غزة وشتاءات الصمود
تاريخ النشر: 27th, December 2023 GMT
محمد بن زاهر العبري
كم من درس لقّنته غزة الصمود للبشرية من أقصاها إلى أقصاها؟! وفي الواقع فلقد غيرت نمط الحياة الروتينية الرتيبة إلى أخرى تضج بالعزيمة وتفور بالرغبة في التضحية.
لقد هيمن تأثير تضحياتها على قطاعات واسعة من العالم الغربي الذي كان الإعلام العالمي يصوره لنا مجتمعاً أكله الانحطاط ومزقته الرذيلة، وإذا بالعديد منهم استنهضتهم من سبات الميديا الغربي الوضيع توضحيات الأطفال والأمهات والشيوخ في غزة، فأخذوا ينددون بجرائم الصهاينة ويتساءلون عن سر هذا الصبر وذلك الإيمان الذي يملأ قلوب تلك الأمهات وهن يودعن صغارهن الوداع الأخير؟
وفي عالمنا العربي، قبل طوفان الأقصى، قصارى طموح الأطفال كان في زيارة ديزني لاند الداعمة للصهيونية، وأقصى هم المراهقين كان في عدم فوات أية مباراة من الدوري الإسباني لكرة القدم، أما الرجال فالجلوس في المقاهي، والتفكير في صعوبات الحياة الاقتصادية الضاغطة.
وإذا بغزة تغير وتتسرب في الأذهان، فتعمل على إيجاد تغيير هائل في الطموحات والرغبات والأمنيات.
الأطفال باتوا يسألون الآباء عن مقاطعة المنتجات الداعمة للصهاينة، ويحذرون من أكل الوجبات التي طالما اعتادوا أن يأكلوها، ففي حين عجزت نصائح وتحذيرات الأمهات أن تصرف نظرهم عنها بداعي الصحة، إذا بهم أبطلوا التفكير فيها تماما دعما لخيار المقاومة، والعيش بإحساس الجهاد والكفاح لأجل الحق والحرية.
عرف المراهقون أبطالًا جددًا يستحقون المتابعة الحثيثة وعن كثب لأخبارهم، فلقد استعاضوا عن الدوري بأخبار أبي عبيدة، البطل الحقيقي الذي يستحق أن تُحاك حوله القصص عوضًا عن باتمان وسوبرمان. وها هو نمط المحادثات في المقاهي يضع فلسطين في قوائمها أولًا، فذاك الذي كان بالأمس يفكر في توفير مستقبل مشرق لأطفاله ولا يجد له هما غير هذا، نراه يبدي استعداده لتبني أيتام غزة على الرغم من ضيق موارده المالية، ويشاطر نصف عيشه للمحرومين بلا مأوى أو ماء للشرب في بيت لاهيا أو جباليا أو الزهراء.
لقد كشف طوفان الأقصى نفاق الحكومات الغربية الكبرى من قبل أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، ونفاق الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنظمات حقوق الإنسان وحتى اليونسيف، التي ليست إلا أدوات في اليد الصهيوأمريكية القبيحة، وعرف الناس بأن هؤلاء أعجز من أن يجلبوا حقًا أو يرفضوا باطلًا.
عرف القاصي والداني دجل هذه الحكومات وكذب شعاراتها، فها هي اليوم تنظر دون أدنى حراك للإبادة الجماعية لأطفال ونساء وعجائز غزة. هذا هو وجه العالم الغربي الذي كان قد بهرنا لسنوات بتقدمه العلمي دون أن نتمكن من أن نلحظ قبحه الأخلاقي وانحطاطه الإنساني.
المهم هُنا أن تبقى هذه المشاعر دافئة على مر الفصول، فلا تبرد في شتاءات الحياة القاسية، بل تظل تتوهج لأجل إخوتنا الذين يجاهدون لكرامتهم وعزتهم وأرضهم وحقوقهم السليبة.
يقول تعالى: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ" (التوبة:71)، ويقول الشيخ الشوكاني عند هذه الآية: "أي قلوبهم متحدة في التوادد والتحابب والتعاطف بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان بالله. فنسبتهم بطريق القرابة الدينية المبنية على المعاقدة المستتبعة للآثار من المعونة والنصرة وغير ذلك".
خير ختام.. هل شاهدتم ذلك الفيديو الذي بثه الإعلام العسكري في غزة الأبية؟ ذلك الفيديو الذي يقوم فيه أحد المجاهدين بحمل عبوة بين يديه ثم يضعها على طرف دبابة العدو الغاصب ليحيلها إلى دمار دون أن يُصاب هو بشظايا الانفجار مع أن مقتله في هذه التضحية كان وشيكًا؟ أية عزيمة هي هذه؟ إنها تبعث على الفخر والاعتزاز.
لا تُبنى مثل هذه العزائم إلّا على الإيمان بوعود الله تعالى للمجاهدين بالحياة الأبدية، وأن النصر رهين التضحيات، ومآل الأرض آخر المطاف هو للصالحين، يقول تعالى: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ". (الأنبياء: 105).
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
هل الله يأمر ملك الموت بقبض الأرواح لهذه السنة في شوال؟.. انتبه
يعني الاستفهام عن هل الله يأمر ملك الموت بقبض الأرواح في شهر شوال ؟ بأحد أكبر الغيبيات المخيفة، وهكذا كل ما يتعلق بالموت ، وحيث إننا نشهد شهر شوال والذي انقضى أسبوعه الأول تقريبا ، وهو ما يطرح السؤال عن هل الله يأمر ملك الموت بقبض الأرواح في شهر شوال ؟، لعلنا نفيق من غفلتنا ونتعظ فنستعد للقاء الله سبحانه وتعالى بصالح القول والعمل ، ومن ثم نكن من الفائزين.
ورد في مسألة هل الله تعالى يأمر ملك الموت في شهر شوال أن يقبض روح الأشخاص الذي يريد أن يقبض روحهم في نفس السنة، و متى الله تعالى يأمر ملك الموت أن يقبض روح شخص ما؟، أنه لم نقف على خبر صحيح يفيد بأن الله تعالى يأمر ملك الموت في شهر شوال أن يقبض أرواح الأشخاص الذين يراد أن تقبض أرواحهم في نفس السنة، فيما أن الوارد في ذلك أن ليلة القدر يكتب فيها جميع ما سيكون في السنة، ومنه قبض الأرواح.
وقد أخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، ثم قرأ: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ* فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. يعني: ليلة القدر. ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: صحيح على شرط مسلم.
وقال أكثر المفسرين بمثل هذا عند تفسير الآية السابقة، والصحيح من كلام أهل العلم أن ليلة القدر في رمضان، ودليل ذلك أن القرآن نزل فيها، كما قال الله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) الآية الأولى من سورة القدر، والقرآن نزل في رمضان، كما قال الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) الآية 185 من سورة البقرة، هذا فيما يتعلق بكتابة المقادير في السنة، وأما بخصوص أمر ملك الموت بقبض الأرواح، واطلاعه على الآجال التي يكون فيها ذلك، فلم نقف على دليل فيه.
أحاديث عن فضل الموت في بعض الأياملم يرد أحاديث عن فضل الموت في بعض الأيام أو الشهور ، فيما أن الروايات المنتشرة ليست بصحيحة، ولا أصل لهذا، ورد في الجمعة أحاديث، لكنها ضعيفة، غير صحيحة، من مات فيها؛ غفر له، لكنها غير صحيحة، لكن يرجى لمن مات على أثر عبادة في أثر صيامه في الصيام، أثر صيام عرفة، أثر الحج؛ يرجى له الخير، هذا إذا ختم له في وقت العبادة، وفي أثناء العبادة يرجى له الخير.
وجاء أن السلف يرجون الخير لمن مات في العبادة، أو على أثر العبادة، عند انصرافه من الحج، عند إفطاره من رمضان، عند صومه عرفة، وما أشبه ذلك، نعم.
مواقيت الموتورد أن الفقه في الدين هو غاية وأمنية أهل الإيمان، ورسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، وينبغي على كل انسان أن يسأل نفسه، هل ربنا يريد به خيرًا أم عليه أن يعيد حساباته مع نفسه، مشيرًا إلى أن الإمام مالك رأى بمنامه شخص شكله غريب ومخيف وعملاق وله جناحان، فقال له من أنت، فقال له "أنا ملك الموت"، فقال له: "يا ملك الموت كم بقي لي من العمر؟"، فأشار ملك الموت للإمام مالك 5 واختفى، فنادى: "يا ملك الموت أي خمس تقصد"، واستيقظ مذعور يبحث عن من عبر ويفسر له هذه الرؤية، منوهًا إلى أن تفسير الرؤى مجرد تخمين وليس علم يقين، مشددًا على أنه لا يوجد علم يسمى تفسير الأحلام.
وكان الإمام مالك توجه للإمام ابن سيرين، وقص له رؤيته، فقال له أن ملك الموت يريد أن يخبره أن مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله، وهي علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفسًا ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفسًا بأي أرض تموت.. وملك الموت لا يعلم أيضا مواعيد موت الخلائق قبلها"، وهذا الحديث يذكره على هامش حادث الدرب الأحمر الإرهابي، مؤكدًا أننا ننتظر كافة البلايا والاحتمالات من أجل الحصول على وطن آمن، ومن أجل الحصول على مرتبة الشهادة، والحصول على نعمة الله سبحانه وتعالى، مشددًا على أن الانتقال إلى الله نعمة وهدية لمن يُحب ذلك ويستعد لها، مشيرًا إلى أن الله أبلغنا في كتابه العزيز: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) الآية 155 من سورة البقرة.
الموتكان العرب في الجاهلية ينظرون للموت على أنّه النهاية، فليس بعد الموت حياة كما كان يعتقد أغلب العرب قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام رسخ العقيدة الصحيحة حول النظرة الإسلامية للحياة والموت، وأن الموت هو نهاية الحياة الدنيا، وأول الطريق في الحياة الآخرة، وأنّ الناس جميعًا سيُبعَثون يوم القيامة، وأنّ الحياة والموت عبارة عن ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور».
ويعد الموت هو أوّلُ منازل الآخرة، قال سبحانه وتعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ»، ومعنى الآية الكريمة أنّ كل حيٍّ سيموت، وتُفارقُ روحه البدن الذي تعيشُ فيهِ وتسكنه.
وورد أن الموت في اللغة: ذهاب وزوال القوّة من الشيء، والموتُ ضدّ وعكس الحياةِ، والموت يُطلَق على ما لا روح فيه، الموت في الشرع: خروج الروح من الجسد، أو بمعنى قبض الأرواح، كما ورد في سورة البقرة قال تعالى: «فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ» وموت النفوس هو أن تُفارق الروح لأجسادها وخروجها منها.