التشظّي الجيوقتصادي للعالم لم يعد مجرد سيناريو محتمل
تاريخ النشر: 27th, December 2023 GMT
لم تتطور التجارة الدولية أبدا في يوم من الأيام بشكل مستقل عن العلاقات السياسية بين الدول. كان المؤلفون المركانتيليون (نسبة إلى المذهب المركانتيلي/التجاري في الاقتصاد) في نهاية القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر يبرّرون الفوائض التي يسجّلها الميزان التجاري بمقابلها المتمثل في تدفقات الذهب التي تسمح للملوك بتشكيل جيوش من المرتزقة.
ومما يدلّ بشكل واضح على استمرارية هذه العلاقة بين السياسة والتجارة خلال السنوات الأخيرة، مسألة الحصار المفروض على روسيا وفرض العقوبات التجارية عليها، أو شنّ الرئيس السابق للولايات المتحدة دونالد ترامب لحربٍ تجارية وتكنولوجية على الصين. إن قضايا الأمن والاستقلالية الوطنية والصراع من أجل القوة تتشابك بشدّة مع التجارة.
ويزيد هذا الوضع المعقّد من المخاوف بشأن التشظّي الجيوقتصادي للعالم استجابة لأهداف ذات طبيعة غير اقتصادية تُوظَّف السياسات التجارية والصناعية في خدمتها. إن صدمتي جائحة كوفيد والحرب في أوكرانيا، وآثارهما على استيراد بعض المنتجات إلى جانب التوترات القوية للغاية التي يعرفها العالم على المستوى الجيوسياسي، تفسّر التزايد الذي نشهده على مستوى التدابير والإجراءات التي تقيّد التجارة الحرة، بهدف تحقيق الاستقلالية الاستراتيجية.
وتعدّ هذه التدابير استجابة لمعايير تتعلّق بالأمن والقدرة على امتصاص الصدمات أكثر من كونها تتعلّق بتهديدات ذات طبيعة اقتصادية، سواء كان ذلك من جانب الدول أو من جانب الشركات عندما يتعلق الأمر بسلاسل الإنتاج العالمية.
وهذا ينطبق بشكل خاص على الولايات المتحدة، حيث يقود مفهوم «التجارة بين الدول الصديقة» الذي تدافع عنه وزيرة الخزانة جانيت يلين، إلى منح الأفضلية من الناحية السياسية لمثل هذه التبادلات والحدّ من غيرها. يتعلّق الأمر بنقل سلاسل الإنتاج نحو بلدان موثوقة تتقاسم مع الولايات المتحدة نفس القيم وتشترك معها في نفس الأحلاف، وذلك من أجل بناء «تجارة آمنة». ومن ثم يشهد العالم تشكّل تكتّلات تجارية، ذات طبيعة جيوسياسية وليست جغرافية، وفقا لما تقتضيه الدواعي الأمنية أو الحاجة إلى امتصاص الصدمات والصمود أمام الأزمات. إن الدول، شأنها في ذلك شأن الشركات، تُدخل سلاسل الإنتاج العالمية في مجال التنافس الجيوسياسي.
من الضروري أن نؤكّد على التغيير العميق الذي أحدثه هذا التحوّل. لقد كانت المزايا النسبية لكل اقتصاد هي الأساس النّاظم إلى حدّ كبير لفترات العولمة ثم العولمة المفرطة التي مرّ منها العالم خلال العقود الأخيرة. وأدّت هذه الفترات إلى الحدّ من الفقر في العالم وإلى تراجعٍ لا يقبل الجدال على مستوى انعدام المساواة بين الاقتصادات الوطنية، لكن مع زيادة في عدم المساواة داخل بعضها. لقد كنّا بحق في لعبة بمحصّلة موجَبة.
أمّا الآن، فالأهداف غير الاقتصادية، والأبعاد السياسية والجيوسياسية، والتنافس على القوة والنفوذ وما إلى ذلك، تلعب دورا مهيمنا في عدد من المجالات (الوصول إلى الموارد النادرة، التحكم في التكنولوجيات). ولقد كان ذلك على حساب لعبة الأسواق، وإن كانت غير كاملة أو غير مثالية، وبالتالي على حساب الكفاءة الاقتصادية التي تتحقّق من خلال التخصّص، وبفضل وفورات الحجم أو التكتل، وذيوع الابتكارات التكنولوجية.
إن العالم يدخل بذلك في لعبةٍ ذات محصّلة صفرية، لأن قوة كل بلد (اقتصادية كانت أم عسكرية أم تكنولوجية...) لا يمكن ممارستها إلا على حساب تلك المتاحة للبلدان الأخرى. ومن هنا نفهم اللجوء المتزايد إلى العقوبات والحصار والتدابير الحمائية، وحظر ذيوع بعض التكنولوجيات ومنع الآخرين من الوصول إليها. إن جميع هذه التدابير هي بمثابة توظيف للاقتصاد كأداة في خدمة مطامح القوة والنفوذ. يتحدث البعض عن تسليح (weaponization) التجارة. وذلك ما يفسّر الجانب الصّراعي والعدائي لهذه العولمة الجديدة، وصعوبة وضع قواعد أو إحداث مؤسسات دولية تضمن الحدّ الأدنى من التنسيق وتسمح بالتسوية السّلمية للنزاعات بين الدول القومية.
تتزايد الإشارات التي تدلّ على التشظّي الذي يشهده العالم. وهذا ما تظهره دراسة حديثة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية نشرت في الحادي عشر من شهر ديسمبر الحالي، وتتعلق بالفترة الممتدة بين الربع الأول من عام 2022 والربع الثالث من عام 2023. تشير الدراسة إلى انخفاض في حجم المبادلات التجارية بين «التكتّلات الجيوسياسية» بنسبة 4% تقريبا (تمّ تحديد هذه التكتلات بناءً على تصويتات كل دولة داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة). وعلى العكس من ذلك، حصلت زيادة قوية في حجم المبادلات التجارية داخل هذه التكتلات بنحو 6%. لكن التجارة الدولية للخدمات لم تتأثر بعدُ بهذه التطورات وبقيت بمعزل عن السياسة على الأقل إلى الآن. وبالتالي فإن التشظّي الجيوقتصادي للعالم لم يعد مجرد سيناريو محتمل نترقّبه في المستقبل، بل أصبح واقعا تراه العين بالفعل اليوم.
نأمل فقط أن يكون الباحثون في علم الاقتصاد قادرين في قادم الأيام على منح ما يكفي من الأهمية في أبحاثهم للعوامل السياسية والتوترات الجيوسياسية التي تلوّث التجارة العالمية، ولا تهدّد الرخاء الاقتصادي فحسب، بل تهدد السلم العالمي أيضا.
أندريه كارتبانيس أستاذ الاقتصاد بمعهد العلوم السياسية بمدينة إكس أون بروفانس (فرنسا)
فرونسواز بنحمو أستاذة الاقتصاد بجامعة السوربون، ورئيسة دائرة الاقتصاديين بفرنسا.
الترجمة خاصة لـ $ عن صحيفة لوموند
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: بین الدول
إقرأ أيضاً:
ردًّا على رسوم ترامب.. دول العالم تتوعّد باتّخاذ إجراءات مضادّة
الثورة نت/..
أعربت بعض الدول الغربية، إضافة إلى المفوضية الأوروبية، عن رفضها الشديد للرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مساء أمس الأربعاء. وأعلنت أنّ إقرار هذه الرسوم هو قرار سيء يجلب الضرر للمصالح التجارية المتبادلة في العالم، وأعلن عدد من الدول عن اتّخاذ إجراءات مضادة لحماية اقتصادها ومصالحها في العالم.
فرنسا
أبرز ردود الفعل سجّلتها فرنسا، حيث صعّدت حكومتها من لهجتها ضد الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، مؤكدة أنها مستعدة لحرب تجارية إذا استدعى الأمر ذلك. وفي تصريحات شديدة اللهجة، قالت الحكومة الفرنسية إن ترامب يتصرف وكأنه “سيد العالم”، ووصفت مواقفه بـــــ”إمبريالية” وستؤدي إلى ركود اقتصادي في بعض الدول.
الصين
وزارة التجارة الصينية عارضت بشدّة هذه الرسوم الجمركية الأميركية، معلنةً أنّها ستتخذ تدابير مضادة لحماية حقوقها ومصالحها”. وشدّدت الوزارة على أنّ: “لا رابح في الحروب التجارية، ولا مخرج للحمائية”، كما حثّت الصين الولايات المتحدة على رفع الرسوم الجمركية الأحادية فورًا، مشيرة إلى أنّ: “قرار واشنطن مثال نموذجي على التنمّر الأحادي”، مؤكدةً أنّ هذه الرسوم “تتجاهل توازن المصالح الذي حقق على مدى سنوات طويلة من المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف”.
كما اتّخذت الصين خطوات لتقييد استثمار الشركات المحلية في الولايات المتحدة، وفقًا لأشخاص مطّلعين على الأمر، في خطوة قد تمنح بكين نفوذًا أكبر في مفاوضات تجارية محتملة مع إدارة ترامب، بحسب ما نقلته شبكة “بلومبرغ” الأميركية.
المفوضية الأوروبية
وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الرسوم الجمركية الشاملة على العالم أجمع، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، بأنّها ضربة موجعة للاقتصاد العالمي. ورأت أنّ من خلال هذه الإجراءات “سيتفاقم عدم اليقين ويُحفّز تصاعد المزيد من الحمائية”، مشددةً على أنّه سيكون هناك عواقب وخيمة على ملايين البشر في العالم. وأضافت: “نضع بالفعل اللمسات الأخيرة على حزمة أولى من التدابير المضادة ردًّا على الرسوم الجمركية على الصلب. ونستعد الآن لمزيد من التدابير المضادة، لحماية مصالحنا وأعمالنا التجارية في حال فشل المفاوضات”.
بريطانيا
كذلك، أكّدت وزير التجارة البريطانية جوناثان رينولدز أنّ المملكة المتحدة ستواصل السعي لإبرام اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، من شأنه تخفيف تأثير الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة، مشدّدًا على أنّ لندن لا تعتزم اتّخاذ إجراءات انتقامية في الحال.
اليابان
بدوره، قال رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا، إنّ: “اليابان من الدول التي تُقدّم أكبر قدر من الاستثمارات إلى الولايات المتحدة، لذلك نتساءل إن كان من المنطقي أن تُطبق واشنطن تعريفات جمركية موحدة على جميع الدول”، مضيفًا أنّه: “علينا أن نفكر فيما هو الأفضل للمصلحة الوطنية اليابانية”، كاشفًا أنّ اليابان تضع جميع الخيارات على الطاولة عند النظر في الرد الأكثر فعالية. وأعلن وزير التجارة والصناعة الياباني يوجي موتو أنّ طوكيو أبلغت واشنطن بأنّ الرسوم الجمركية هي إجراء “مؤسف جدًّا”.
كندا
بدوره؛ أكّد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أنّ كندا ستواجه هذه الرسوم بإجراءات مضادة، وقائلًا: “سنحمي عمّالنا، وسنبني أقوى اقتصاد في مجموعة السبع”، لافتًا إلى أنّه في حين: “حافظ ترامب على عدد من العناصر المهمة في العلاقة التجارية بين كندا والولايات المتحدة، إلّا أنّ رسوم الفنتانيل لا تزال سارية، وكذلك رسوم الصلب والألمنيوم”.
تايلاند
بدوره، أعلن رئيس الوزراء التايلاندي بايتونغتارن شيناواترا أنّ تايلند لديها خطة قوية للتعامل مع الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على صادراتها إلى الولايات المتّحدة، معربًا عن تأمّل بانكوك بأن تنجح عبر التفاوض، في خفض هذه التعرفات الباهظة.
البرازيل
كذلك أعربت وزارة الخارجية البرازيلية عن تأسف الحكومة البرازيلية للقرار الذي اتّخذته أميركا بفرض رسوم جمركية إضافية لا تتجاوز 10% على جميع الصادرات البرازيلية إليها، وأعلنت أنّ الحكومة البرازيلية “تدرس جميع الإجراءات الممكنة لضمان المعاملة بالمثل في التجارة الثنائية، بما في ذلك اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية، دفاعًا عن المصالح الوطنية المشروعة”. كما أقرّ البرلمان البرازيلي قانونًا يجيز للحكومة اتّخاذ إجراءات للردّ على أيّ قيود تجارية تعرقل صادرات البلاد.
أستراليا
أما في أستراليا، فقد شدد رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز على أنّ: “رسوم إدارة ترامب الجمركية لا أساس لها من الصحة، وتتعارض مع أسس الشراكة بين بلدينا”. ورأى أنّ هذا القرار: “سيزيد من حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وسيرفع تكاليف المعيشة على الأسر الأميركية”.