عندما تلعب السلحفاة مع الأسود.. جيرونا حكاية للتاريخ ضد "أكلشيهات" الزمن المتهالكة
تاريخ النشر: 4th, January 2024 GMT
منذ بداية ظهوره عام 1930 خليفة لفريق يونيو سبورتيفو جيرونا، في أقليم كتالونيا، نتيجة لسقوط الأخير في الأزمة الاقتصادية، لم يتوقع أكثر المتفائلين بفريق جيرونا إلا صعود النادي إلى الدرجة الثانية فقط.
حيث ظل النادي الكتالوني حبيسًا للدرجات الثانية والثالثة في الدوري الإسباني، خاصة بعد الحرب الأهلية في إسبانيا والمشاكل في إقليم كتالونيا، بالإضافة إلى هيمنة العملاق برشلونة، والقطب الآخر للمدينة إسبانيول.
ومع ذلك، ظهرت نقطة جديدة في تاريخ النادي، ولعلها بداية النهوض والثورة، وذلك بعد استحواذ مجموعة " سيتي جروب " على ما يقارب من 47% من أسهم النادي.
وبناء على التطور الذي حدث، صعد فريق جيرونا لأول مرة في تاريخه لبطولة الليجا الإسبانية في عام 2017، لكن لم يستطيع أن يستمر أكثر من موسمين، ليقابلها استقرار في دوري الدرجة الثانية لمدة ثلاثة مواسم متتالية.
ولكن في الموسم الماضي، تحت قيادة ميجيل سانشيز " ميتشل " ويترأسه بيري غوارديولا، شقيق بيب مدرب مانشستر سيتي، أختلف الموضع تمامًا، بعد أن احتل الفريق الكتالوني المركز العاشر، من ثم أداء بعقلية البطل هذا الموسم، والمنافسة مع ريال مدريد على الصدارة.
- استراتجية " ستي جروب " وتغيير قواعد القوىفمنذ أن استحوذت مجموعة أبوظبي للاستثمار، المملوكة للشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة في دولة الإمارات، على نادي مانشستر سيتي الإنجليزي عام 2008، واستثمرت فيه بشكل ذكي ليتحول سريعا من ناد مهمش متخم بالديون إلى أحد عمالقة إنجلترا وأوروبا، كانت هناك استراتجية جديدة للنهوض بكرة القدم خلال خمس قارات حول العالم.
وبالفعل كان مانشستر سيتي هو البذرة التي خرجت منها المجموعة التي تضم 11 ناديا في الوقت الحالي مملوكة للمجموعة، حيث ضمت المجموعة ناديي نيويورك سيتي الأمريكي وملبورن سيتي الأسترالي في عام 2013، وفي 2014 استحوذت المجموعة على ملكية نادي يوكوهاما مارينوس الياباني، ثم عادت للتوسع في 2017 بضم نادي مونتيفيديو توركي الأوروجواياني، يليه جيرونا الإسباني.
وخلال عام 2019 استحوذت المجموعة على ملكية نادي سيشوان جيونيو المنافس في دوري الدرجة الأولى الصيني، وبعد عدة أشهر استحوذت المجموعة على حصة أغلبية في نادي مومباي سيتي الهندي، من ثم نادي لوميل المنافس بدوري الدرجة الثانية البلجيكي يليه نادي تروا الفرنسي، وكان وقتها في الدرجة الثانية، وذلك عام 2020.
وفي عام 2021 أصبحت أندية بوليفار البوليفي بالإضافة أولمبيك الفرنسي (الدرجة الرابعة) شريكي للمجموعة، وأخيرًا انضم أليهم في 2023 باليرمو الإيطالي.
من هنا ظهر الهدف الأساسي للمجموعة وهو الاستحواذ على أندية وأكاديميات وشركات التسويق الرياضي، والتي تطمح دائما لزيادة الانخراط في صناعة كرة القدم داخل وخارج الملعب، والعثور على أفضل المواهب الكروية وتطويرها، وذلك من خلال تبادل الخبرات والتقنيات ومنهجية تدريب الموظفين واللاعبين وغيرها من المساعي المشتركة بين الأطراف الموجودة داخل المجموعة.
وبناء على ذلك تأثر فريق جيرونا بتلك الاستراتيجية " الأم " التي تسيطر على منهجية المجموعة في الوقت الحالي، من خلال الاعتماد على بيري جوارديولا، في التخطيط الرياضي، بالإضافة إلى الحصول على لاعبين من داخل المجموعة أمثال أليكس جارسيا، بالإضافة إلى يان كوتو من مانشستر سيتي الانجليزي.
- شخصية ميتشل واستنساخ " التيكي تاكا "من ينظر منكم إلى أداء جيرونا هذا الموسم، يبتسم ويتخيل استراتيجية فريقين " برشلونة - مانشستر سيتي " التمريرات القصيرة بين اللاعبين، والتحرك خلف دفاعات الخصوم، مع خلق مساحات للظهيرين للتقديم والدخول إلى عمق الملعب ليس مجرد " تكتيك " بل هي " تيكي تاكا " ولكن مصغرة نظرًا للإمكانيات الحالية للاعبو جيرونا.
ومع ذلك غير ميجيل سانشيز " الرسم التكتيكي " لجيرونا هذا الموسم، فلم يستقر على خطة بعينها معتمدًا على " اللامركزية " في تحركات لاعبيه على أرضية الملعب من ثم التحرر الهجومي.
حيث اعتمد ميشيل على خطط ( 1-3-2-4 و1-2-3-4 والتي ساهمت في الفوز على برشلونة بأربعة أهداف مقابل هدفين، و1-1-4-4 والتي اعتمدها خلال مواجهة الليلة الماضية أمام أتلتيكو مدريد، 3-4-3 والتي حقق من خلالها فوزًا صعبًا امام أوساسونا بنفس نتيجة برشلونة، و1-5-4 والتي كانت سببًا رئيسًا في السقوط أمام ريال مدريد بثلاثية نظيفة ).
ويرجع نجاح تلك الاستراتيجية إلى أسباب عديد الأسباب أبرزها نوعية اللاعبين، بالإضافة إلى التحرر الهجومي على أرضية الملعب، حيث أن هناك ثلاث لاعبين رئيسيين في هذا النهج وهم ( أليكس جارسيا ) المحرك الأساسي للفريق، والداعم الرئيسي لربط وسط الملعب بخطي الهجوم والدفاع، وهو ما ظهر بتسجيله ثلاثة أهداف وتقديم أربع تمريرات حاسمة لزملائه خلال 19 مباراة ( سافيو موريرا ) الجناح الأيمن الذي يعتمد عليه سانشيز في مهمتي اختراق الدفعات، والتوغل للعمق للقيام بالزيادة الهجومية في قلب الملعب في خطط 3-4-3 و1-3-2-4 و1-2-3-4 وهو ما انعكس على أداءه الهجومي بتسجيل خمسة أهداف وصناعة مثلها حتى الآن ( أرتم دوبياك ) الذي يمثل قوة كبيرة في هجوم ميتشل، حيث يعود اللاعب إلى منطقة الوسط ليكون المحطة الأولى لجارسيا، من ثم الإنخراط داخل دفاعات الفريق المنافس ليكون أول من يستقبل الكروات المرسلة من الظهيرين أرناو مارتينيز، ميغيل جوتوريز، وسجل هذا الموسم الموسم 11 هدف، وصنع خمسة آخرين.
- شقيق جوارديولا واختيار الصفقاتيعد بيري جوارديولا، شقيق بيب مدرب مانشستر سيتي، شخصية رئيسيه في نجاح نادي جيرونا، والذي يتولى منصب رئيس مجلس الإدارة، حيث يعد من أفضل الشخصيات في مجال الاستشارات للاعبي كرة القدم، فهو صاحب خبرة كبيرة في هذا المجال.
وعمل بيري جوراديولا بخبرته على اختيار أفضل الصفقات المميزة لدعم الفريق، إلى جانب التنسيق الواضح مع شقيقه بيب في استعارة عدد من اللاعبين الشباب لدعم صفوف الفريق الإسباني في كل موسم وفق أهداف متفق عليها، الأمر الذي أسهم بشكل كبير في دعم صفوف جيرونا، والانتقال إلى مرحلة فنية متطورة من أجل منافسات الكبار بجدية، والوصول إلى مراتب متقدمة.
وتعاقد بيري مع إريك جارسيا، بابلو توري من برشلونة على سبيل الإعارة، من ثم سافيو موريرا من توروا أيضًا بنفس الطريقة، باولو جزانيجا من فولهام في صفقة إنتقال حر، وداني بليند أيضًا بنفس الطريقة، وأنخيل هيريرا بقيمة 5 مليون يورو من مانشستر سيتي الانجليزي، بالإضافة إلى أرتم دوبياك.
- كبوة برشلونة وريال مدريد وأزمة الإصاباتوتعد المرحلة الانتقالية الصعبة التي يمر بها برشلونة في الوقت الحالي من أبرز الأسباب التي أظهرت قوة جيرونا هذا الموسم في الليجا، حيث يعمل البلوجرانا على إعادة التأهل لبناء فريق قادر على المنافسة، في الوقت الذي يُحرم فيه النادي من التعاقد بحرية، في ظل الوضع الاقتصادي الحالي.
في الوقت ذاته عانى برشلونة من أزمة كبيرة، بعد إصابة عدد كبير من اللاعبين، لعل أبرزهم بابلو جافي الذي تعرض لإصابة بقطع في الرباط الصليبي للركبة، مارك أندريا تير شتيغن الذي تعرض لإصابة في الظهر، ومن قبلهم كلا من رافينها دياز، لامين يامال، جول كوندي، والبولندي روبيرت ليفاندوفسكي، رونالد أراوخو.
على الجانب الآخر سيطرت أزمة الرباط الصليبي، على فريق ريال مدريد، بعد أن تلقى اللوس بلانكوس ضربة قوية بإصابة الثلاثي تيبو كورتوا، إيدير ميليتاو، بالإضافة إلى ديفيد ألابا بقطع في الرباط الصليبي للركبة، ثم تأثر النادي أيضًا بعد غياب فينيسيوس جونيور، وإدواردو كامافينجا، أوريلين تشاواميني.
وبناء على ذلك استغل جيرونا تلك الكبورات لصراع اللوس بلانكوس على لقب الليجا بعد مرور 19 جولة حتى الآن، من عمر المسابقة، حيث يحتل المركز الثاني برصيد 48 نقطة، وهو نفس رصيد ريال مدريد المتصدر بفارق الأهداف.
المصدر: بوابة الفجر
كلمات دلالية: جيرونا الدوري الاسباني نادي جيرونا الليجا تقرير كامل الدرجة الثانیة بالإضافة إلى مانشستر سیتی هذا الموسم ریال مدرید فی الوقت
إقرأ أيضاً:
عناصر الحياة الكبرى
سعيد ذياب سليم
المقدم
يصرخ الطفل أولى صرخاته، فتردد أمه صداها، معلنة بدء قصة الحب. تتلقفه الأيدي، وتلثمه الشفاه، وتحيطه الأغاني والزغاريد. منذ الأزل، يتكرر المشهد، ثم يخوض الحياة، متأرجحًا بين أفراحها وأحزانها. كما تعلو الأغاني في الميلاد، تهمس التراتيل في الوداع، وكأنها صدى الحياة من البدء إلى الختام. بين الحب والموسيقى والفن والفقد، تتشكل تجربتنا، ويبقى الزمن شاهدًا صامتًا.
المحور الأول: الحب – قوة التشكل والتواصل
الحب طاقة تحكم العلاقات، متجذر في الغريزة والصفات النبيلة. فمنذ الأزل، عبّرت الكائنات عن مشاعرها بطرقها الخاصة، والإنسان ليس استثناءً.
بين الغريزة والتعبير الإبداعي – الحب كقوة محركة
في مشهد فوضوي، تصرخ القطط ليلًا، تلاحق بعضها بعضًا كوحوش البرية، وكأن الطبيعة تفرض قوانينها. الحب، في جوهره، طاقة لا تخضع للعقل، بل تحركها دوافع داخلية. لكن الإنسان لم يكتفِ بالغريزة، بل صاغها في أشكال أكثر تعقيدًا، مبدعًا أساليب جديدة للتعبير عن مشاعره.
من الغريزة إلى الفن – الحب كقوة إبداعية
لم يكبح الإنسان شغفه، بل منحه لغة أخرى. يمسك آلته الموسيقية، تداعب أنامله أوتارها، فينطلق الأنين إذا تألم، وترفرف النغمات كرقصات الطائر إذا اعتراه الحب. تحول الحب إلى فن، والمشاعر إلى موسيقى، والموسيقى إلى ذاكرة مشتركة تتوارى خلف غلالة من العطر والأسرار.
الحب بين الرقة والبدائية
الحب، وإن بدا رقيقًا، يكشف نبل القلب ورهافة الإحساس، لكنه أيضًا يوقظ النمر القابع تحت الجلد، فتولد نسخة أخرى من الإنسان، أكثر بدائية وأكثر سموًا في آن واحد. فلا غرابة إذا صرخ تحت ضوء القمر كالذئاب: يا ليل.. يا عين. حينها، تصبح هي الأكسجين، ويصبح هو هيموغلوبين الدم، يشد أحدهما الآخر بطاقة تتجاوز حدود البشر.
الحب كضرورة للحياة – نزار قباني نموذجًا
الحب ليس مجرد شعور عابر، بل قوة كونية تتجلى في الإبداع والفن، وهذا ما عبّر عنه نزار قباني حين قال:
“سأقول لك ‘أحبك’.. وسنابل القمح حتى تنضج بحاجة إليك.. والينابيع حتى تتفجر.. والحضارة حتى تتحضر..”
هنا، يصور الحبيبة كمصدر إلهام يتجاوز المشاعر، ليشمل الطبيعة، والثقافة، والإبداع، حيث يصبح الحب قوة محركة للعالم، تجعله أكثر خصوبةً ونضجًا وتحضرًا.
المحور الثاني: الموسيقى – لغة الروح والتعبير العابر للحدود
الموسيقى لغة عالمية لا تحتاج إلى قواميس، فهي توقظ العواطف، وتهتز لها الأجساد كما تهتز الأرواح. في إيقاعاتها تنبض القلوب، وعلى أنغامها تتشكل الذكريات. قد تكون خلفية لرقصة عابرة تحت نجوم واهنة، أو عزاءً خفيًا في لحظة وحدة على شاطئ بعيد. بفضل الألحان والإيقاعات، تنقل الموسيقى تجارب إنسانية عميقة، وتخلق روابط تتجاوز حدود اللغات والثقافات. إنها الرفيق الخفي في لحظات الفرح والحزن، في السهرات الطويلة، وفي المعارض والمسارح وقاعات الرقص. وكما يوقظ الحب الجانب العاطفي في الإنسان، تمنحه الموسيقى صوتًا يعبر عنه.
في مختلف المجتمعات، تبرز الموسيقى كصوت للنضال، ترافق الثورات والحركات التحررية كما تُخلد اللحظات العاطفية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك أغنية Fernando لفرقة ABBA (1976)، حيث تسترجع الراوية ذكريات ماضية عن صديقها فرناندو، متحدثة عن لحظة مواجهة وسط المعركة، حين كانا يقاتلان من أجل الحرية:
“كنا مستعدين للموت من أجل الحرية، ولم يكن لدينا ما نخسره، لم أفكر أبدًا أنني قد أشعر بالحزن، يا فرناندو.”
تعكس هذه الكلمات روح النضال والمشاعر المتضاربة بين الشجاعة والخوف، مما جعل الأغنية تترك بصمة خالدة في عالم الموسيقى.
المحور الثالث: الفن – إعادة تشكيل الواقع وإبداع العوالم
عندما بدأ الإنسان بمحاكاة الطبيعة، لم يكن يسعى فقط إلى تسجيلها، بل إلى التعبير عن مشاعره وفهمه للعالم. نشأ الفن كوسيلة للتفاعل مع الوجود قبل أن يُمنح اسمًا، وكان وسيلة لإعادة تشكيل الواقع وفق رؤية الإنسان.
منذ ذلك الحين، أصبح الفن مرآة تعكس تجربة الإنسان، لكنه لا يكتفي بعكس الواقع، بل يعيد تشكيله. استمد الفن الأولي رموزه من مخاوف الإنسان القديم، كقوى الطبيعة والحيوانات المفترسة، وحاول احتواءها عبر الرسم والنحت والطقوس. ومع تطور المجتمعات، لم يعد الفن وسيلة للسيطرة على الغموض فحسب، بل أصبح تعبيرًا عن المشاعر وهوية الفرد والجماعة، مما ساهم في تطور الفكر النقدي وتعزيز الإدراك الجمالي.
مع الزمن، توسعت أساليب الفن، متجاوزة التقليد إلى الإبداع الحر. ظهرت نظريات مثل قوانين المنظور والنسبة الذهبية كأسس للتوازن الجمالي، وشهد التاريخ ولادة مدارس فنية كالتكعيبية والسريالية، التي لم تكتفِ بإعادة إنتاج الواقع، بل قامت بتفكيكه وإعادة تركيبه، مقدمة عوالم بصرية تتحدى الإدراك التقليدي.
تُعد لوحة “غرنيكا” لبيكاسو مثالًا على الفن كأداة للوعي والتأثير، حيث خلدت مأساة الحرب الأهلية الإسبانية برموز بصرية قوية تعكس الألم والفوضى. ومع ذلك، لم تُخلد مأساة هيروشيما أو غزة بالقوة ذاتها، مما يثير تساؤلات حول انتقائية التوثيق الفني وتأثيره.
إلى جانب الفنون البصرية، ارتقت الفنون الأدائية إلى أشكال أكثر تعقيدًا، حيث صاغ الإنسان المسرح، الذي جمع بين الغناء، والرقص، والموسيقى، والنص الأدبي. أما الأدب، فقد تطور من الحكايات الشفوية إلى أشكال روائية معقدة تعيد بناء العوالم الاجتماعية والنفسية بعمق. ومع تطور التكنولوجيا، ظهرت السينما كفن شامل يمزج بين التمثيل، والشعر، والموسيقى، والفن التشكيلي، لتصبح وسيطًا إبداعيًا قادرًا على إعادة تشكيل الواقع بطرق بصرية وحسية غير مسبوقة. السينما، كأداة تجمع الفنون، لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت لغة عالمية قادرة على التأثير في الوعي الجمعي ونقل التجارب الإنسانية عبر العصور.
في العالم العربي، نجد أمثلة بارزة على التفاعل بين الفن والواقع، كما في أعمال نجيب محفوظ، التي تجاوزت التوثيق إلى نقد اجتماعي وسياسي عميق. أما لوحات إسماعيل شموط، فتعكس الهوية الفلسطينية والمقاومة، فيما يعالج المسرح العربي قضايا إنسانية بطرق إبداعية، مما يؤكد دور الفن في تشكيل الوعي الجماعي.
الفن ليس مجرد انعكاس للعالم، بل هو إعادة تشكيل له وفق رؤية الفنان، مما يجعله وسيلة لإبداع عوالم بديلة تتجاوز حدود الواقع المحسوس. فهل يعكس الفن الحقيقة كما هي، أم أنه يخلق واقعًا جديدًا لا يقل تأثيرًا عن العالم الفعلي؟ وكيف يمكن للفن الحديث، مع تطور التكنولوجيا، أن يستمر كأداة لإعادة تشكيل الإدراك الإنساني؟
المحور الرابع: الفقد – المواجهة والشجاعة الداخلية
الفقد تجربة تضرب الإنسان بعنف، كإعصار يقتلع جذوره ويجرفه بعيدًا عن أرض استقراره، ليحمله في الهواء ويطوح به رأسًا على عقب قبل أن يسحقه بالصخر ويذروه كذرات الرماد. لكنه، رغم قسوته، قد يكون لحظة إعادة تشكيل، اختبارًا لقوة الإنسان في مواجهة الحياة وإعادة تعريفه لنفسه.
أنواع الفقد وتأثيرها
ليس الفقد مجرد موت من نحب، فقد يكون فقدان رفيق روح اختار الابتعاد، أو مغادرة أرض أحببناها، أو خسارة عمل كنا نحيا به، وحتى وداع حيوان رافقنا زمنًا. في كل حالة، يتلون الفقد بألم مختلف، لكنه يعيد تشكيلنا بطرق لم نتوقعها.
الحزن بين الانكسار وإعادة البناء
هو حالة إنسانية تتنوع من شخص لآخر، لكن مهما اختلفت ردود الفعل، يبقى الحزن مرحلة لا بد أن يمر بها الجميع. يأخذنا الحزن إلى عوالم غريبة، نعيش معه طقوسًا لم نألفها. نجوب الشوارع بذهول، نقف وسط الزحام كالغرباء، نسمع ضجيج الحياة دون أن نكون جزءًا منها. نجد أنفسنا على ناصية خالية، أو في مقاهٍ مهترئة بالوحدة، نراقب الحياة تمضي بينما نحن عالقون في ثقل الفقد. لم نلتقِ بالموت الذي بحثنا عنه ، لكنه ترك فينا فراغًا هائلًا.
ولكننا، شيئًا فشيئًا، نلملم أنفسنا كقطعة قماش علقت بشجرة شوك، تمزقت، لكنها لم تفقد ماهيتها. ينمو على جلودنا قشر جديد، وتكتسي أجنحتنا بريش أكثر صلابة، فتعود لتحملنا بعناد في وجه الريح.
كيف يجعلنا الفقد أكثر وعيًا بقيمة الأشياء؟
بعد العبور من هذا الألم، نشعر وكأننا نعود من الموت، لكن بنظرة جديدة للحياة. نواجهها بشجاعة أكبر، نشكر الله على كل لحظة، وندرك أن كل شيء كان يبدو مستمرًا قد يكون مؤقتًا.
مقارنة بين الحزن المدمر والحزن الذي يصنع القوة الداخلية
هناك نوعان من الحزن:
في النهاية، الفقد ليس مجرد خسارة، بل هو نقطة تحول. بين الألم والتجاوز، نكتشف ذواتنا، ونصبح أكثر صلابة في مواجهة عشوائية الحياة.
المحور الخامس: الزمن – العنصر الصامت الذي يحرك كل شيء
الزمن ليس مجرد خلفية صامتة تدور فيها أحداث الحياة، بل هو قوة فاعلة تتداخل مع التجربة الإنسانية، تعيد تشكيلها، وتصقل معانيها، أحيانًا بلطف، وأحيانًا بعنف. إنه المسرح الذي تتحرك فيه تجارب الحياة: الحب، الفقد، الموسيقى، والفن، لكنه ليس مجرد شاهد عليها، بل هو من يصنعها.
كيف يعيد الزمن تشكيل المشاعر؟
الحب تحت تأثير الزمن يتحول من شغف إلى دفء هادئ، يكسوه الرماد لكنه لا ينطفئ. والفقد يبدأ كجرح ثم يصبح ندبة تحكي قصة الصبر، وأحيانًا يصبح مجرد ظل لذكرى بعيدة.
أما الموسيقى والفن فهما المرايا التي تعكس تغيراتنا عبر الزمن. اللحن الذي أبكانا قد يصبح عزاءً هادئًا، واللوحة التي مرت علينا قد تكشف عن معانٍ جديدة مع تقدمنا في العمر.
الزمن بين التحول والثبات
الزمن يمنحنا تراكم التجربة لكنه يسلبنا أشياء في المقابل. البعض يصبح أكثر حكمة، بينما يجد آخرون أنفسهم غرباء في عالم يتغير بسرعة تفوق قدرتهم على التكيف.
هل نحن من نصوغ علاقتنا بالزمن، أم أنه هو من يعيد تشكيلنا دون أن نشعر؟ في النهاية، الزمن ليس مجرد مقياس للدقائق والساعات، بل هو الحَكَم الصامت الذي يحسم كل شيء.
الخاتمة
الحب، كالموسيقى، ينساب في تفاصيل حياتنا، يمنحها نبضًا ومعنى، ويجعل من المشاعر لغة تتجاوز الكلمات. حين يحوّل الإنسان شغفه إلى فن، فإنه يعيد تشكيل العالم كما يراه قلبه، متجاوزًا حدود الغريزة إلى آفاق الإبداع. وكما يُطبع الوجود بالموسيقى، فإنه يُختبر أيضًا بالفقد، الذي، رغم قسوته، يوقظ فينا الشجاعة، ويجعلنا أكثر إدراكًا لمعنى ما نملك.
هكذا، بين الحب والموسيقى والفن والفقد، تتشكل ملامح الرحلة الإنسانية، حيث لا شيء يضيع حقًا، بل يعاد تشكيله في صورة أخرى، تمامًا كما تعيد الرياح نحت الصخر، وكما تعود الحياة دومًا للعزف على أوتار الزمن.
لكن، يُمكن القول أن هذه العناصر ليست ثابتة للجميع، إذ أن كل شخص يضيف عناصر أخرى بناءً على تجربته الخاصة. فالحياة، كما يراها كل فرد، تحمل تنوعًا لا نهائيًا، وتتعدد العناصر التي تؤثر فيها وفقًا لزاويته الخاصة ورؤيته للوجود.