جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-06@00:43:48 GMT

حُسن النوايا

تاريخ النشر: 25th, December 2023 GMT

حُسن النوايا

 

د. صالح الفهدي

يُخبرني أحد الأصحاب أنّه باع بيته، فلمّا التقى بالمشتري في السجِّل العقاري، وقّع على أوراق البيعِ التي تؤكِّد على قبضه للمبلغ المتفق عليه، لكنّه أحسن النيّة في المشتري لأنه رآه صاحب لحيةٍ طويلة، وظنّ صاحبها تقيًّا، متديِّنًا، يخشى الله فيه، فلمّا انهيا الإجراءات، وخرج مع المشتري خارج الوزارة، سأله المشتري مستفزًّا: هل ما فعلته من عقلك؟! فردّ عليه: وماذا فعلت؟ فأجابه المشتري: كيف توقِّع على أوراق البيع وأنت لم تستلم قيمة عقارك؟ فرد عليه: أحسنت الظن فيك، ورأيتُ في وجهك الصلاح والتقوى؟! قال له كأنّما يدفِّعه ثمن حسن نواياه فيه: إذن سأسلمِّك جزءًا من المبلغ، أمّا الجزء المتبقي فبعد حين، وهنا وقع البائع في مأزق حسن نواياه بالرجل (التقي، الورع، المتديِّن)، يقول الصاحب: بعد محاكمات، ومناكفات، ومخاصمات، حصلتُ على ما تبقى من المبلغ، ومع ذلك نقول أنّه محظوظ لأنه حصل في الأخير على مستحقاته وإن كانت بغصصٍ، ومتاعب!

قصص كثيرة من هذا القبيل تقع في مجتمعنا بسبب حسن النوايا، والطبيعة الطيبة للإنسان العماني الذي تتقدمه الطيبة والعفوية، ثم يصبحُ ذلك الذي حصل على ما يريدُ منه عدوًا لدودًا، ويمسي صاحبُ الحقِّ صاحبُ مشقّة ومكابدة، ليستعيد حقّه ممن رأف به وأشفق، وأحسن النية في التعامل معه فأخفق.

 

إنّ أطول آية في القرآن الكريم هي آية الدّين، وقد فصّل الله فيها تعامل الطرفين الدائن والمدين بكل شفافية وتجرُّد من الشخصنة، حتى يضمن صاحب الحقِّ حقّه، لكن من المؤسف فقد تغيّرت قيم البعض الذي يتقنُ فن الخداع إما بالحديث اللطيف، أو بالأخلاق العالية، أو بمظهر التديُّن، وما إن يحصلُ على بغيّته حتى ينقلب أفعى سامّة لا يستطيع الآخر الاقتراب منها.

ولا يتصوّر الإِنسان مدى ما وصل إليه بعض الناس من إنكار الحق في مجتمعنا، وطغيان شهوة المال عليهم، فقد سمعتُ أن أخًا اتفق مع أخيه لينقل إليه أرضًا له بصفة مؤقّتة حتى يُنهي بعض الأمور، فلمّا طلب من أخيه بعد حينٍ أن يُعيد أرضه إليه رفض الأخ وأنكر أنّ أخاهُ قد حوّلها بصورةٍ مؤقّتة، فإذا كان هذا ما قد يحدث بين الأخوة فكيف هو الحال بين آخرين؟!

حُسنُ النوايا لا تعني أن تغشى الغفلة صاحبها، فلا يُدرك ما يتوجّبُ عليه فعله في الأمر، فحسنُ النوايا هي قاعدة التعامل في العموم انطلاقًا من القاعدة الأعم "الأصلُ في الأشياء الإِباحة" ولكن هذا لا يعني أن يُعرِض الإنسان عن ما يحفظُ له حقّه.

حسنُ النوايا لا تعني عدم الطيبة وطغيان الشكِّ في التعامل مع النّاس، وإن كثرت أفعالهم المخادعة، وإنما تعني أن يحذر الإنسان من مأمنه، كما يقول المثل العربي "يؤتى الحذِرُ مِنْ مأمنه" أي إن الإنسان قد يلاقى الضرر من الذي أمنه، وكان حذرًا من غيره.

حسنُ النوايا لا يعني التوقف عن مساعدة الآخرين خشية فقدان الحق، وإنّما يجب اتباعُ القوانين المنظِّمة التي تنظِّم المعاملات، فما وضعت القوانين إلا لحفظ الحقوق، إذ يقال "القانون لا يحمي المغفلين" لأنهم أسقطوا من اعتباراتهم خطواتٍ وإجراءاتٍ هي الضامنة لحقوقهم.

نباهة الإِنسان وفطنته هي التي يفترضُ أن توجِّه حسن نواياه وطيبته في تعامله مع الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"(رواه المغيرة بن شعبة)، والله تبارك وتعالى يقول: "ولا تُؤْتُوا السُّفهاء أمْوالكُمُ الّتِي جعل اللّهُ لكُمْ قِيامًا" [النساء:5]، وهكذا نؤسِّس تعاملاتنا مع الناس متوازنين بين قيم الطيبة وحب الخير والإحسان والعون من جهة، وبين حفظ الحقوق، وعدم الابتزاز في العواطف والمشاعر، والإتيان من مأمن لم يُحذر.

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

تقرير إسرائيلي: تهجير الفلسطينيين من الضفة جريمة حرب ترعاها الدولة

فلسطين – أكدت منظمتان إسرائيليتان، امس الجمعة، أن تل أبيب ترعى رسميا عنف وإرهاب المستوطنين بالضفة الغربية الذي أدى إلى تهجير مئات العائلات الفلسطينية من منازلها في 7 تجمعات رعويّة خلال أقل من عامين.

جاء ذلك في تقرير مشترك أعدته منظمتا “ييش دين” و”أطباء من أجل حقوق الإنسان”، والذي خلص إلى أن إسرائيل ترتكب “جريمة حرب في الضفة عبر التهجير القسري والتطهير العرقي” للفلسطينيين.

وقال التقرير، الذي حمل عنوان: “مُجتمعات مُهجرّة، أناسُ منسيون”، إن تهجير هذه العائلات من منازلها جاء كنتيجة لـ”سياسة تنتهجها إسرائيل وعنف المستوطنين”.

التقرير، الذي تلقت الأناضول نسخة منه، أوضح أنه “لم يكن هذا رحيلا طوعيا بل تهجير قسري، جراء عدة عوامل متداخلة منها، القمع المؤسسي طويل الأمد، والعنف الجسدي اليومي، والإرهاب النفسي، والأضرار الاقتصادية الجسيمة”.

وأضاف: “كل هذه العوامل أدّت إلى فقدان الشعور بالأمان الشخصي، وتفكيك نسيج الحياة اليومية في 7 تجمّعات رعوية فلسطينية، اضطُرّت إلى الرحيل عن أراضٍ اعتبرتها وطنا وبيتا لها”.

وأشار التقرير إلى أن السلطات الإسرائيلية صنّفت هذه التجمعات (الفلسطينية) على أنها “غير معترف بها”، و”مارست بحق سكانها سياسات تنكيل استمرت لسنوات”.

إلا أن نقطة التحوّل جاءت حين أقام المستوطنون بؤرا استيطانية زراعية قرب هذه التجمعات الرعوية الفلسطينية.

وفي هذا الصدد، أوضح التقرير أن “تصاعد العنف المنطلق من هذه البؤر (الاستيطانية) خلال العامين الأخيرين خلق بيئة لا تُحتمل، لا تتيح سُبل العيش أو البقاء للتجمعات الرعوية الفلسطينية، وعمليا أجبرها على النزوح والتهجير من منازلها”.

وتابع: “رغم أن إسرائيل تتنصل رسميا من أفعال المستوطنين بحجة أن البؤر غير قانونية، فإنها عمليا تدعمها وتستفيد من نتائج العنف ضد الفلسطينيين، ما يُسهم في تحقيق أهداف الدولة نفسها”.

وأوضح التقرير، أن إسرائيل “تمس بشكل منهجي ومتواصل بحقوق المجتمعات الرعوية الفلسطينية في الضفة الغربية، بما يشمل: الحق في الحياة والأمان، الحق في الصحة، حرية الحركة والتنقل، الحق في الملكية الخاصة، الحق في العمل وكسب الرزق، والحق في الكرامة الإنسانية”.

وخلص إلى أن إسرائيل “تتحمّل المسؤولية عن ارتكاب جريمة حرب متمثّلة في النقل القسري للفلسطينيين في الضفة الغربية، وهي جريمة تُرتكب بدعم مباشر من الدولة، سواء عبر مؤسساتها أو من خلال مواطنيها”.

وأضاف أن “التدخل العميق للدولة، وطبيعة هذه الممارسات ومنهجيتها وتكرارها في مواقع مختلفة، تقود إلى استنتاج لا مفرّ منه، وهو أن إسرائيل تنفّذ في بعض مناطق الضفة الغربية ممارسات تطهير عرقي بحق الفلسطينيين”.

وتابع التقرير: “تنتهج إسرائيل السياسة ذاتها، وبالأساليب نفسها التي يستخدمها المستوطنون، في مناطق أخرى من الضفة، ما يثير مخاوف من أن تتحول هذه الأنماط إلى استراتيجية سلطوية طويلة الأمد، تهدف إلى تطهير عرقي واسع النطاق، لا سيما في المنطقة (ج) التي تشكل نحو 60 بالمائة من مساحة الضفة الغربية”.

وحتى الساعة 16:45، لم يصدر عن الحكومة الإسرائيلية تعليق رسمي على مضمون هذا التقرير.

ووفق تقارير فلسطينية، فإن “عدد المستوطنين في الضفة بلغ نهاية 2024 نحو 770 ألفا، موزعين على 180 مستوطنة و256 بؤرة استيطانية، منها 138 بؤرة تصنف على أنها رعوية وزراعية”.

وفي 20 يوليو/ تموز 2024، قالت محكمة العدل الدولية إن “استمرار وجود دولة إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني”، مشددة على أن للفلسطينيين “الحق في تقرير المصير”، وأنه “يجب إخلاء المستوطنات الإسرائيلية القائمة على الأراضي المحتلة”.

وتعتبر الأمم المتحدة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وتحذر من أنه يقوض فرص معالجة الصراع وفق مبدأ حل الدولتين، وتدعو منذ سنوات إلى وقفه دون جدوى.

ومنذ بدئه حرب الإبادة على قطاع غزة، صعّد الجيش الإسرائيلي والمستوطنون اعتداءاتهم بالضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ما أدى إلى مقتل أكثر من 944 فلسطينيا، وإصابة قرابة 7 آلاف، واعتقال 15 ألفا و700، وفق معطيات فلسطينية رسمية.

وبدعم أمريكي مطلق ترتكب إسرائيل، منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إبادة جماعية بغزة خلفت أكثر من 165 ألف قتيل وجريح من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود.

 

الأناضول

مقالات مشابهة

  • من يقول كفى للإجرام الإسرائيلي؟
  • تكتب عن أحوال الأسرى المأساوية ومدى وحشية هؤلاء الجنجويد.. القحاطي يجيك ناطي يقول (..)
  • تقرير إسرائيلي: تهجير الفلسطينيين من الضفة جريمة حرب ترعاها الدولة
  • عوامل النصر.. وصناعة الفتن.
  • دقلو يقول أنهم بدأوا الحرب في المكان الخطأ
  • بن صالح: الغرياني صوت الحق الوحيد الذي ما زال مرتفعاً مجلجلاً
  • نبيل عبد الفتاح يكتب: طه عبدالعليم.. واحة الطيبة والعفوية الصادقة
  • من سفير النوايا الحسنة إلى بطل اليونسيف ..!!
  • ما تفاصيل مقترح الوسطاء الذي وافقت عليه حركة حماس؟
  • كلمة الحق في وجه الباطل.. السيد القائد وصمود اليمن