"ترويدة الشمالي".. الفن عندما يصبح لغة بين الأسرى وعائلاتهم
تاريخ النشر: 3rd, January 2024 GMT
على وقع القصف المأساوي في قطاع غزة، تُرافِق المشاهد الدموية المنتشرة عن الحرب مؤخراً، أغنية بكلمات رغم غرابتها تحمل الهم والمأساة والحزن والرثاء والشوق الفلسطيني.
ففي ذاكرة اللجوء، عانى الشعب الفلسطيني أشكالاً استعمارية عديدة، وبالرغم من تعددها، اعتاد الفلسطينيون الصمود بوجهها بكل ما يملكون من أدوات، وكان الفن خير وسيلة.
وفي الطريق لطرح الظلم الواقع، أنتجت هذه الذاكرة الكثير من الفنون الفلكلورية الفلسطينية، وإحدى هذه الأغنيات تُعرف بـ "ترويدة الشمالي" وتعرفُ أيضاً بالملولة، وهي جزء من الأغنية التراثية التي غنتها السيدة الفلسطينية الحرة لأسراها.
وهو نوع من الفلكلور الفلسطيني كلماته بنيت على أساس أن تبدو كشيفرة، لكن في حقيقة الأمر أن تلك الكلمات غير المفهومة، هي لغة تم اختراعها حتى لا يستطيع المستعمر البريطاني الذي يفهم بعض الكلمات العربية أن يفهمها.
وباتت اللغة للتحدث مع الأسرى، تقوم على أساس قلب الحرف الأخير من كل كلمة وإضافة حرف اللام في نهايتها، واستمر التعامل بتلك الترويدة حتى بعد النكبة، وإلى الآن يوجد كثير من سكان المخيمات لا يزالون يجيدون التحدث بتلك اللغة بطلاقة.
واستخدمت أمهات الأسرى هذه الكلمات لتبشير المعتقلين الفلسطينيين في السجون البريطانية باقتراب خلاصهم، إذ أعادت الحرب الأخيرة على غزة ذكرى هذا الفن إلى الساحة، لكن هذه المرة بوقع أقسى وأشد كارثية.
ومع اندلاع الحرب على غزة مرة أخرى، انتشرت هذه الأغنية بشكل ملحوظ عندما أعادت فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية أداءها، كصورة لرفض الحرب.
المصدر: موقع 24
كلمات دلالية: حصاد 2023 التغير المناخي أحداث السودان سلطان النيادي غزة وإسرائيل مونديال الأندية الحرب الأوكرانية عام الاستدامة فلسطين
إقرأ أيضاً:
كلُّ تقدُّمٍ… لكي يصبح حقيقيًا!
في عالم السياسة السودانية، حيث تتكرر الأزمات وتُعاد إنتاج الأخطاء، يبدو التقدُّم كحلم معطّل، أو ربما كذبة تُسَوَّق في كل مرحلة باسمٍ جديد. فكلما ظنّ الناس أنهم تجاوزوا الماضي، عاد إليهم بأقنعة مختلفة.
منذ الاستقلال، كانت معركة السودان الكبرى مع التقدُّم، لكنه ظلَّ مؤجلاً، إما بسبب القادة الذين استبدلوا الولاء للوطن بولاءات أخرى، أو بسبب الأحزاب التي جعلت الديمقراطية شعارًا دون أن تمارسها داخليًا، أو بسبب الحركة الإسلامية التي قادت السودان لعقود، لكنها لم تستطع خلق مشروع يوازن بين الدين والسياسة دون أن يتحوّل إلى أداة تسلطية.
الإسلاميون بين الأيديولوجيا والسلطة
الحركة الإسلامية السودانية، التي حملت شعار "الإصلاح والتغيير"، وجدت نفسها في مأزق مزدوج: بين منطق الدعوة ومتطلبات الحكم، بين خطاب المبادئ وحسابات المصالح، وبين خطاب "التمكين" الذي انتهى إلى عزلة سياسية ومجتمعية. كانت قيادة الترابي للمؤتمر الشعبي مثالًا على هذا التخبّط، فبينما أراد أن يكون مجددًا، أدار الأمور أحيانًا بعاطفية أقرب إلى الرغبة في الانتقام ممن خاصموه سياسيًا.
أما الإسلاميون الذين بقوا في السلطة، فقد تورطوا في الدولة العميقة التي صنعوها بأنفسهم، ولم يعد السؤال: "هل هم جزء من الحل؟" بل: "هل يمكنهم الخروج من كونهم جزءًا من المشكلة؟"
الأحزاب التقليدية... ديمقراطية بالخطابات فقط!
الحديث عن غياب الديمقراطية داخل الأحزاب السودانية ليس جديدًا. منذ الأربعينيات، كانت الأحزاب تُدار بعقلية "الزعيم الملهم"، وكلما تغيّر الزمن، لم تتغير العقليات. لا تزال الزعامات تُورَّث، والخلافات لا تُحسم بالتصويت، بل بالانشقاقات والتكتلات.
كيف لحزب أن ينادي بالديمقراطية في الدولة، وهو لا يمارسها داخله؟ كيف لحزب أن يتحدث عن التجديد، وهو يعيد إنتاج نفس القيادات التي ظلت في الواجهة لعقود؟
الولاء المزدوج... بين الخارج والداخل
من أكبر معضلات السياسة السودانية أن كثيرًا من الفاعلين السياسيين لا ينتمون للسودان وحده. بعضهم يدين بالولاء لتنظيمات عابرة للحدود، وبعضهم يرتبط بقوى خارجية تموّله، وبعضهم يوازن بين "الخطاب الوطني" والعلاقات الخاصة التي لا تُقال في العلن.
هذا الولاء المزدوج يجعل التقدُّم مستحيلاً، لأن القرارات تُصنع بناءً على حسابات خارجية، لا على ما يحتاجه الشعب. كيف يمكن الحديث عن استقلالية القرار الوطني، إذا كانت بعض القوى السياسية تنتظر الإشارة من الخارج قبل أن تتحرك؟
ما بعد العيد... هل سنفكر؟
نعود بعد كل أزمة إلى نقطة الصفر، نعيد نفس النقاشات، ونحاول أن نصلح ما فسد، ثم تتكرر الأخطاء، وكأن السودان محكوم بلعنة الدوران في نفس الحلقة.
لكن إذا كان هناك شيء واحد بقي للفقراء في هذا البلد، فهو الضحك. إنها النعمة الوحيدة التي نجت من الخراب، والتي سنحملها معنا من فجر التاريخ إلى نهايته. وسأظل أنا، الضاحك الأعزب الفقير، أرى جيلاً قادمًا من الرجال سيعيش هذه المتناقضات في نموذج أكثر تطورًا، كأنهم "الفقير الروبوت" في عصر الذكاء الاصطناعي!
أما السياسة؟ فستبقى تدور في دوائرها، حتى نجد لحظة حقيقية لنسأل أنفسنا: هل كل تقدُّم هو تقدُّم حقيقي؟ أم أننا فقط نتحرك... في المكان؟
zuhair.osman@aol.com