مؤسسة أكاديمية مستقلة تقع في قطاع غزة، تأسست عام 1978، انبثقت عن معهد الأزهر الديني، تعمل بإشراف وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، حصلت على عضوية اتحاد الجامعات العربية والإسلامية.

النشأة والتأسيس

تأسست الجامعة الإسلامية انبثاقا عن معهد الأزهر الديني نتيجة تزايد خريجي الثانوية العامة منه وقلة حصولهم على فرصة لتلقي التعليم العالي داخل القطاع، فقد كان المعهد يستقبل الطلبة من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية.

بعد اكتمال المرحلة الثانوية في معهد الأزهر الديني اتخذت لجنة الإدارة يوم 12 أبريل/نيسان 1977 قرارا بتطويره إلى جامعة إسلامية تضم بصورة أولية كليات الشريعة والقانون وأصول الدين وقسما للغة العربية أصبح لاحقا نواة لكلية الآداب.

كما شُكلت لجان فنية لوضع دراسة شاملة لإقامة كليات علمية مثل كلية الطب وكلية الهندسة وكلية العلوم وكلية الزراعة وكلية التجارة، وبدأ العمل في الجامعة وافتتحت أبوابها للطلبة يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1978.

الموقع

تقع الجامعة غرب مدينة غزة في حي الرمال الجنوبي، وتبعد كيلومترا واحدا تقريبا عن شاطئ بحر القطاع.

البداية من الخيمة

بدأت الجامعة مسيرتها بـ25 طالبا وهيئة تدريسية مكونة من 5 محاضرين، أحدهم كان يحمل درجة الدكتوراه و4 يحملون درجات الماجستير، وكانت قاعاتها الدراسية من الخيام، ولكنها تحولت لاحقا إلى قاعات دراسية مؤقتة، وضم مجلس أمنائها عددا من القادة البارزين للمقاومة الفلسطينية، منهم الشيخ أحمد ياسين والمهندس إسماعيل أبو شنب وغيرهما.

بدأ الطلاب يدرسون في كليتي الشريعة واللغة العربية، ثم توالى افتتاح الكليات تباعا، ففي عام 1979 افتُتحت كليتا أصول الدين والتربية، وفي العام التالي كليتا التجارة والعلوم.

قررت الجامعة افتتاح كلية تمريض في 1985، لكنها اضطرت إلى التأجيل بسبب رفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لكنها تمكنت من افتتاح الكلية عام 1992، إضافة إلى كلية الهندسة التي افتتحت في العام نفسه، كما افتتحت كلية تكنولوجيا المعلومات عام 2004، ثم كلية الطب عام 2006.

شهدت الجامعة الإسلامية انطلاقة جديدة في مطلع التسعينيات بتوسع مبانيها وحرمها الجامعي، إضافة إلى استعانتها بمحاضرين من الضفة الغربية ضمن هيئتها التدريسية.

وفي مطلع الألفية الثانية شيدت العديد من المباني والمرافق الجامعية، وبدأت باستيعاب آلاف الطلاب والمئات من أعضاء الهيئة الدراسية والموظفين الإداريين، بالإضافة إلى تأسيسها العديد من الهيئات والمرافق التابعة لها، ومنها:

عمادة خدمة المجتمع والتعليم المستمر. حاضنة الأعمال والتكنولوجيا. مختبرات المواد والتربة. المكتبة المركزية. لجنة الإفتاء. إذاعة القرآن الكريم. فضائية الكتاب. مركز عمارة التراث. مركز التاريخ الشفوي. مركز تحليل الأغذية. مبنى كلية العلوم بالجامعة الإسلامية (مواقع التواصل الاجتماعي) التطور العمراني

واجهت الجامعة الإسلامية في بداية نشأتها منع سلطات الاحتلال الإسرائيلي إقامة مبانيها الدائمة وحتى المؤقتة التي ظلت حتى عام 1994، وبعد قدوم السلطة الفلسطينية بدأت مرحلة التطور العمراني في الجامعة.

بذلت إدارة الجامعة ومجلس أمنائها جهدا للحصول على الدعم المالي لبناء مبان دائمة، وبالفعل باشرت في إعمار مسجدها ليصبح معلما مميزا لمدينة غزة، إذ جهز بمساحة ألف متر مربع ليتسع لـ700 مصلٍ، وانتهى إعماره عام 1996.

وشهدت الفترة بين 1996 و2008 إنشاء 15 مبنى من المباني الدائمة بالجامعة، وبلغت المساحة الإجمالية 90 ألفا و92 مترا مربعا.

وتوسعت الجامعة الإسلامية إلى محافظات القطاع الأخرى عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة، فشيدت حرما جامعيا مركزيا في خان يونس جنوب القطاع، وحرما في النصيرات على الأراضي المحررة، وحرما ثالثا شمال القطاع.

مواجهة الصعوبات

واجهت الجامعة الإسلامية منذ نشأتها عقبات وصعوبات كثيرة كانت أغلبيتها ناتجة عن قيود وممارسات سلطة الاحتلال الإسرائيلي، منها عرقلة البناء والتمويل، ومحاولة الهيمنة على الجامعة كمثيلاتها من الجامعات الفلسطينية، وفرض الضرائب على أموالها، والتحكم بإقامات العاملين، فقد كانت سلطات الاحتلال تشترط على عضو هيئة التدريس من سكان خارج قطاع غزة البقاء لمدة 3 أشهر خارج القطاع بعد مغادرته.

وفي عام 1985 رفض الاحتلال تجديد إقامة 34 عضوا من حملة الدكتوراه، فاضطروا إلى السفر للخارج وبدأت معاناة العجز في هيئة التدريس، مما اضطر الجامعة إلى تجميد بعض الأقسام، منها قسما الرياضيات والجيولوجيا.

تعرضت الجامعة إلى حملات اقتحام وتفتيش إسرائيلية في أوقات عديدة ودون مبررات، منها يوم 27 ديسمبر/كانون الأول 1985 حين اقتحم جنود الاحتلال مكاتب الإدارة والقاعات الدراسية بحجة البحث عن أعلام فلسطينية، وفي اليوم التالي حاصرت القوات الإسرائيلية الجامعة وسدت الطرق المؤدية إليها.

وأعاد الجيش الإسرائيلي يوم 28 مارس/آذار 1986 اقتحام الجامعة بقوة قوامها نحو 250 جنديا، وفي اليوم التالي أُغلقت الطرق المؤدية إلى الجامعة وتم تفتيش الطلبة والعاملين، وجاءت هذه الإجراءات تحسبا للاحتفال بالذكرى السنوية ليوم الأرض التي تصادف 30 مارس/آذار من كل عام، وعلى الرغم من ذلك أحيت الجامعة هذه المناسبة الوطنية.

فترة الانتفاضة

أغلقت سلطات الاحتلال الجامعة مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، واستمر الإغلاق حتى 1991 لمدة تزيد على 4 سنوات، ودأبت السلطات الإسرائيلية على اقتحام الجامعة كل شهر تقريبا.

لم ترضخ الجامعة للقرار العسكري الإسرائيلي بإغلاقها، فبحثت الإدارة عن سبل لاستمرار المسيرة التعليمية رغم الإغلاق والانتفاضة وما صاحبها من اعتقالات للطلبة والكادر الأكاديمي، فعملت على توفير أماكن لإلقاء المحاضرات، فاستعانت بالمساجد وبيوت بعض المدرسين، كما خصصت بعض المؤسسات والنقابات عددا من غرف مقراتها قاعات للطلبة.

واستأجرت الجامعة عددا من المنازل والشقق لعقد الامتحانات، بالإضافة إلى تبرع بعض أصحاب المنازل بالأجور لصالح الجامعة، وتمكنت الجامعة من تخريج 633 طالبا وطالبة خلال فترة الإغلاق.

أغلق الجيش الإسرائيلي الطريق بين محافظة خان يونس وغزة عند اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، فتعذر على الطلبة والعاملين الوصول إلى الجامعة، وأجّرت الجامعة بناية في خان يونس وبدأت ترتيبات لفصل دراسي جديد، مما زاد العبء على الكادر الأكاديمي، ثم وضعت خطة للتغلب على هذه الظروف، فأتمت توسعة الخدمة في الجنوب بما تتيحه الظروف المتوفرة لبعض الكليات، مع استثناء الكليات التي لها جانب عملي.

الاعتراف بالجامعة

سعى مجلس أمناء الجامعة منذ إنشائها للحصول على اعتراف سلطة الاحتلال بها، حتى يتمكن خريجوها من الحصول على وظائف حكومية في قطاع غزة، ولكن الاحتلال الإسرائيلي رفض ذلك وظل يتعامل مع الجامعة على أنها معهد الأزهر الديني.

لكن في يوم 3 ديسمبر/كانون الأول 1987 أرسل مستشار الشؤون العربية الكولونيل ديفيد حاخام رسالة موجهة باسم "السيد القائم بأعمال رئيس الجامعة الإسلامية والسادة أعضاء مجلس الأمناء"، فاعتبرت الجامعة أن هذا بمثابة اعتراف ضمني بالجامعة على الرغم من أنها كانت رسالة منع فتح أبوابها.

وحاولت الجامعة منذ بدايتها الحصول على اعتراف مؤسسات علمية عربية وإسلامية وعالمية، فتمكنت من الحصول يوم 7 أبريل/نيسان 1983 على عضوية رابطة الجامعات الإسلامية.

مبنى القدس في الجامعة الإسلامية والذي يضم قاعات دراسية للطلاب (مواقع التواصل الاجتماعي)

ولاحقا، حصلت الجامعة على عضوية اتحاد الجامعات العربية واتحاد الجامعات الإسلامية ورابطة جامعات البحر الأبيض المتوسط والاتحاد الدولي للجامعات، وتربطها علاقات تعاون مع الكثير من الجامعات العربية والأجنبية.

تمكنت الجامعة من الحصول على اعتراف من وزير التربية والتعليم العالي الفلسطيني يوم 23 يونيو/حزيران 1994، وذلك بعد قدوم السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة مباشرة.

خريجون بارزون

تخرجت في الجامعة الإسلامية شخصيات كثيرة أصبحت لاحقا روافد مهمة للعمل التنظيمي الفلسطيني، ومن تلك الشخصيات القادة في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف وإبراهيم المقادمة الذين كانوا أعضاء في مجالس الطلبة المتعاقبة على الجامعة.

كما تضم القائمة القيادي السابق في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) محمد دحلان الذي كان رئيس منظمة الشبيبة الفتحاوية بالجامعة خلال سنوات شبابه.

الجوائز والتكريمات جائزة أفضل جامعة فلسطينية للعام 2013. جائزة أفضل إدارة للعام 2013. جائزة النجمة الدولية للريادة في الجودة عام 2013. حصلت على المرتبة الأولى فلسطينيا والـ29 عربيا وفق تصنيف "يوني رانك" العالمي عام 2018. كما حصلت على المرتبة الأولى في غزة والرابعة في فلسطين والـ27 على مستوى الجامعات الناطقة باللغة العربية للعام 2022، وفقا لتصنيف "يوني رانك" العالمي. آثار قصف الجامعة الإسلامية في غزة جراء سلسلة غارات خلال العدوان على القطاع عام 2023 (مواقع التواصل الاجتماعي) قصف متجدد

شنت الطائرات الحربية يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول 2023 سلسلة غارات عنيفة على المقر الرئيسي للجامعة الإسلامية، مما أدى إلى تدميرها بشكل كامل، وذلك خلال العدوان الذي بدأه الاحتلال على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 عقب عملية طوفان الأقصى التي نفذتها المقاومة في مستوطنات غلاف غزة.

وكانت الجامعة قد تعرضت لقصف جوي إسرائيلي عام 2006 ألحق أضرارا بمبنى مجلس الطلبة، وذلك عقب عملية أسر المقاومة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

كما استهدفت طائرات الاحتلال مبنى المختبرات العلمية في الجامعة يوم 29 ديسمبر/كانون الأول 2008 خلال عدوان الرصاص المصبوب على القطاع، مما أدى إلى تدميره وخلف ضررا بليغا في مبان أخرى، إضافة إلى استهداف مجلس الإدارة خلال حرب 2014، والذي أسفر عن أضرار بالغة بالمبنى نفسه والمباني المجاورة له.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: الاحتلال الإسرائیلی الجامعة الإسلامیة سلطات الاحتلال فی الجامعة الجامعة من قطاع غزة

إقرأ أيضاً:

أكذوبة الانتقال الطوعي.. «الأسبوع» توثق تفاصيل المخطط الإسرائيلي لطرد سكان غزة

هل يمكن الحديث عن «اختيار طوعي» في ظل الحصار والقصف الذي يتعرض له أكثر من 2 مليون فلسطيني في قطاع غزة؟ وعندما يصبح الموت جوعًا أو قصفًا هو البديل الوحيد للبقاء، هل يمكن حقًا اعتبار قرار الرحيل «خيارًا» حرًا، كما تروِّج إسرائيل؟

تُسوِّق إسرائيل لفكرة «الهجرة الاختيارية» كسيناريو إنساني لتحسين حياة سكان غزة، بينما تكشف الحقائق الميدانية أن ما أقره «المجلس الوزاري المصغر» (الكابينيت) هو مخطط متعمد لإفراغ القطاع من سكانه، وسط ظروف معيشية تجعل العيش فيه خيارًا مستحيلًا.

ووسط الدمار والحصار وانهيار مقومات الحياة، تعرض حكومة «بنيامين نتنياهو» على سكان القطاع «مخرجًا آمنًا» تحت عنوان «الانتقال الطوعي»، رغم أنه إعادة إنتاج لمأساة التهجير القسري تحت غطاء قانوني مصطنع، وهو المسكوت عنه في المخطط الكارثي لوزير الدفاع الإسرائيلي «يسرائيل كاتس».

لم يكن مفاجئًا أن تعلن وزارة الخارجية المصرية، في بيان شديد اللهجة، عن إدانتها لاستحداث إسرائيل وكالة تهدف إلى «تهجير الفلسطينيين» من قطاع غزة، بالتزامن مع المصادقة على الاعتراف بـ13 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية.

وتتعدد تساؤلات القاهرة حول الأساس الذي يستند إليه الاحتلال في ترويج مصطلح «المغادرة الطوعية»، وكيف يمكن وصف الخروج تحت نيران القصف، وفي ظل سياسات تمنع المساعدات الإنسانية وتستخدم التجويع كسلاح، بأنه «تهجير طوعي» وليس «نزوحًا قسريًا»؟

بين الانتقال الطوعي والتهجير القسري

بعد مراجعة الاتفاقيات الدولية ومقارنتها بما يجري في غزة، يتضح أن هناك فرقًا كبيرًا بين الانتقال الطوعي والتهجير القسري، فالأول يعني أن يغادر السكان مناطقهم بناءً على إرادتهم الحرة، دون أي إكراه مباشر أو تهديد.

أما الثاني، فيشمل نقل السكان من مناطقهم بالقوة أو تحت التهديد، ما يُعد انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي.

وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة (1949) بشكل واضح التهجير القسري للسكان في الأراضي المحتلة، وتعتبره جريمة حرب، لكن قرار المجلس الوزاري المصغر في إسرائيل (الكابينيت) بإنشاء هيئة لإدارة «الانتقال الطوعي» لسكان غزة إلى دولة ثالثة يدفعنا إلى طرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذا الانتقال ومدى طوعيته في ظل الحصار الخانق والعدوان المستمر.

وبمراجعة نصوص القانون الدولي، فإن التهجير القسري هو «إخلاء السكان من أماكنهم الأصلية بالقوة أو التهديد باستخدام القوة»، كما يحظر «النقل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة إلى أراضي الدولة المحتلة أو إلى أراضٍ أخرى، أياً تكن دواعيه». ويُصنف النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) التهجير القسري ضمن جرائم الحرب.

ومن واقع تواصل «الأسبوع» مع مصادر عدة على الأرض، شمال ووسط وجنوب القطاع، فإن الظروف المعيشية والأمنية القائمة تُعد بيئة تهجير قسري، خاصة مع الحصار المفروض منذ 2007، والعدوان العسكري المستمر منذ 19 شهرًا، بعدما تسبب في انهيار البنية التحتية والنظام الصحي.

ويؤكد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية يؤكد أن نحو 75% من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

ووفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، فـ«الانتقال الطوعي يجب أن يستند إلى موافقة مستنيرة، أي أن يكون الشخص على دراية كاملة بجميع الظروف المحيطة بقراره، وألا يكون عرضة لأي تهديد مباشر أو غير مباشر يؤثر على حرية اختياره».

كما تنص المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) على أن «لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إليه»، ما يعني أن الانتقال الطوعي يجب أن يكون نابعًا من رغبة شخصية، وليس استجابة لضغوط قسرية كما تفعل إسرائيل حاليًا.

«الانتقال الطوعي».. خطة تفريغ القطاع من سكانه

وبتحليل مخطط إسرائيل، فإن إنشاء هيئة حكومية لإدارة «الانتقال الطوعي» يعكس محاولة للسيطرة على حركة السكان في الأراضي المحتلة. ويتعارض ذلك مع التزامات إسرائيل القانونية كـ«قوة احتلال»، لأن استخدام الحصار والحرب كوسائل لدفع السكان نحو المغادرة لا يجعل الانتقال طوعيًا، بل تهجيرًا قسريًا بمزاعم إنسانية.

وسياسيًا، تحمل الخطة الإسرائيلية تداعيات خطيرة، فهي تهدف إلى تفريغ غزة من سكانها، ما يعزز فكرة «إسرائيل الكبرى» ويقضي على أي أفق لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة.

وإنسانيًا، فإن الفلسطينيين المهجّرين سيواجهون مصيرًا غامضًا في الدول المستقبلة، حيث سيعيشون بصفة «لاجئ» مع كل ما تحمله هذه الصفة من عدم استقرار وحرمان من الحقوق الأساسية، بينما الإحصائيات التي في تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) تعكس استمرار معاناة اللجوء، إذ يعاني نحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني مسجلين لدى «الأونروا» حتى نهاية 2024.

العدوان العسكري:

لا يمكن فصل قرار «الكابينيت» الإسرائيلي عن السياق السياسي والعسكري الذي يعيشه قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023. من خلال متابعة التطورات الميدانية، يتضح أن الهدف الاستراتيجي لا يقتصر على استهداف القدرات العسكرية للمقاومة الفلسطينية، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في غزة.

إسرائيل تشنّ عدوانًا عسكريًا غير مسبوق على القطاع، مستخدمة كثافة نارية هائلة في استهداف المباني السكنية، المدارس، المستشفيات، وشبكات المياه والكهرباء. ووفقًا لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن نحو 70% من المنازل في غزة تعرضت للضرر أو التدمير.

يتضح من المعطيات أن 85% من محطات معالجة المياه وكل محطات توليد الكهرباء أصيبت بالعطل الكامل، بالتزامن مع فرض إسرائيل حصارًا خانقًا على دخول المواد الغذائية والطبية. هذا الواقع خلق كارثة إنسانية غير مسبوقة، تدفع سكان غزة إلى خيارين قاسيين: إما مواجهة الموت جوعًا أو تحت القصف، وإما الخروج من القطاع بحثًا عن النجاة.

وسياسيًا، يبدو أن قرار «الكابينيت» يعكس محاولة إسرائيلية لتقليص عدد السكان وإعادة توزيعهم في الدول المجاورة، تماشيًا مع مخططات إسرائيلية قديمة. تذكّر هذه الاستراتيجية بمخطط زئيف جابوتنسكي، صاحب نظرية «الجدار الحديدي»، التي تقوم على خلق واقع يجعل من المستحيل على الفلسطينيين البقاء في أرضهم أو المطالبة بحقوقهم فيها.

وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، يسرائيل كاتس، يحاول تطبيق هذه الاستراتيجية عبر مخططه الجديد.

وتشير مصادر سياسية إلى أن الحكومة الإسرائيلية بدأت بالفعل في التواصل مع عدة دول، معظمها خارج منطقة الشرق الأوسط، لاستقبال فلسطينيين من غزة، في إطار ترتيبات سياسية واقتصادية سرية تهدف إلى إفراغ القطاع من سكانه.

ووفق المصادر نفسها، فإن تنفيذ المخطط سيمنح إسرائيل مساحة استراتيجية للتوسع العسكري والسياسي مستقبلًا. وعلى المستوى القانوني، يشكل مخطط «كاتس» أزمة كبيرة، لأنه يتناقض مع اتفاقيات دولية تحظر النقل القسري للسكان تحت الاحتلال، خاصة أن الظروف القاهرة في القطاع تكشف بوضوح أن ما يحدث هو تهجير قسري.

على المستوى الإقليمي، يشكل مخطط «كاتس» تهديدًا مباشرًا لاستقرار دول الطوق (مصر، الأردن، لبنان، وسوريا) لأن المحاولات الإسرائيلية المستميتة لتهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى هذه الدول قد يخلق واقعًا أمنيًا جديدًا، ويفتح الباب أمام توتر سياسي إقليمي، ويعزز حالة عدم الاستقرار في المنطقة، ما قد يؤدي إلى أزمات إنسانية وأمنية تستمر لعقود.

البيئة المنكوبة:

من خلال تواصل «الأسبوع» مع العديد من المواطنين الفلسطينيين في مناطق عدة بالقطاع، منذ بداية العدوان وحتى الآن، بات واضحًا أن الحياة في غزة أصبحت شبه مستحيلة: نقص الغذاء والماء، انهيار النظام الصحي، غياب الكهرباء، ودمار البنية التحتية حوّل القطاع إلى منطقة منكوبة بكل المقاييس، مما جعل الجميع في غزة يتحدثون عن صراع يومي من أجل البقاء.

وتؤكد تقارير برنامج الغذاء العالمي، أن النظام الغذائي انهار تمامًا، إذ يحذر تقرير من أن «معظم سكان القطاع لا يجدون ما يكفيهم من الطعام» بسبب منع إسرائيل دخول معظم شحنات الإمدادات الغذائية.

كما أن المياه الصالحة للشرب أصبحت نادرة بشكل خطير، وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن 85% من آبار المياه ومحطات التحلية في غزة تعرضت للتدمير أو العطل بسبب القصف الإسرائيلي.

الكهرباء في غزة تحولت إلى رفاهية نادرة. تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية يوضح أن القصف الإسرائيلي أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بحيث لا يتوفر أكثر من 4 ساعات فقط يوميًا. هذا الانقطاع يؤثر على الحياة اليومية للسكان، ويتسبب في تعطل شبكات الاتصال، وأجهزة تنقية المياه، وحتى ما تبقى من المنشآت الصحية.

معظم السكان يعتمدون الآن على مياه غير صالحة للشرب، ما أدى إلى تفشي الأمراض المعوية وأمراض الكلى. من خلال حديثي مع أطباء في القطاع، تبيّن أن النظام الصحي في غزة لم يعد موجودًا فعليًا. تقرير صادر عن «أطباء بلا حدود» يؤكد أن 80% من المستشفيات والمراكز الطبية خرجت عن الخدمة بسبب القصف أو نقص الوقود.

تقرير صادر عن صحة غزة (اطلعنا على نسخة منه) يكشف أن أكثر من 60% من المصابين في الحرب ماتوا بسبب عدم تلقيهم العلاج المناسب في الوقت المناسب. كما تنتشر الأمراض المعدية في القطاع، مثل الكوليرا والتهاب الكبد الفيروسي، بسرعة نتيجة تكدس السكان في مراكز الإيواء المؤقتة، وغياب وسائل التعقيم والنظافة.

شبكات الصرف الصحي تعرضت للتدمير بالكامل تقريبًا. ومن خلال تواصلي مع مصادر محلية، فإن مياه الصرف الصحي التي تتدفق في الشوارع تؤدي إلى ارتفاع معدلات التلوث وانتشار الأمراض. المدارس بدورها تحولت إلى ملاجئ للنازحين، بالتزامن مع حرمان أكثر من 300 ألف طفل في غزة من التعليم، وفي غياب فرص التعليم والتنمية، يواجه هذا الجيل خطر الضياع التام.

الشرعية الدولية:

رغم أنها مواقف «منزوعة الدسم»، فإن الإجماع الدولي على رفض خطة «الانتقال الطوعي» لسكان غزة يعكس وعيًا عالميًا بأن ما يجري في القطاع لا يمكن اعتباره انتقالًا طوعيًا بأي شكل من الأشكال، بل هو نتيجة مباشرة لظروف معيشية قسرية تجعل البقاء مستحيلًا. الأمم المتحدة كانت من أوائل الجهات التي رفضت بشكل قاطع خطة ما يسمى بـ«الانتقال الطوعي» لسكان غزة.

وفي بيان صادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان، أكدت أن «الوضع الإنساني في غزة بلغ مرحلة الكارثة، وأي محاولة لنقل السكان تحت هذه الظروف تُعد تهجيرًا قسريًا وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وهذا الرفض الدولي لا يقتصر على التصريحات السياسية، بل تدعمه مواقف قانونية واضحة صادرة عن منظمات حقوقية دولية ومؤسسات أممية.

وتتبعت تقارير منظمة الأونروا واقع سكان غزة، فتبيّن أن «85% من سكان القطاع نزحوا داخليًا منذ بداية الحرب»، وترى منظمة العفو الدولية أن «الفلسطينيين في غزة ينزحون تحت وطأة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحقهم، رغم توقيع اتفاق هشّ لوقف إطلاق النار. العواقب المميتة والمدمرة تتفاقم، في ظل حرمان سكان القطاع من أبسط حقوقهم الأساسية».

أما منظمة هيومان رايتس ووتش، فتؤكد أن إسرائيل تستخدم الحصار والقصف كأدوات لدفع السكان إلى النزوح القسري، وتشير إلى أنه «منذ 2 مارس الجاري، منعت الحكومة الإسرائيلية مجددًا جميع المساعدات التي تدخل غزة، بما في ذلك الوقود»، وهو ما وصفته المنظمة بأنه «انتهاك صارخ للقانون الإنساني الدولي».

وبموجب المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن «إرغام السكان المدنيين على النزوح تحت تهديد القوة أو نتيجة ظروف معيشية قسرية يُعد جريمة ضد الإنسانية». وبالتالي، فإن خطة «الانتقال الطوعي» التي تروج لها الحكومة الإسرائيلية، في ظل الحصار والقصف، تندرج قانونيًا ضمن هذا الإطار.

وشددت هيومان رايتس ووتش على أن «مواصلة إسرائيل قطع المساعدات يتجاهل أوامر ملزمة من محكمة العدل الدولية»، ووثّقت المنظمة الحقوقية الدولية «موت آلاف الفلسطينيين في غزة نتيجة سوء التغذية والجفاف والأمراض الناجمة عن منع السلطات الإسرائيلية الحصول على الغذاء والمياه والإمدادات الضرورية».

وتدعو الأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية سلطات الاحتلال الإسرائيلية إلى توفير المساعدات المعيشية، لا سيما المياه والغذاء. إلا أن الظروف التي خلقتها إسرائيل خلال الشهور الأخيرة تحرم أكثر من مليونيْ فلسطيني منها، ما يؤدي إلى الموت البطيء، خاصة بين الأطفال حديثي الولادة.

و«فرض ظروف معيشية على جماعة بقصد تدميرها كليًا أو جزئيًا» يُعد إبادة جماعية. وعليه، فإن منع الغذاء والماء، والتسبب في الجفاف وسوء التغذية، يندرج ضمن هذه الجريمة، خاصة أن الأمهات يعجزن عن إرضاع أطفالهن بسبب سوء التغذية والجفاف. أما الأطفال الذين يعتمدون على الحليب الصناعي، فيتناولونه ممزوجًا بمياه ملوثة بسبب غياب المياه النظيفة.

وأفادت مجموعة «الأمن الغذائي» التابعة للأمم المتحدة أن «حوالي 80 مطبخًا مجتمعيًا (التكيات) سينفد مخزونها الغذائي قريبًا بسبب حظر إسرائيل للمساعدات»، فيما حذر برنامج الأغذية العالمي من أن «المخزون المتاح للمطابخ والمخابز العامة قد يكفي لأقل من أسبوعين» لكن العدوان طال حتى مكاتب الإغاثة الدولية.

وتعرض مكتب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة لقصف أدى إلى تعطيل عمله. وحذرت اللجنة من أن «الأزمة الإنسانية في غزة ما تزال بعيدة عن النهاية، حيث يحتاج إنقاذ الأرواح إلى إيصال الدعم الإنساني بشكل فوري»، وتوضح اللجنة أنه «إلى جانب الإغاثة الطارئة، هناك حاجة إلى التزام طويل الأجل بإعادة بناء الخدمات الأساسية»

يشمل ذلك مراكز الإيواء، الإمدادات الطبية، والبنية التحتية للمياه والكهرباء، مشيرة إلى أن «تعليق إدخال الدعم الإنساني، بدأ يؤثر فعليًا في ارتفاع الأسعار ونقص السلع الأساسية».

وبموجب القانون الدولي الإنساني، يتعين على إسرائيل ضمان تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين في غزة، لا سيما السماح بمرور المساعدات الإنسانية.

أما استمرار الاحتلال في فرض الحصار ومنع المساعدات، فيُعد وفقًا لنظام روما الأساسي «جريمة إبادة جماعية».

وتحذر منظمات حقوقية دولية من أنه «دون اتخاذ إجراءات فورية لضمان حصول الفلسطينيين على كميات كافية من المياه النظيفة والمساعدات الغذائية، سيستمر موت أعداد كبيرة منهم بسبب الجفاف، والأمراض المنقولة عبر المياه، وسوء التغذية».

نتائج المخطط:

يتفق معظم المراقبين على أن مخطط «الانتقال الطوعي» الذي تنفذه إسرائيل في قطاع غزة ليس سوى غطاء لعملية تهجير قسري ممنهجة، لإفراغ القطاع من سكانه وإخضاعه لسيطرة إسرائيلية كاملة، ونجاح هذا المخطط سيمنح إسرائيل مكسبًا استراتيجيًا بتغيير التوزيع الديموغرافي وتقليص أي تهديد أمني مستقبلي، عبر إضعاف البنية الاجتماعية والعسكرية للفصائل الفلسطينية.

على المستوى القانوني، يمثل المخطط خرقًا صارخًا لتشريعات دولية، خاصة اتفاقية جنيف الرابعة، ما قد يعرض إسرائيل لملاحقة قانونية دولية، أما المضى قدمًا في تنفيذ الخطة سيؤدي إلى زيادة العزلة الدولية لإسرائيل، خاصة مع تزايد التوثيق لانتهاكاتها، واقتصاديًا، ستواجه إسرائيل تحديات في فرض ترتيبات أمنية جديدة والتعامل مع حالة عدم الاستقرار الناجمة عن «التهجير القسري».

مقالات مشابهة

  • الجيش الإسرائيلي يوسع "المنطقة الأمنية" في شمال قطاع غزة
  • أكذوبة الانتقال الطوعي.. «الأسبوع» توثق تفاصيل المخطط الإسرائيلي لطرد سكان غزة
  • الأردن تدين قصف قوات الاحتلال الإسرائيلي مدرسة تؤوي نازحين في غزة
  • الجامعة العربية تحذر من عواقب العربدة الإسرائيلية في المنطقة
  • بالصور: الجيش الإسرائيلي يعلن توسيع عمليته البرية شمال قطاع غزة
  • “التعاون الخليجي”: اقتحام المسجد الأقصى انتهاك صارخ للمقدسات الإسلامية
  • الأمين العام لمجلس التعاون: اقتحام وزير قوات الاحتلال وعددٌ من المستوطنين المتطرفين المسجد الأقصى انتهاكٌ صارخٌ للمقدسات الإسلامية
  • 3 غارات إسرائيلية على جنوب لبنان تدمر مركزا للدفاع المدني والهيئة الصحية الإسلامية
  • مرصد الأزهر يدعو المؤسَّسات الإسلامية لتكثيف جهودها لحماية الأقصى
  • شهداء وجرحى في قصف العدو الإسرائيلي عيادة للأونروا تؤوي نازحين شمال قطاع غزة