حرب وسرقة ونزوح.. السودانيون في مواجهة أزمة جوع كارثية
تاريخ النشر: 31st, December 2023 GMT
الخرطوم- تتكالب على السودان أزمات متتالية إثر القتال الشرس الذي يدور فيه منذ منتصف أبريل/نيسان الماضي بين الجيش وقوات الدعم السريع، ومع حالة الاقتصاد المنهارة أصلا فاقم القتال تردي حياة الملايين، وبات خطر الجوع يهدد قطاعا واسعا من الأهالي.
ووفقا لتوقعات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادر حديثا، يواجه 17.
وتوجد الفئات السكانية الأكثر تأثرا بانعدام الأمن الغذائي في الولايات التي تشهد مستويات عالية من العنف المنظم، بما في ذلك دارفور الكبرى وكردفان الكبرى والعاصمة الخرطوم بمدنها الكبرى الثلاث.
أزمات مركبةيؤدي النزاع المستمر وتصاعد العنف إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويتضاعف حجم المشكلة نتيجة انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار المواد الغذائية والصدمات المناخية والنزوح، طبقا لتقرير منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" الأخير، بشأن الأداء الزراعي للسودان في موسم الصيف.
علاوة على الدمار الهائل الذي أحدثه القتال بالبنى التحتية، أدت عمليات النهب واسعة النطاق للأسواق والبنوك ومخازن الأغذية الحكومية وغيرها إلى زيادة النقص في الخدمات الأساسية والمواد الغذائية وغير الغذائية في جميع أنحاء البلاد، مما فاقم حالة انعدام الأمن الغذائي الهشة وسوء التغذية.
وتشكو منظمات الأمم المتحدة العاملة في السودان من ضعف الاستجابة الدولية تجاه الاحتياجات الملحة للمساعدات في هذا البلد، رغم تفاقم حدة الأوضاع وتراجع مستويات الأمن الغذائي,
وتقول منظمة "الفاو" إنها بحاجة عاجلة إلى 75.4 مليون دولار، وهو ما يمثل حوالي 80% من التمويل المطلوب، بموجب خطة الاستجابة الإنسانية المنقحة للسودان، للفترة من مايو/أيار إلى ديسمبر/كانون الأول 2023.
مساعدات منهوبةلا يتردد مسؤولو برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة في تأكيد انحدار السودان إلى ظروف جوع كارثية، وبخاصة أجزاؤه التي مزقتها الحرب، ويتوقع البرنامج في بيان صدر خلال ديسمبر/كانون الأول الجاري تفاقم الوضع بحلول العام المقبل، ما لم يتمكن البرنامج من توسيع نطاق الوصول إلى المساعدات الغذائية، وتقديمها بانتظام للأشخاص المحاصرين في مناطق النزاع الساخنة.
وبحسب البيان يواجه ما يقرب من 18 مليون شخص في جميع أنحاء السودان الجوع الحاد (التصنيف IPC3+)، أي أكثر من ضعف العدد في نفس الوقت من العام الماضي، وهذا الرقم أعلى أيضا من التوقعات الأولية التي بلغت 15 مليونا، والتي وردت في التقييم السابق في أغسطس/آب، مما يدل على مدى سرعة تدهور وضع الأمن الغذائي.
ودعم برنامج الأغذية العالمي أكثر من 5.6 ملايين شخص، في 17 ولاية من أصل 18 في جميع أنحاء السودان، بالمساعدات الغذائية منذ اندلاع الصراع في منتصف أبريل/نيسان.
لكن قوات الدعم السريع التي اجتاحت ولاية الجزيرة في 18 ديسمبر/كانون الأول الجاري، استولت الأسبوع الماضي على مخزون ضخم يقدر بـ2500 طن متري من المساعدات، يقول البرنامج الأممي إنها كانت كافية لإطعام 1.5 مليون شخص في ولاية الجزيرة لشهر، وندد بتصرف القوات وأوقف عملياته في الولاية.
وقال المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي لشرق أفريقيا مايكل دانفورد، في بيان الخميس الماضي، "إن الشعب السوداني، الذي يعاني بالفعل من اليأس ويفر من القتال، سُلب الآن من المساعدة الحيوية التي يحتاجها".
وأضاف "هذا أمر لا يطاق ويجب أن يتوقف، ويجب على قوات الدعم السريع ضمان حماية المساعدات الإنسانية والموظفين والمباني في المناطق الخاضعة لسيطرتها".
نزوح غير مسبوقأدى اتساع رقعة العنف في السودان إلى نزوح 6.3 ملايين شخص، بما في ذلك حوالي 5.1 ملايين نازح داخليا، و1.2 مليون لجؤوا إلى البلدان المجاورة، وتأتي غالبية النازحين داخليا من 8 ولايات، وتستحوذ ولاية الخرطوم على الحصة الكبرى بنسبة 67%.
ووفقا لمصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، فقد نزح ما يقرب من 14 ألفا إلى 15 ألف شخص من محلية مدني الكبرى، ولجأ السكان المتضررون إلى الأحياء الواقعة غرب مدينة ود مدني، بالإضافة إلى مواقع أخرى في الجزيرة، وباتجاه ولايتي سنار والقضارف، كما حدث نزوح إلى ولاية القضارف -شرقا- مع وصول حوالي 1500 نازح إلى محلية الفاو، وحوالي 3 آلاف إلى مدينة القضارف.
وبحسب خبراء فإن موجات النزوح العالية تلقي بظلال كثيفة على مستوى الأمن الغذائي وانحداره، في ظل تقلص الموارد بالمناطق المضيفة التي تواجه أصلا مستويات منخفضة، كما ترسم عمليات سرقة الآلات الزراعية من ولاية الجزيرة التي تحتضن أكبر مشروع زراعي إنتاجي في البلاد صورة قاتمة للمستقبل.
فشل موسم الزراعةيشير الخبير الاقتصادي عبد العظيم المهل في حديثه للجزيرة نت إلى أن "سرقة البذور (التقاوي) والآليات الزراعية من مشروع الجزيرة، ونهب البنوك التي كانت تمول النشاط الزراعي، بما يعني توقف الموسم الشتوي بنسبة لا تقل عن 70%، سيفشل إنتاج القمح وهو الغذاء الأساسي لسكان المدن بجانب المحاصيل الشتوية الأخرى، وهو ما يؤثر على الأمن الغذائي لكل السودان، كما أن محاصيل الصيف واجهتها أيضا ظروف الحرب عند الزراعة والحصاد ما أدى لانخفاض الإنتاجية".
ويبدي نائب رئيس اللجنة المفوضة لمزارعي السودان غريق كمبال تشاؤما بشأن نجاح الموسم الشتوي أو إنقاذه، في خضم التطورات العسكرية والأمنية الجارية، وتحدث للجزيرة نت عن سرقة جميع الآليات الزراعية من ود مدني، بجانب مهددات أخرى تتمثل في الوضع السيئ للمزارعين بعد فقدان التمويل، إذ لا يوجد حاليا بنك يمول الزراعة.
ويضيف كمبال أن "المتابعات أظهرت أن أكثر التوقعات المتفائلة بنجاح الموسم الشتوي لا تتعدى 20%"، ويحذر من المجاعة التي ستضرب البلاد لفشل الموسم الحالي، "لأن ولاية الجزيرة تعتبر السند الرئيس للغذاء والمحاصيل النقدية والغذائية والحبوب في السودان" حسب قوله.
ويشير إلى حملة كبيرة قام بها المزارعون في عدد من البلدات بولاية الجزيرة، بتحطيم جداول الري (الترع) لملء المساحات الزراعية بالماء، خوفا من هجمات الدعم السريع، وحماية لقراهم من السيارات العسكرية، بغمر الطرق المؤدية إليها بالماء، مما يضع تحديات هائلة أمام ري المحاصيل، ويضعها في مهب الريح.
مهددات الأمن الغذائيوبالإضافة إلى الحرب وأثرها المدمر على الإنتاج الزراعي، تأثر الأمن الغذائي أيضا بسبب حرب أوكرانيا، حيث يستورد السودان 80% من واردات القمح من أوكرانيا وروسيا، وهو ما يرفع التوقعات بازدياد انعدام الأمن الغذائي سوءًا.
وتقول منصة السودان للأمن الغذائي في بيان صدر خلال سبتمبر/أيلول الماضي إن "الموسم الزراعي الحالي يقابل تحدياتٍ كبيرة نتجت عن سوء الإعداد له، بالتزامن مع نشوب الحرب التي تسببت في خروج مساحات زراعية كبيرة، بكل من الخرطوم ودارفور وكردفان، حيث فقد السودان ملايين الأفدنة المعتمَد عليها في إنتاج محاصيل حيوية".
كما أن عدم توفر التمويل المطلوب من المصارف المحلية المختصة، بالإضافة لانعدام توفر المدخلات الزراعية المطلوبة، شكل خطرا يحول دون تمكن المزارعين من حصاد الدخن والذرة، والاستعداد الملائم للموسم الشتوي للقمح.
وتضيف المنصة أن "اجتماع كل هذه العوامل حتما سيؤدي إلى فجوة غذائية جامحة، ستصيب العديد من المواطنين السودانيين، وتهز توازن الأمن الغذائي".
وكانت وزارة الخارجية السودانية نددت، في بيان الجمعة، بسرقة الدعم السريع لمخازن برنامج الغذاء العالمي في مدني، وقالت إن "الممارسات الإرهابية للمليشيا ضد المدنيين العزل في الولاية وسرقتها للآليات الزراعية، ستؤدي إلى تعذر حصاد المحاصيل الغذائية التي تعد ولاية الجزيرة من أكبر مناطق إنتاجها في السودان".
كما تحدثت الوزارة السودانية عن استحالة زراعة محاصيل الموسم الشتوي ومن أهمها القمح، مما سيفاقم من الأزمة الغذائية بالبلاد.
ومثلت ود مدني مركزا للعمليات الإنسانية منذ اندلاع القتال في الخرطوم، ويشمل ذلك تخزين مخزون كبير من الإمدادات المخصصة للاستجابة في الولاية، عندما يكون الوصول ممكنا إلى العاصمة الخرطوم.
لكن الوضع الأمني المتفاقم دفع بالوكالات الدولية إلى تعليق كافة العمليات الميدانية الإنسانية منذ 15 ديسمبر/كانون الأول حتى إشعار آخر، في خطوة من شأنها مضاعفة تردي الوضع الإنساني.
ويعيش ما يقدر ب 5.9 ملايين شخص في ولاية الجزيرة، بينهم 700 ألف شخص في ود مدني، ويحتاج أكثر من 270 ألف شخص في المدينة إلى المساعدة الإنسانية، وفقا لتقارير الأمم المتحدة.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: دیسمبر کانون الأول الأمن الغذائی ولایة الجزیرة الموسم الشتوی فی جمیع أنحاء الدعم السریع فی السودان ود مدنی شخص فی
إقرأ أيضاً:
الجزائر في مواجهة أخطر أزمة مع فرنسا منذ نهاية حرب الاستقلال
تشعر الجزائر بالاستهداف في مواجهة ما يقول محللون ومتابعون إنه « أخطر أزمة » بينها وبين فرنسا منذ نهاية حرب الاستقلال، فيما يترقب البعض تدخلا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرسي بعض التهدئة.
وقالت وزراة الخارجية الجزائرية في بيان صدر الأربعاء « صارت الجزائر على ما يبدو محط مشاحنات سياسية فرنسية-فرنسية ي سمح فيها بكل أنواع المناكفات السياسوية القذرة ».
واتهمت اليمين المتطرف باعتباره المسؤول الأول عن هذه الأزمة، معتبرة أنه « يحر ض عليها ويوج هها ويأمر بها »، بحسب البيان.
وتعرضت العلاقة بين البلدين لضربة قوية في نهاية يوليو حين دعمت باريس خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء التي هي محور نزاع مستمر منذ خمسين عاما بين المغرب والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو) المطالبة بالاستقلال والمدعومة من الجزائر. وردت الجزائر بسحب سفيرها في باريس.
وتفاقمت الأزمة مع سجن الكاتب الجزائري الذي يحمل الجنسية الفرنسية بوعلام صنصال في الجزائر منتصف نوفمبر بسبب بتصريحات أدلى بها في فرنسا لموقع فرنسي معروف بقربه من اليمين المتطرف، وتبن ى فيها موقفا مغربيا يقول إن أراضي مغربية انت زعت من المملكة في ظل الاستعمار الفرنسي لصالح الجزائر.
وأدى توقيف السلطات الفرنسية في بداية العام مؤثرين جزائريين بتهمة التحريض على العنف، ومحاولة ترحيل جزائريين رفضت الجزائر استقبالهم، إلى تفاقم الوضع.
وقبل أيام قليلة، انتقدت فرنسا رفض الجزائر قبول استعادة مواطن جزائري من دون أوراق قانونية في فرنسا مرات عدة، قبل أن ينفذ اعتداء في 22 فبراير في مولوز (شرق فرنسا) أودى بحياة شخص وأصاب آخرين بجروح.
في هذا السياق المتوتر، وجه رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو الأربعاء إنذارا الى الجزائر « من شهر إلى ستة أسابيع »، مهددا بإلغاء « جميع الاتفاقات » الثنائية بشأن قضايا الهجرة التي « لا تحترم »، حسب قوله.
وجاء رد الجزائر الخميس برفض « مخاطبتها بالمهل والإنذارات والتهديدات »، وفق ما جاء في بيان لوزارة الخارجية.
وأضاف البيان أن الجزائر « ستسهر على تطبيق المعاملة بالمثل بشكل صارم وفوري على جميع القيود التي تفرض على التنقل بين الجزائر وفرنسا، وذلك دون استبعاد أي تدابير أخرى قد تقتضي المصالح الوطنية إقراراها ».
في تحليل للأزمة على موقع « كل شيء عن الجزائر »، لم يستبعد الكاتب « القطيعة ».
وجاء في التحليل « لا تجد الجزائر محاورين آخرين غير الأصوات المتطرفة. وبعدما دعا الرئيس (الجزائري عبد المجيد) تبون الرئيس الفرنسي للتدخل (في مقابلة في بداية فبراير مع صحيفة لوبيينيون)، ظل ماكرون صامتا ».
علما أن الرئيس الفرنسي كان حق ق تقاربا مذهلا مع الجزائر خلال زيارة رسمية قام بها في صيف 2022، تميزت بإطلاق لجنة مشتركة من المؤرخين حول قضية الذاكرة الصعبة وإعادة تفعيل العلاقات الثنائية بين البلدين.
ويقول الباحث في مركز البحث حول العالم العربي والمتوسط في جنيف حسني عبيدي « باريس تخطئ المسار. العقوبات التي تلوح بها فرنسا ليست قادرة على إعادة الهدوء ولا على أن تشكل ضغطا على السلطات الجزائرية ».
وأضاف أن الاجتماع في باريس حول الهجرة هو في نظر الجزائر « مؤامرة جديدة ضدها ». وتساءل « كيف يمكن تقليص هذه العلاقة إلى قضية إعادة مهاجرين؟ ».
وقال إن « غض الطرف من الرئيس ماكرون أفسح المجال لليمين المتطرف واليمين المحافظ ».
بالنسبة الى المسؤول في حزب جيل جديد الجزائري حبيب ابراهمية، فإن « فرنسا الرسمية باختيارها المواجهة، تظهر هشاشتها السياسية، وتضارب دبلوماسيتها، والمستوى الوضيع لجزء كبير من الطبقة السياسية ».
وبحسب عبيدي، فإن الجزائر حتى الآن تظهر « ضبط النفس »، مشيرا إلى أنه باستثناء بعض البيانات الرسمية، « أحجمت الجزائر عن التعليق على تطور علاقاتها مع باريس، في انتظار تصريح من ماكرون للعودة إلى مفاوضات أكثر هدوءا ».
ورجح في حال استمرار الوضع بالتدهور، وتطبيق « مبدأ المعاملة بالمثل »، أن يصبح « تنقل الموظفين الفرنسيين، وحجم التبادلات الاقتصادية، والتبادلات الأمنية معرضة للضرر ».
واعتبرت وزارة الخارجية أنه قد تكون لهذه الأزمة « عواقب لا يمكن حسابها على العلاقة الجزائرية الفرنسية في جميع أبعادها ».
وتعد الجزائر التي تضم بين شركائها التجاريين الكبار إيطاليا وإسبانيا وألمانيا، موردا مهما للغاز لفرنسا، كما أن حوالى 450 شركة فرنسية لديها فروع في الجزائر.
في منتصف يناير، زار رئيس وكالة الأمن الخارجي في المخابرات الفرنسية الجزائر لإحياء التعاون في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل، بعد أن أصبح تحرك الجماعات المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية مصدر قلق للخبراء.
ويدعو عدد قليل من السياسيين الفرنسيين إلى تغيير اللهجة مع الجزائر، بينهم وزير الخارجية الأسبق دومينيك دوفيلبان الذي قال على قناة « بي أف أم » إن « القوة لا تفيد مع دولة مثل الجزائر التي تمتلك هوية وطنية قوية ».
وحث المؤرخ الفرنسي والخبير في شؤون الجزائر بنجامان ستورا ماكرون على « التكلم » وإيجاد الكلمات المناسبة »، كما قال الأربعاء على قناة « فرانس انفو »، بينما « لم نشهد أزمة خطيرة مثل هذه بين البلدين سابقا ».
كلمات دلالية أزمة الجزائر دبلوماسية فرنسا