لجريدة عمان:
2025-04-06@19:31:15 GMT

نشأة المسرحية في فلسطين «3»

تاريخ النشر: 2nd, January 2024 GMT

«غزَّة في سِفْر الرَّحالةِ أكبرُ منْ

كّلِّ الدُّنيا

فَلِماذا يَجتمِعُ عليْها الشَّرُّ؟

وَكُلُّ حُثالاتِ الأشرارِ،

لماذا يُرْهِقُها الظُّلْمُ وَيُوجِعُها الفَقْرُ؟

وَتَشْقى في الحَرِّ وَفي القَرِّ،

وَلَكِنْ لا تَحْني الهامَةَ

وَيَظَلُّ الغَزِيُّ شَديدَ الباسْ؟

وَيَظَلُّ الغَزِيُّ إِذا ما اشْتَدَّ

ظَلامُ الكَوْنِ وَظُلْمُ ذَوي القُربى

يَبْحَثُ عنْ شَمْسٍ تائهةٍ

مَرْفوعَ الرّاسْ» إبراهيم السعافين- ديوان شَمْسٌ تَائِهةٌ.

(1)

يُّعد كتاب (نشأة الرواية والمسرحية في فلسطين حتى عام 1948م، للدكتور إبراهيم السعافين، (167) صفحة، الذي صدرت طبعته الأولى في الأردن عن دار الفكر للنشر والتوزيع في عام 1985م أحد الكتب التأريخية المهمة للتعرّف على تاريخ الدراما ونشأتها في فلسطين. أواصل في هذا الجزء الأخير، تناول العناصر الفنية للمسرحيات أو التمثيليات المتبقية، وهما عنصرَا الشخصيات، واللغة والحوار.

اهتم مؤلف الكتاب بتحليل بعض النماذج رابطا معالجة المسرحيات بوحدة واضحة، منطلقا من بديهية منهجية محددة، أنه «إذا كانت المسرحية قد اهتمت بعرض القضايا التاريخية التي تخدم الواقع الراهن، فإنها اهتمت بالأفكار والأحداث معا - ص148»، وتجدر الإشارة، إلى أن الفترة الزمنية التي تناولها المؤلف تقف عند عام 1948م، وأن الكتّاب المسرحيين الذين قد أشرتُ إليهم في الجزأين السابقين، تنتمي نصوصهم إلى مرحلة يغلب عليها البساطة ومعطيات النشأة، واستراتيجية التأثر بالتراث.

يتابع في الفقرة نفسها: «وهذا الاهتمام -يقصد بالأفكار والأحداث- لا بد أن ينعكس على الشخصيات بصورة مختلفة. وإذا كانت الشخصيات قد ارتبطت بالأفكار من جهة وبالأحداث من جهة أخرى، فإن هذا الارتباط لم يعطها قدرة على الحياة والتلقائية والنمو- ص148».

إن الشخصية المسرحية باعتماد النقاد مكون صعب للغاية، فخطوط الشخصية الرئيسة لا بد ولها أبعاد تعرّف بها، ولا تكون إلا بها، ومن دونها يصعب الكلام أو النقاش في المسرح التقليدي عن مكون الشخصية الفنية. فإذا لم يعرف المؤلف المسرحي أبعاد شخصياته الفسيولوجية والاجتماعية والنفسية، سيخسر ركنًا مهما من أركان بناء مسرحيته.

كنتُ قد أشرت في الجزأين السابقين إلى أن عناوين مسرحيات تلك الفترة في فلسطين، حيث اهتم مؤلفوها بتخصيص عناوين المسرحيات بأسماء شخصيات تاريخية معروفة. والمتأمل للمسرحيات التي اتخذت من التاريخ موضوعا لها يجدها قيدت شخصياتها بالروايات التاريخية المدونة في كتب الأدب والتاريخ.

ويجب في كل مسرحية شخصياتها مستلهمة من التاريخ، أن يعي مؤلفوها ببناء شخصيات «نامية متطورة تتيح للصراع أن يشتّد، وللمواقف أن تتناقض، دون ثبات في الشخصيات أو المواقف- ص149».

ففي مسرحية «في ذمة العرب» لمؤلفها (نجيب نصار) يرى الدكتور السعافين أن مؤلفها لم يحاول التعمق في شخصية الملك النعمان، فلم يولِ علاقته بعديِ بن زيد عناية تحتاجها الشخصية، لا سيما، وأنه كشخصية مساعدة سيقدم له يد العون ليوّليه كسرى أمر العراق.

واللافت للانتباه أن المؤلف نفسه، عندما لجأ إلى استلهام التاريخ لم يستفد من بعض بذور العُقد النفسية في شخصية النعمان، فاكتفى بالرواية التاريخية دون معالجتها حسب مقتضيات الخيال الفني.

تجدر الإشارة في هذا السياق، أن على المؤلفين الذين يستلهمون التراث البعيد أو القريب، أو يتجهون إلى التاريخ البعيد، الانتباه إلى مسألة غاية في الأهمية، وسؤال لا يجب تجاوزه: أما الغاية ففي السؤال التالي: ماذا أريد أن أقول من وراء هذه الشخصية إذا لم أتجرأ عليها؟ وأما السؤال فيتجسد فيما إذا قلبت تاريخ الشخصية، وسجلت موقفا منها، فبنيت لها سرًا دفينا، أو وضعت من كحة منديل تحمله في يدها، هل كانت الدراما ستنهار بكليتها؟

إن تناول الشخصيات التاريخية في الفن مسألة حساسة جدا، لكن على المؤلف الانتباه أن تطورها يجب أن يكون من داخلها، وليس من ردود فعلها على أحداث تصدر من الخارج.

حول الجزئية السابقة يقول السعافين عن مسرحية «شمم العرب» لمؤلفها (نجيب نصار):»وقد اهتمت مسرحية شمم العرب بالمواقف، وجعلت الأحداث تبعا لها، وسلبت الشخصيات القدرة على التصرف بعيدا عن دائرة القيم العربية المتوارثة، فربطت الصراع الخارجي في نفوس الشخصيات بما ينشأ عن هذه القيم من ردود أفعال... -ص150»

كما يتناول إبراهيم السعافين بعض شخصيات المسرح الشعري، ونقتطع قوله عن مسرحية (امرؤ القيس بن حجر) للمؤلف (محمد حسن علاء الدين) منتخبا فيها مشهد مصرع كليب قائلا إنه: «قد استطاع أن يخطو خطوة أفضل في تصوير الشخصيات، فقدم لنا «كليبا» في صورة الجبار الطاغية، حتى أوغر صدورنا عليه، وقدمه في مشهد قتله إنسانا عاديا يفكر في طفله القادم، وفي زوجته، بل في جثته، فإن المؤلف استطاع أن يهب شخصياته الحيوية والحركة -ص152».

أما عنصر اللغة والحوار فأهميته لا تقل عن العناصر السابقة (البناء الفني، والحبكة والصراع، والشخصيات)، إلا أن هذا العنصر تنبع سلطته في استناد المسرحية إليه استنادا كليا، ما عدا أطروحات نصوص المسرح الطليعي وما جاء بعده من اتجاهات ومذاهب.

ويصل السعافين إلى نتيجة بشأن الكتّاب الذين تباينوا -في هذه الفترة- في طريقة توظيفهم للغة، ويجد أنهم جميعا لم يصلوا إلى التصور الفني المطلوب تجاه دور اللغة في الحوار خاصة، وفي عناصر المسرحية بوجه عام -ص153.

وللتدليل على ذلك، يقف عند مقدمة مسرحية (وفود النعمان على كسرى أنو شروان) ونظرة مؤلفها إلى المشكلة من جانب الشكل اللغوي الذي كتب على لسان إحدى شخصياته هذا الحوار: «أن العرب أمة قد غلظت أكبادها، واستحصدت مرتها، ومنعت درتها... -ص153»، وغيرها من الشواهد.

إن اجتهاد مؤلف المسرحية في رصف العبارات الفخمة، والألفاظ البدوية، والجمل المسجوعة، يوضح الرؤية التي انطلق منها مؤلف المسرحية، الذي كتب في المقدمة قائلا: «... فترددتُ بادئ الأمر لأني أعرف أنه ليس من السهل إلباس المعاني الحاضرة، حلة بدوية جاهلية... - ص153».

يضطلع بناء الشخصية بمعرفة أنماطها، والكيفية التي تظهر عليها الشخصية يتمثّل ظاهريا عن طريق الحوار، ثم الولوج به للكشف عما يعتمل في داخلها من مواقف حدثت معها في طفولتها، وساهمت في تحوّلها حسب مواقف النص الدرامي. فإذا أخل المؤلف المسرحي بهذا الرُّكن، انعكس ذلك على تفاعلها ونموها. ويُعد الحوار المسرحي الناجح إحدى المهام التي على المؤلف الاعتناء به. يرى إبراهيم السعافين أن مؤلف المسرحية (وفود النعمان على كسرى أنو شروان) لم يهتم اهتماما جيدا بلغة حوار شخصياته، فظهر على لسانها موقف المؤلف الذي يقسر عليه الشخصيات جميعا.

كما توقف صاحب كتاب (نشأة الرواية والمسرحية في فلسطين حتى عام 1948م) عند مسرحية (في ذمة العرب) لمؤلفها (نجيب نصار) وأولاها تحليلا كما فعل مع سابقتها (وفود النعمان على كسرى أنو شروان)، ولكنه إلى حد ما، وجد فيها عناية من مؤلفها باستخدام لغة تقترب من لغة الكتابة في أوائل هذا القرن، وتُترجم عما يريده المؤلف، ودلل على ذلك بحوار شخصية (عدي بن زيد) إلى الجلاد، حيث يقول: «إني أشفق عليكم أيها الشرط والجنود فأنتم آلات صماء، يستخدمها الملوك وأولو الأمر تارة للخير، وأخرى للشر. كثيرا ما تكونون بيد الظالمين القوة الغاشمة، التي تقتل كل شعور بالحق... -154». ويلتفتُ أيضا، إلى قدرة نجيب نصار في مسرحية (شمم العرب) في استخدامه للعبارات التي تناسب الشخصيات في سياقها الدرامي المناسب، وكذلك، قدرة الحوار أحيانا على تصوير معاناة الشخصية.

كنا قد أشرنا في الجزء الأول (نشأة المسرحية في فلسطين) إلى أن الموضوعات التي تناولها المؤلفون المسرحيون الفلسطينيون في فلسطين حتى عام 1948م استمدوها من مصادر مختلفة؛ فمنهم من استلهم من التاريخ البعيد أو القريب، أو من التاريخ المحلي أو القومي، ومنهم من اتصلت مسرحياته بتناول القضايا الاجتماعية. وفي الجزء الثاني استشهدنا باسم المؤلفة (حنة شاهين، التي لها مسرحية بعنوان (جزاء الفضيلة)، وقلنا إن المؤلفة غلب على مسرحياتها ما غلب على الكتّاب جميعهم؛ الذين سعوا إلى الخوض في قضايا المجتمع، وأن أسلوب المسرحيات اتسم «بسذاجة المعالجة أحيانا، وسطحية الرؤية أحيانا أخرى»، وفي هذا الجزء الأخير من عرضنا للكتاب، يولي السعافين وقفة لهذه المسرحية، التي تصور كاتبتها «المتاعب التي يلقاها الفضلاء المحسنون من الأوغاد الأشرار، غير أن العاقبة الحسنة تكون من نصيب الأخيار، بينما يلقى المسيئون جزاء إساءتهم عاقبة وخيمة. ويجد السعافين أن سذاجة معالجة الشخصيات أثرت في لغتها وحواراتها، بالرغم من محاولة المسرحية اختيار لغة تتفق وطبيعة الشخصيات، وتتسق مع لغة الكتابة المعاصرة، «غير أنها لم تتنوع، لأن مستوى الشخصيات يحدد مستويات اللغة. وإذا كانت الشخصيات محكومة بفكرة المؤلفة، فإن هذه اللغة ستبقى في مستوى واحد لا تتعداه... -ص156».

ختاما...

أُسجل في ختام هذا العرض المقتضب لكتاب (نشأة الرواية والمسرحية في فلسطين حتى عام 1948م)، لمؤلفه الدكتور إبراهيم السعافين، البالغ عدد صفحاته (167) صفحة، على أهمية التعرّف على جزء نجهله كثيرا عن نشأة المسرح في فلسطين، وأيّ كتابة عنه اليوم في ظل الأحداث السياسية الملتهبة في «غزة العزة»، هو شكل من أشكال بناء الذاكرة -ذاكرتنا- الثقافية والإنسانية. وإذا كانت المهمة شاقة وكبيرة، لكن بها من الإقبال عليها مغامرة تستوجب الخوض في غمارها، كي لا ننسى فلسطين.

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: المسرحیة فی فلسطین من التاریخ

إقرأ أيضاً:

قصور الثقافة.. عروض مسرحية مجانية وأنشطة مكثفة بقرى حياة كريمة

ضمن برامج وزارة الثقافة، وبرعاية الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، تقدم الهيئة العامة لقصور الثقافة، برئاسة اللواء خالد اللبان، هذا الأسبوع أچندة فعاليات ثقافية وفنية حافلة، تنطلق من صباح اليوم الأحد، وتستمر حتى السبت المقبل 12 أبريل، تنفذ بإشراف الكاتب محمد ناصف، نائب رئيس الهيئة.

أنشطة مكثفة بقرى "حياة كريمة" بدمياط

تعزيزا لمبدأ العدالة الثقافية، تستقبل قرى "حياة كريمة" بمركز كفر سعد، بمحافظة دمياط، بدءا من غد الاثنين، برنامجا ثقافيا وفنيا متنوعا، يستمر حتى 11 أبريل، يتضمن ورشا فنية وحرفية، بالإضافة إلى ورش اكتشاف المواهب، والعروض الفنية، الأمسيات الشعرية، عروض مسرح العرائس للأطفال، وورش الحكي والألعاب الشعبية.
كما تشمل الفعاليات المقدمة بالمجان لأبناء المحافظة، معرض للكتاب، ولقاءات تثقيفية بمشاركة نخبة من المتخصصين، وأخرى توعوية بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة، صندوق مكافحة وعلاج الإدمان، والشركة القابضة للمياه.

الوادي الجديد تستضيف أطفال المحافظات الحدودية ضمن مشروع "أهل مصر"

تستضيف محافظة الوادي الجديد، غدا الاثنين، فعاليات الأسبوع الثقافي السابع والثلاثين لأطفال المحافظات الحدودية ضمن مشروع "أهل مصر".تقدم الفعاليات حتى ١٣ أبريل الحالي، وذلك لـ 200 طفل من أطفال المحافظات الحدودية الستة: شمال سيناء، جنوب سيناء، البحر الأحمر "مدن حلايب والشلاتين وأبو رماد"، الوادي الجديد، مطروح، وأسوان، بالإضافة إلى عدد من أطفال المناطق الجديدة الآمنة بالقاهرة.
ويتضمن الأسبوع مجموعة من الورش الفنية والحرفية والأدبية تقدم بقصر ثقافة الخارجة، بجانب يوم رياضي، وزيارات ميدانية لأبرز المعالم السياحية والأثرية.

عروض مسرحية مجانية للأطفال والكبار

يشهد هذا الأسبوع تقديم عدد من العروض المسرحية المجانية، منها عرض مسرح الطفل "حلم فصيح" إخراج عيد عثمان، ويعرض في الثامنة مساء غدا الاثنين على مسرح مجلس مدينة الفيوم.
وبدءا من الأربعاء ٩ أبريل يقدم قصر ثقافة الأنفوشي بالإسكندرية، العرض المسرحي "الرهان" إخراج رامي نادر، ويستمر حتى يوم ١٢ من الشهر نفسه، ويستقبل المعهد العالي للفنون المسرحية بالجيزة، يوم الخميس، العرض المسرحي "الطاحونة الحمراء" لفرقة القاهرة، إخراج حسام التوني، ضمن فعاليات مهرجان الفضاءات المسرحية المتعددة.


أفلام مجانية بقصر السينما

ويعرض قصر السينما بجاردن سيتي هذا الأسبوع عددا من الأفلام المجانية في ضوء نشر الثقافة السينمائية، تتنوع ما بين أفلام السينما الأوروبية، الهندية، العالمية وسينما التحريك، وتقدم جميعها مجانا للجمهور في تمام الثامنة مساءً، ويعقب بعضها ندوات نقدية.
تبدأ العروض يوم 7 أبريل بعرض فيلم التحريك الشهير Cars، يليه في اليوم التالي فيلم Greyhound، ضمن نادي السينما العالمية.
ويشهد يوم الأربعاء 9 أبريل عرض فيلم Quo Vadis, Aida، ضمن نادي السينما الأوروبية، فيما يعرض يوم الخميس الفيلم الهندي Barfi.

وتحفل الأجندة بمجموعة من اللقاءات التثقيفية والأدبية، والورش الفنية، هذا بالإضافة إلى الفعاليات المقامة بمناسبة يوم الصحة العالمي، عيد الربيع، واليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد، والاحتفالات الخاصة بيوم اليتيم في محافظات: بني سويف، سوهاج، كفر الشيخ، البحيرة، الفيوم، والوادي الجديد.

مقالات مشابهة

  • انطلاق عروض المسرحية الكوميدية “الشنطة”
  • «صور».. عصام عمر أبرز الحضور في حفل زفاف مؤلف فيلم سيكو سيكو
  • قصور الثقافة.. عروض مسرحية مجانية وأنشطة مكثفة بقرى حياة كريمة
  • وظائف شاغرة ومدعوون لإجراء المقابلات الشخصية / أسماء
  • مهرجان الفضاءات المسرحية المتعددة ينتج فيلما وثائقيا عن أشرف زكي
  • «الخارجية الفلسطينية»: العالم خذل أطفال فلسطين في ظل صمته عن معاناتهم التي لا تنتهي
  • وسط إقبال كبير .. أسعار تذاكر مسرحية سجن النسا
  • “سربة التبوريدة”: مسرحية تبرز دور المرأة في الفروسية المغربية
  • «بايتدانس» تدخل عالم الشخصيات الرقمية بقدرات غير مسبوقة
  • الأحد.. انطلاق مهرجان الفضاءات المسرحية المتعددة من مسرح سيد درويش