاك قواعد الشرعية الدولية والقانون الدولي الإنساني".
من جهتها، أدانت قطر بأشد العبارات تصريحات وزيري المالية والأمن القومي في حكومة الاحتلال، واعتبرتها "امتداداً لنهج الاحتلال في انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني الشقيق، وازدراء القوانين والاتفاقيات الدولية، ومساعيه المسمومة لقطع الطريق أمام فرص السلام، لا سيما حل الدولتين".
وفي بيان لها، أكدت الخارجية القطرية أن "سياسة العقاب الجماعي والتهجير القسري التي تمارسها سلطات الاحتلال مع سكان غزة لن تغير حقيقة أن غزة أرض فلسطينية، وستظل فلسطينية".
اقرأ أيضاً
قناة إسرائيلية: نتنياهو يستعين ببلير لتسهيل التهجير والتوسط مع دول عربية
وشددت في هذا السياق على "ضرورة اصطفاف المجتمع الدولي بعزم لمواجهة السياسات المتطرفة والمستفزة للاحتلال الإسرائيلي؛ لتجنب استمرار دوامة العنف في المنطقة وتمددها إلى العالم".
بدورها، أعربت الخارجية الكويتية، عن استنكارها "ورفضها القاطع لتصريحات مسؤولين في سلطة الاحتلال الإسرائيلي، الداعية إلى إعادة توطين الفلسطينيين خارج قطاع غزة".
وفي بيانٍ لها حذرت مجدداً "من نوايا سلطة الاحتلال الإسرائيلي التي باتت جلية للعيان ولا تدع مجالاً للشك بالخطط الإسرائيلية لتهجير سكان قطاع غزة بشكل خاص والشعب الفلسطيني الشقيق بشكل عام، من وطنهم".
من جانبها، أدانت الإمارات بأشد العبارات التصريحات المتطرفة للوزيرين، معربة عن رفضها القاطع لهذه التصريحات المسيئة وللممارسات والإجراءات كاافة، المخالفة لقرارات الشرعية الدولية، والتي تهدد بمزيد من التصعيد وتدفع المنطقة إلى عدم الاستقرار".
كما طالبت الوزارة بوقف إنساني عاجل لإطلاق النار لإنهاء إراقة الدماء، وتسهيل إيصال الإغاثة والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بشكل فوري وآمن ومستدام ودون عوائق.
بينما أصدر الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، بياناً رفض فيه تلك التصريحات، وقال: إنها "تعكس نوايا إسرائيل السلبية والعدائية تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط، وتمثل تهديداً لاستقرار المنطقة وعقبة أمام جهود تحقيق السلام، وإن هذه التصريحات تعتبر تصعيداً خطيراً قد يؤدي إلى توترات إقليمية متزايدة".
كما شدد على موقف دول مجلس التعاون الثابت والملتزم تجاه القضية الفلسطينية، والمساند لحقوق الشعب الفلسطيني الشقيق، بإقامة دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على الأراضي التي احتلت عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
اقرأ أيضاً
هل يقبل السيسي بالتهجير مقابل شطب الديون؟.. ربما في حالتين
المصدر | الخليج الجديدالمصدر: الخليج الجديد
كلمات دلالية: تهجير فلسطين أهل غزة حرب غزة إسرائيل بن غفير الاحتلال الإسرائیلی التهجیر القسری حکومة الاحتلال من قطاع غزة تهجیر سکان حول تهجیر اقرأ أیضا سکان غزة بن غفیر
إقرأ أيضاً:
أكذوبة الانتقال الطوعي.. «الأسبوع» توثق تفاصيل المخطط الإسرائيلي لطرد سكان غزة
هل يمكن الحديث عن «اختيار طوعي» في ظل الحصار والقصف الذي يتعرض له أكثر من 2 مليون فلسطيني في قطاع غزة؟ وعندما يصبح الموت جوعًا أو قصفًا هو البديل الوحيد للبقاء، هل يمكن حقًا اعتبار قرار الرحيل «خيارًا» حرًا، كما تروِّج إسرائيل؟
تُسوِّق إسرائيل لفكرة «الهجرة الاختيارية» كسيناريو إنساني لتحسين حياة سكان غزة، بينما تكشف الحقائق الميدانية أن ما أقره «المجلس الوزاري المصغر» (الكابينيت) هو مخطط متعمد لإفراغ القطاع من سكانه، وسط ظروف معيشية تجعل العيش فيه خيارًا مستحيلًا.
ووسط الدمار والحصار وانهيار مقومات الحياة، تعرض حكومة «بنيامين نتنياهو» على سكان القطاع «مخرجًا آمنًا» تحت عنوان «الانتقال الطوعي»، رغم أنه إعادة إنتاج لمأساة التهجير القسري تحت غطاء قانوني مصطنع، وهو المسكوت عنه في المخطط الكارثي لوزير الدفاع الإسرائيلي «يسرائيل كاتس».
لم يكن مفاجئًا أن تعلن وزارة الخارجية المصرية، في بيان شديد اللهجة، عن إدانتها لاستحداث إسرائيل وكالة تهدف إلى «تهجير الفلسطينيين» من قطاع غزة، بالتزامن مع المصادقة على الاعتراف بـ13 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية.
وتتعدد تساؤلات القاهرة حول الأساس الذي يستند إليه الاحتلال في ترويج مصطلح «المغادرة الطوعية»، وكيف يمكن وصف الخروج تحت نيران القصف، وفي ظل سياسات تمنع المساعدات الإنسانية وتستخدم التجويع كسلاح، بأنه «تهجير طوعي» وليس «نزوحًا قسريًا»؟
بين الانتقال الطوعي والتهجير القسري
بعد مراجعة الاتفاقيات الدولية ومقارنتها بما يجري في غزة، يتضح أن هناك فرقًا كبيرًا بين الانتقال الطوعي والتهجير القسري، فالأول يعني أن يغادر السكان مناطقهم بناءً على إرادتهم الحرة، دون أي إكراه مباشر أو تهديد.
أما الثاني، فيشمل نقل السكان من مناطقهم بالقوة أو تحت التهديد، ما يُعد انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي.
وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة (1949) بشكل واضح التهجير القسري للسكان في الأراضي المحتلة، وتعتبره جريمة حرب، لكن قرار المجلس الوزاري المصغر في إسرائيل (الكابينيت) بإنشاء هيئة لإدارة «الانتقال الطوعي» لسكان غزة إلى دولة ثالثة يدفعنا إلى طرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذا الانتقال ومدى طوعيته في ظل الحصار الخانق والعدوان المستمر.
وبمراجعة نصوص القانون الدولي، فإن التهجير القسري هو «إخلاء السكان من أماكنهم الأصلية بالقوة أو التهديد باستخدام القوة»، كما يحظر «النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة إلى أراضي الدولة المحتلة أو إلى أراضٍ أخرى، أياً تكن دواعيه». ويُصنف النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) التهجير القسري ضمن جرائم الحرب.
ومن واقع تواصل «الأسبوع» مع مصادر عدة على الأرض، شمال ووسط وجنوب القطاع، فإن الظروف المعيشية والأمنية القائمة تُعد بيئة تهجير قسري، خاصة مع الحصار المفروض منذ 2007، والعدوان العسكري المستمر منذ 19 شهرًا، بعدما تسبب في انهيار البنية التحتية والنظام الصحي.
ويؤكد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية يؤكد أن نحو 75% من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
ووفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، فـ«الانتقال الطوعي يجب أن يستند إلى موافقة مستنيرة، أي أن يكون الشخص على دراية كاملة بجميع الظروف المحيطة بقراره، وألا يكون عرضة لأي تهديد مباشر أو غير مباشر يؤثر على حرية اختياره».
كما تنص المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) على أن «لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إليه»، ما يعني أن الانتقال الطوعي يجب أن يكون نابعًا من رغبة شخصية، وليس استجابة لضغوط قسرية كما تفعل إسرائيل حاليًا.
«الانتقال الطوعي».. خطة تفريغ القطاع من سكانه
وبتحليل مخطط إسرائيل، فإن إنشاء هيئة حكومية لإدارة «الانتقال الطوعي» يعكس محاولة للسيطرة على حركة السكان في الأراضي المحتلة. ويتعارض ذلك مع التزامات إسرائيل القانونية كـ«قوة احتلال»، لأن استخدام الحصار والحرب كوسائل لدفع السكان نحو المغادرة لا يجعل الانتقال طوعيًا، بل تهجيرًا قسريًا بمزاعم إنسانية.
وسياسيًا، تحمل الخطة الإسرائيلية تداعيات خطيرة، فهي تهدف إلى تفريغ غزة من سكانها، ما يعزز فكرة «إسرائيل الكبرى» ويقضي على أي أفق لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.
وإنسانيًا، فإن الفلسطينيين المهجّرين سيواجهون مصيرًا غامضًا في الدول المستقبلة، حيث سيعيشون بصفة «لاجئ» مع كل ما تحمله هذه الصفة من عدم استقرار وحرمان من الحقوق الأساسية، بينما الإحصائيات التي في تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) تعكس استمرار معاناة اللجوء، إذ يعاني نحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني مسجلين لدى «الأونروا» حتى نهاية 2024.
العدوان العسكري:
لا يمكن فصل قرار «الكابينيت» الإسرائيلي عن السياق السياسي والعسكري الذي يعيشه قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023. من خلال متابعة التطورات الميدانية، يتضح أن الهدف الاستراتيجي لا يقتصر على استهداف القدرات العسكرية للمقاومة الفلسطينية، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في غزة.
إسرائيل تشنّ عدوانًا عسكريًا غير مسبوق على القطاع، مستخدمة كثافة نارية هائلة في استهداف المباني السكنية، المدارس، المستشفيات، وشبكات المياه والكهرباء. ووفقًا لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن نحو 70% من المنازل في غزة تعرضت للضرر أو التدمير.
يتضح من المعطيات أن 85% من محطات معالجة المياه وكل محطات توليد الكهرباء أصيبت بالعطل الكامل، بالتزامن مع فرض إسرائيل حصارًا خانقًا على دخول المواد الغذائية والطبية. هذا الواقع خلق كارثة إنسانية غير مسبوقة، تدفع سكان غزة إلى خيارين قاسيين: إما مواجهة الموت جوعًا أو تحت القصف، وإما الخروج من القطاع بحثًا عن النجاة.
وسياسيًا، يبدو أن قرار «الكابينيت» يعكس محاولة إسرائيلية لتقليص عدد السكان وإعادة توزيعهم في الدول المجاورة، تماشيًا مع مخططات إسرائيلية قديمة. تذكّر هذه الاستراتيجية بمخطط زئيف جابوتنسكي، صاحب نظرية «الجدار الحديدي»، التي تقوم على خلق واقع يجعل من المستحيل على الفلسطينيين البقاء في أرضهم أو المطالبة بحقوقهم فيها.
وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، يسرائيل كاتس، يحاول تطبيق هذه الاستراتيجية عبر مخططه الجديد.
وتشير مصادر سياسية إلى أن الحكومة الإسرائيلية بدأت بالفعل في التواصل مع عدة دول، معظمها خارج منطقة الشرق الأوسط، لاستقبال فلسطينيين من غزة، في إطار ترتيبات سياسية واقتصادية سرية تهدف إلى إفراغ القطاع من سكانه.
ووفق المصادر نفسها، فإن تنفيذ المخطط سيمنح إسرائيل مساحة استراتيجية للتوسع العسكري والسياسي مستقبلًا. وعلى المستوى القانوني، يشكل مخطط «كاتس» أزمة كبيرة، لأنه يتناقض مع اتفاقيات دولية تحظر النقل القسري للسكان تحت الاحتلال، خاصة أن الظروف القاهرة في القطاع تكشف بوضوح أن ما يحدث هو تهجير قسري.
على المستوى الإقليمي، يشكل مخطط «كاتس» تهديدًا مباشرًا لاستقرار دول الطوق (مصر، الأردن، لبنان، وسوريا) لأن المحاولات الإسرائيلية المستميتة لتهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى هذه الدول قد يخلق واقعًا أمنيًا جديدًا، ويفتح الباب أمام توتر سياسي إقليمي، ويعزز حالة عدم الاستقرار في المنطقة، ما قد يؤدي إلى أزمات إنسانية وأمنية تستمر لعقود.
البيئة المنكوبة:
من خلال تواصل «الأسبوع» مع العديد من المواطنين الفلسطينيين في مناطق عدة بالقطاع، منذ بداية العدوان وحتى الآن، بات واضحًا أن الحياة في غزة أصبحت شبه مستحيلة: نقص الغذاء والماء، انهيار النظام الصحي، غياب الكهرباء، ودمار البنية التحتية حوّل القطاع إلى منطقة منكوبة بكل المقاييس، مما جعل الجميع في غزة يتحدثون عن صراع يومي من أجل البقاء.
وتؤكد تقارير برنامج الغذاء العالمي، أن النظام الغذائي انهار تمامًا، إذ يحذر تقرير من أن «معظم سكان القطاع لا يجدون ما يكفيهم من الطعام» بسبب منع إسرائيل دخول معظم شحنات الإمدادات الغذائية.
كما أن المياه الصالحة للشرب أصبحت نادرة بشكل خطير، وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن 85% من آبار المياه ومحطات التحلية في غزة تعرضت للتدمير أو العطل بسبب القصف الإسرائيلي.
الكهرباء في غزة تحولت إلى رفاهية نادرة. تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية يوضح أن القصف الإسرائيلي أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بحيث لا يتوفر أكثر من 4 ساعات فقط يوميًا. هذا الانقطاع يؤثر على الحياة اليومية للسكان، ويتسبب في تعطل شبكات الاتصال، وأجهزة تنقية المياه، وحتى ما تبقى من المنشآت الصحية.
معظم السكان يعتمدون الآن على مياه غير صالحة للشرب، ما أدى إلى تفشي الأمراض المعوية وأمراض الكلى. من خلال حديثي مع أطباء في القطاع، تبيّن أن النظام الصحي في غزة لم يعد موجودًا فعليًا. تقرير صادر عن «أطباء بلا حدود» يؤكد أن 80% من المستشفيات والمراكز الطبية خرجت عن الخدمة بسبب القصف أو نقص الوقود.
تقرير صادر عن صحة غزة (اطلعنا على نسخة منه) يكشف أن أكثر من 60% من المصابين في الحرب ماتوا بسبب عدم تلقيهم العلاج المناسب في الوقت المناسب. كما تنتشر الأمراض المعدية في القطاع، مثل الكوليرا والتهاب الكبد الفيروسي، بسرعة نتيجة تكدس السكان في مراكز الإيواء المؤقتة، وغياب وسائل التعقيم والنظافة.
شبكات الصرف الصحي تعرضت للتدمير بالكامل تقريبًا. ومن خلال تواصلي مع مصادر محلية، فإن مياه الصرف الصحي التي تتدفق في الشوارع تؤدي إلى ارتفاع معدلات التلوث وانتشار الأمراض. المدارس بدورها تحولت إلى ملاجئ للنازحين، بالتزامن مع حرمان أكثر من 300 ألف طفل في غزة من التعليم، وفي غياب فرص التعليم والتنمية، يواجه هذا الجيل خطر الضياع التام.
الشرعية الدولية:
رغم أنها مواقف «منزوعة الدسم»، فإن الإجماع الدولي على رفض خطة «الانتقال الطوعي» لسكان غزة يعكس وعيًا عالميًا بأن ما يجري في القطاع لا يمكن اعتباره انتقالًا طوعيًا بأي شكل من الأشكال، بل هو نتيجة مباشرة لظروف معيشية قسرية تجعل البقاء مستحيلًا. الأمم المتحدة كانت من أوائل الجهات التي رفضت بشكل قاطع خطة ما يسمى بـ«الانتقال الطوعي» لسكان غزة.
وفي بيان صادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان، أكدت أن «الوضع الإنساني في غزة بلغ مرحلة الكارثة، وأي محاولة لنقل السكان تحت هذه الظروف تُعد تهجيرًا قسريًا وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وهذا الرفض الدولي لا يقتصر على التصريحات السياسية، بل تدعمه مواقف قانونية واضحة صادرة عن منظمات حقوقية دولية ومؤسسات أممية.
وتتبعت تقارير منظمة الأونروا واقع سكان غزة، فتبيّن أن «85% من سكان القطاع نزحوا داخليًا منذ بداية الحرب»، وترى منظمة العفو الدولية أن «الفلسطينيين في غزة ينزحون تحت وطأة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحقهم، رغم توقيع اتفاق هشّ لوقف إطلاق النار. العواقب المميتة والمدمرة تتفاقم، في ظل حرمان سكان القطاع من أبسط حقوقهم الأساسية».
أما منظمة هيومان رايتس ووتش، فتؤكد أن إسرائيل تستخدم الحصار والقصف كأدوات لدفع السكان إلى النزوح القسري، وتشير إلى أنه «منذ 2 مارس الجاري، منعت الحكومة الإسرائيلية مجددًا جميع المساعدات التي تدخل غزة، بما في ذلك الوقود»، وهو ما وصفته المنظمة بأنه «انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي».
وبموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن «إرغام السكان المدنيين على النزوح تحت تهديد القوة أو نتيجة ظروف معيشية قسرية يُعد جريمة ضد الإنسانية». وبالتالي، فإن خطة «الانتقال الطوعي» التي تروج لها الحكومة الإسرائيلية، في ظل الحصار والقصف، تندرج قانونيًا ضمن هذا الإطار.
وشددت هيومان رايتس ووتش على أن «مواصلة إسرائيل قطع المساعدات يتجاهل أوامر ملزمة من محكمة العدل الدولية»، ووثّقت المنظمة الحقوقية الدولية «موت آلاف الفلسطينيين في غزة نتيجة سوء التغذية والجفاف والأمراض الناجمة عن منع السلطات الإسرائيلية الحصول على الغذاء والمياه والإمدادات الضرورية».
وتدعو الأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية سلطات الاحتلال الإسرائيلية إلى توفير المساعدات المعيشية، لا سيما المياه والغذاء. إلا أن الظروف التي خلقتها إسرائيل خلال الشهور الأخيرة تحرم أكثر من مليونيْ فلسطيني منها، ما يؤدي إلى الموت البطيء، خاصة بين الأطفال حديثي الولادة.
و«فرض ظروف معيشية على جماعة بقصد تدميرها كليًا أو جزئيًا» يُعد إبادة جماعية. وعليه، فإن منع الغذاء والماء، والتسبب في الجفاف وسوء التغذية، يندرج ضمن هذه الجريمة، خاصة أن الأمهات يعجزن عن إرضاع أطفالهن بسبب سوء التغذية والجفاف. أما الأطفال الذين يعتمدون على الحليب الصناعي، فيتناولونه ممزوجًا بمياه ملوثة بسبب غياب المياه النظيفة.
وأفادت مجموعة «الأمن الغذائي» التابعة للأمم المتحدة أن «حوالي 80 مطبخًا مجتمعيًا (التكيات) سينفد مخزونها الغذائي قريبًا بسبب حظر إسرائيل للمساعدات»، فيما حذر برنامج الأغذية العالمي من أن «المخزون المتاح للمطابخ والمخابز العامة قد يكفي لأقل من أسبوعين» لكن العدوان طال حتى مكاتب الإغاثة الدولية.
وتعرض مكتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة لقصف أدى إلى تعطيل عمله. وحذرت اللجنة من أن «الأزمة الإنسانية في غزة ما تزال بعيدة عن النهاية، حيث يحتاج إنقاذ الأرواح إلى إيصال الدعم الإنساني بشكل فوري»، وتوضح اللجنة أنه «إلى جانب الإغاثة الطارئة، هناك حاجة إلى التزام طويل الأجل بإعادة بناء الخدمات الأساسية»
يشمل ذلك مراكز الإيواء، الإمدادات الطبية، والبنية التحتية للمياه والكهرباء، مشيرة إلى أن «تعليق إدخال الدعم الإنساني، بدأ يؤثر فعليًا في ارتفاع الأسعار ونقص السلع الأساسية».
وبموجب القانون الدولي الإنساني، يتعين على إسرائيل ضمان تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين في غزة، لا سيما السماح بمرور المساعدات الإنسانية.
أما استمرار الاحتلال في فرض الحصار ومنع المساعدات، فيُعد وفقًا لنظام روما الأساسي «جريمة إبادة جماعية».
وتحذر منظمات حقوقية دولية من أنه «دون اتخاذ إجراءات فورية لضمان حصول الفلسطينيين على كميات كافية من المياه النظيفة والمساعدات الغذائية، سيستمر موت أعداد كبيرة منهم بسبب الجفاف، والأمراض المنقولة عبر المياه، وسوء التغذية».
نتائج المخطط:
يتفق معظم المراقبين على أن مخطط «الانتقال الطوعي» الذي تنفذه إسرائيل في قطاع غزة ليس سوى غطاء لعملية تهجير قسري ممنهجة، لإفراغ القطاع من سكانه وإخضاعه لسيطرة إسرائيلية كاملة، ونجاح هذا المخطط سيمنح إسرائيل مكسبًا استراتيجيًا بتغيير التوزيع الديموغرافي وتقليص أي تهديد أمني مستقبلي، عبر إضعاف البنية الاجتماعية والعسكرية للفصائل الفلسطينية.
على المستوى القانوني، يمثل المخطط خرقًا صارخًا لتشريعات دولية، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة، ما قد يعرض إسرائيل لملاحقة قانونية دولية، أما المضى قدمًا في تنفيذ الخطة سيؤدي إلى زيادة العزلة الدولية لإسرائيل، خاصة مع تزايد التوثيق لانتهاكاتها، واقتصاديًا، ستواجه إسرائيل تحديات في فرض ترتيبات أمنية جديدة والتعامل مع حالة عدم الاستقرار الناجمة عن «التهجير القسري».