من استقلال الاستعمار إلى استقلال الوعي
تاريخ النشر: 1st, January 2024 GMT
في البدء نهنيء الشعب السوداني بالذكرى 68 لاستقلال السودان، و جاء الاستقلال بوعي النخب التي قادت النضال الوطني من أجل استقلال البلاد و استطاعت تحقيقه دون إراقة للدماء، مما يؤكد حسن إدارتها للصراع مع المستعمر، و في نفس الوقت نجحت مجهوداتها في تعبئة الجماهير و حشدها في صف وطني واحد، الأمر الذي جعلها تنجز مهمتها بجدارة.
كان الأمل: أن تأتي ثورة ديسمبر بعقليات ساسية جديدة، تتجاوز أخطاء الماضي. خاصة أن القوى الأيديولوجية في البلاد يسارا و يمينا نفذ كل منها انقلابا لم يحقق أن نوع من الاستقرار السياسي و الاجتماعي و لا نهضة الاقتصادية. كل سنين حكمها كان حكما شموليا أسس على نظام الحزب الواحد رغم رفعهما شعارات الديمقراطية. كان المتوقع أن تكون القوى السياسية قد اطلعت على تاريخ مسيرتها السياسي، و استوعبت دروسها و اسباب الإخفاق. و لكن؛ أن اعتماد النخب السياسية و أحزابها على المنهج التبريري جعلها غير قادرة على أن تستوعب دروس التاريخ، و تتعرف على الأخطاء التي أدت للفشل المتواصل. أن عزوف النخب السياسية و أيضا أحزابها عن المنهج النقدي هو الذي راكم الفشل في مسيرتها التاريخية. و أتضح إنها لا تقدم على المنهج النقدي بسبب تواضع قدراتها التي جاءت بها في مقدمة العمل السياسي بسبب طول فترة النظم الشمولية.
أن طول فترات النظم الشمولية قد ساهمت في إضعاف الأحزاب السياسية، و خاصة انقلابات القوى الأيديولوجية التي عملت على تفتيت الأحزاب و مطاردة قياداتهم، فتح الباب لصعود قيادات متواضعة لا تملك القدرات التي تساعدها على إدارة الأزمات، لذلك تجدها تلجأ إلي صراعات جانبية في حدود قدراتها المعرفية و الفكرية المحدودة، و تحشد لها الجماهير دون أهداف واضحة، و دون أي مشاريع سياسية واضحة، ألمر الذي جعل الساحة السياسية كلها تقع في دائرة الاستقطاب الحاد، صراع لا يعتمد على أي رؤى غير البحث عن المغانم. قيادات سياسية لا تستطيع أن تتجاوز محدودة تجاربها و ضعف قدراتها الفكرية و الثقافية. حتى الذين يحاولون أن يقدموا رؤية تجدهم يضعوا فيها شروط تعجيزية لا تجعلها محور حوار سياسي يفتح افاقا للحل. و الغريب أن ما وراء الشروط هي الغاية، الأمر الذي يجعل الأزمة تزداد يوما بعد يوم حتى وصلت الحرب... أن الحرب هي نهاية لفترة سياسية، و لا يمكن أن تعود كما كانت في السابق، لابد أن تحدث تغييرا جوهريا ليس فيما هو مطروح سياسي فقط، أيضا تغييرا في القيادات التي تسببت في الفشل.
أن دعوة الجماهير لنفسها في استنفار مسلح ضد ميليشيا الدعم السريع يعتبر خطوة وعي جديد أن تتحمل الجماهير مسئوليتها في حماية مصالحها، هذا العامل الجديد في العمل السياسي سوف يخلق وعيا جديدا في المجتمع، و أيضا الاستنفار سوف يخلق قيادات جديدة. إذا نجح الاستنفار و خرجت الجماهير زاحفة من أجل تنظيف البلاد من الميليشيا هي بداية الاستقلال الثاني للبلاد. أن الميليشيا المدعومة من قبل عدد من دول الجوار بتسهيل دخول المرتزقة و السلاح إلي جانب الدعم المتواصل من قبل دولة الأمارات للميليشيا، و هناك دول أمبريالية مشاركة وراء جدار مع هذه الدولة، الهدف محاولة لتقسيم السودان. و تمزيق نسيجه الاجتماعي. أن الميليشيا لا تمثل قبائل سودانية بعينها و لكنها تريد أن تحدث تغييرا ديمغرافيا في كل اقاليم السودان. لذلك الاستنفارة فرض عين على كل مواطن. و هو بمثابة الاستقلال الثاني للبلاد و تطهيرها من المرتزقة عابري الحدود.
أن فكرة الاستنفار ليست فكرة قوى سياسية بعينها كما يحاول أن يشيع البعض، و هم يعلمون أن الاستنفار أصبح دعوة شعبية انتظمت كل أقاليم البلاد، و هي فكرة تتجسد في التضحية الغالية بالنفس من أجل أن يظل الوطن موحدا ينعم شعبه وحده بثرواته و خيراته. أن الاستنفارة حالة صحوة و يقظة عقلية سوف تخلق واقعا سياسيا جديدا يؤسس على الحوار الوطني الذي يفضي للتوافق، و هو ثورة سوف تخلق ثقافة جديدة تتماشى مع البعد الثوري للجماهير،و شعارته الجديدة، هو شبيه بالثورة الفيتنامية التي حررت و وحدت فيتنام من النفوذ الامبريالي و اتباعه. أن حمل السلاح من أجل الوطن هو المشروع الجديد الذي تقدمه الأجيال الجديدة التي دعت إلى الاستنفار، هي فكرة نبعت من المجتمع و صيحات الشباب الذين وجدوا نفسهم يواجهون مجموعات تريد أن تنهب ثرواتهم و ممتلكاتهم و تغتصب نسائهم، فتخلقت الفكرة وتحولت من شعار إلي واقع. فكرة تريد أن تعيد للاستقلال رموزه و إشاراته و إحأته التي بدأ بها. عندما كان الاستقلال ليس يوم عطلة في البلاد بل كان يوم تنافس بين جميع المداس في كل النشاطات الرياضية و الثقافية، و تقدم فيه الدولة العديد من الجوائز للشباب، يوم الاستقلال كانت الميادين في كل الأحياء في العاصمة و الأقاليم تحتفل بالاستقلال بالغناء و الرقصات الشعبية كان له طعما خاصا، و لكن النظم الشمولية جاءت و اضعفت يوم الاستقلال و استبدلته بيوم الانقلاب، أضعفت معه الحث الوطني و الثقافة الوطنية، لآن التنافس نفسه الذي كان في المدارس يعلم الناس القبول بالهزيمة و الفرح بالنصر و الكل يقبل بعضهم البعض كانت ثقافة تراجعت بسبب التنافس الأيديولوجي السالب.
أن الاستنفار يجب أن يغير الواقع بكل تناقضاته و سلوكه، أن الوقوف في صف واحد في معركة الاستقلال الثاني سوف تخلق ثقافة الإيثار " و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة" هي الثقافة التي تشكل قاعدة الأخلاق في المجتمع و التراضي و المحبة بين أبناء الوطن الواحد. أن تبرعات المقتدرين؛ تؤكد أن حالة من الصحوة الوطنية بدأت تنتظم رغم شدة المعاناة، و هي الفرج الغريب على الناس. نسأل الله حسن البصيرة.
zainsalih@hotmail.com
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: من أجل
إقرأ أيضاً:
حزب الوعي: النظام العالمي يعيش حالة تدهور أخلاقي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أصدر حزب الوعي بيانًا رسميًا بمناسبة اليوم العالمي للضمير قال فيه: “في عام 2019، اعتمدت الأمم المتحدة يوم 5 أبريل من كل عام يوماً عالمياً للضمير، باعتباره مناسبة عالمية لتجديد الدعوة إلى ترسيخ القيم الإنسانية الكبرى التي يجب أن تحكم العلاقات بين الأفراد والدول، من عدالة وسلام وتسامح وكرامة إنسانية، في مواجهة عالم تتزايد فيه مظاهر التوحش والانقسام والاستغلال”.
وفي هذا السياق، يحيي حزب الوعي هذا اليوم العالمي، انطلاقاً من إيمانه العميق بأن الضمير الإنساني ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة وجودية لضمان مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية، ويدعو الحزب إلى أن يكون الضمير هو البوصلة الحقيقية التي توجه السياسات العامة، وتضبط علاقة الدولة بالمواطن، وتنظم تعاملات الناس في كافة مناحي الحياة.
وأضاف: “فالموظف العام ذو الضمير هو من يؤدي واجبه بأمانة ويخدم الصالح العام، والمواطن ذو الضمير هو من يسهم في بناء وطنه بوعي والتزام”.
ويدعو الحزب إلى أن تكون منظومات التربية والتعليم والإعلام والثقافة منصات لغرس الضمير، وتغذيته كقيمة عليا تسهم في بناء مجتمع يحترم القانون ويقدّر العدالة.
وفي الحياة السياسية، يؤكد الحزب أن الضمير الأخلاقي يجب أن يكون مرجعًا للنخب والقوى السياسية، التي ينبغي أن تتجرد من المصالح الضيقة والتحيزات الإيديولوجية، وتعمل من أجل الصالح العام، وتحترم حقوق الإنسان، وتتمسك بالشفافية والمساءلة.
وعلى الصعيد الدولي، يعرب حزب الوعي عن قلقه البالغ من حالة التدهور الأخلاقي التي يعاني منها النظام العالمي، حيث تسود فيه الازدواجية في المعايير، وتغيب فيه المساءلة، وتُنتَهك فيه القوانين الدولية على مرأى ومسمع من العالم دون تحرك فاعل.
ويأتي في طليعة هذه المآسي ما يجري في فلسطين المحتلة، حيث تتعرض غزة لحرب إبادة بشعة، تُرتكب فيها جرائم حرب ومجازر مروعة بحق المدنيين العزل، ويتم فيها استهداف المستشفيات، والمدارس، والملاجئ، ووسائل الإعلام، وسط صمت دولي مخزٍ، وتواطؤ بعض الأطراف الكبرى مع المعتدي.
وإزاء ما تتعرض له غزة من سياسات ممنهجة للتهجير القسري، ومحاولات لتفريغها من سكانها الأصليين، فإن حزب الوعي يؤكد أن استيقاظ الضمير العالمي بات واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا عاجلًا، لوقف هذه المجازر فورًا، ومنع تهجير أهل غزة، ومحاسبة مرتكبي هذه الجرائم، وإعادة الاعتبار لمبادئ القانون الدولي الإنساني، التي باتت في مهب الريح.
كما يندد الحزب بالصمت الدولي تجاه المجازر التي ترتكبها مليشيات الدعم السريع في السودان، واستمرار النزاعات الدامية في ليبيا، والصومال، والكونغو، وأوكرانيا، والنهب الممنهج لثروات القارة الإفريقية، في ظل تغليب المصالح والمضاربين على حساب تنمية الشعوب وحقوق الإنسان.
إننا نرصد بقلق تحوّل النظام الدولي إلى سوق تُهيمن عليه المصالح، حيث تُسخّر موارد الأمم لخدمة شركات السلاح والمضاربات المالية، بينما يُهمل الاستثمار في التنمية، والصحة، والتعليم، ومكافحة الفقر. وتتجلى هذه السياسات في الحروب الاقتصادية، وتفاقم التوترات النقدية، وغياب التعاون الفعلي لمعالجة الأزمات الإنسانية والبيئية.
ويحذر حزب الوعي من الانزلاق المتزايد للعالم نحو صراعات تجارية ونقدية واقتصادية، تقود إلى تعميق الفقر وغياب العدالة، وسط غياب شبه تام للتعاون الدولي في مواجهة تحديات الفقر والمناخ والصحة والأمن الغذائي.
ومن هذا المنطلق، يدعو حزب الوعي إلى:
1. إعادة الاعتبار لقيم العدل والإنصاف، واتخاذ مواقف حاسمة لوقف الجرائم المرتكبة بحق الشعوب المستضعفة، وعلى رأسها وقف العدوان على غزة، ومنع التهجير القسري، وضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.
2. دعوة المجتمع الدولي لتحمل مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية، والتحرك العاجل لوقف الحروب والمجازر في فلسطين والسودان وأوكرانيا، والعمل من أجل تسوية سياسية عادلة تحفظ للشعوب أمنها وكرامتها.
3. تكثيف جهود المنظمات الحقوقية والإنسانية لكشف الحقيقة أمام الرأي العام، والتصدي لمحاولات تزييف الوعي وتمرير الجرائم عبر الخطاب الإعلامي المنحاز.
4. تفعيل دور الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم في دعم القضايا العادلة، والضغط عبر وسائل النضال السلمي لوقف التواطؤ الدولي، وإنهاء سياسات إطالة أمد النزاعات.
5. استخدام أدوات الضغط السياسي والدبلوماسية الشعبية والإعلام المستقل لتعزيز احترام المواثيق الدولية، وترسيخ مبادئ العدالة والمساواة في العلاقات الدولية.
6. تعزيز الوعي الجمعي لدى الشعوب بمخاطر غياب الضمير الأخلاقي على المصير الإنساني، والعمل على بناء جبهة عالمية لنصرة المظلومين ومواجهة تغول المصالح غير الأخلاقية.
إن حزب الوعي يؤمن أن الضمير العالمي، إن لم يستفق اليوم أمام ما يُرتكب من جرائم في غزة والسودان وغيرها، فإن الإنسانية ستفقد ما تبقى من شرعيتها الأخلاقية.
وسنظل على العهد، ندافع عن الحق، ونناصر الكرامة، وندعو إلى ضمير إنساني لا يخضع للمصالح، ولا يعرف الانتقائية.