جريدة الرؤية العمانية:
2025-03-31@23:03:51 GMT

"حارس الرخاء" في البحر الأحمر!

تاريخ النشر: 24th, December 2023 GMT

'حارس الرخاء' في البحر الأحمر!

 

علي بن مسعود المعشني

ali95312606@gmail.com

التحالف البحري في البحر الأحمر، أو ما أُطلق عليه عملية "حارس الرخاء"، بقصد حماية الملاحة والسفن العابرة في البحر الأحمر، وكما أشاعت أمريكا، هو تحالف وُلِدَ ميتًا بحق، فقد تعثّر في عضويته، وتلكأ وتردد من انضم له في ذكر اسمه وإعلانه؛ الأمر الذي دفع بوزير الدفاع الأمريكي إلى التصريح بأن لكل دولة مشاركة بالحلف الحق في الإعلان عن مشاركتها أو إخفاء ذلك.

هذه الرتوش والجزئيات لا تعني شيئًا مُقابل امتناع دول فاعلة في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة من المشاركة فيه، ثم إعلان بعضها الانسحاب منه قبل انطلاق عملياته مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا! وتلى ذلك تسريبات صحفية أمريكية مفادها أن أمريكا لا تملك القوة الكافية لتنفيذ المهمة ومواجهة المخاطر المرتقبة!!

الواقع يقول إن تحركات صنعاء واضحة ومُحددة ومحصورة في استهداف السفن المملوكة للكيان الصهيوني، بشكل كُلي أو جزئي، والسفن التي تحمل بضائع من وإلى الكيان، وما عدا ذلك فالملاحة والعبور في البحر الأحمر طبيعية وعادية جدًا.

لهذا ظهر عوار التحالف المذكور ووضحت نواياه بأنه تحالف لحماية السفن الصهيونية فقط لا غير، وظهر دور أعضاء التحالف أنهم شركاء للكيان الصهيوني في الدم العربي الفلسطيني بغزة.

بكل تأكيد موقف اليمن من الحرب على غزة هو موقف فطري قبل أن يكون موقفًا سياسيًا. فمن الطبيعي، وكما فزع الغرب للكيان وغيره من أبناء جلدته وثقافته تاريخيًا، أن يفزع اليمن لأبناء فلسطين؛ كواجب شرعي وأخلاقي، كعرب ومسلمين وأشقاء الدم والتراب والتاريخ والمصير.

دعم ومباركة الغرب للصهاينة في تدميرهم وقتلهم المُمنهج لغزة وأهلها، لم يُعرِّيهم أمام حلفائهم العرب فحسب؛ بل عرَّاهم أمام شعوبهم أكثر، وبيَّن زيف ما يتشدقون به من حريات وديمقراطية وحقوق إنسان لعقود خلت. وهذا الانكشاف الغربي بدأ مع الأزمة الأوكرانية، وتُوِّجت فصوله ومفرداته وتجلياته في غزة.

أمريكا، ليس مشهود لها بالبراعة في إنتاج الفشل وتجربة المُجرب حتى تفشل؛ بل مشهود لها بفن صناعة الأعداء الحقيقيين لها، ومنحهم كل المبررات والأسباب والدوافع للقوة ومواجهتها بها لاحقًا.

إيران الحليف المثالي السابق لأمريكا- كمثال- لم تستوعب أمريكا التحولات الجذرية الكُبرى التي أحدثتها الثورة عام 1979 داخليًا وإقليميًا ودوليًا، فتعاملت معها كـ"انقلاب عسكري" أو حراك سياسي محدود الأهداف والأثر؛ الأمر الذي جعل من إيران الثورة- وكردة فعل طبيعية- عدوًا كاملًا لأمريكا، وتتلمس لنفسها كل أسباب القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية لمواجهة المخطط الأمريكي الشامل لزوال الثورة والإجهاز عليها؛ فأصبحت إيران اليوم قوة عسكرية وسياسية واقتصادية هائلة ومُهابة في المنطقة والعالم.

كان يمكن لأمريكا احترام إرادة الشعب الايراني في اختيار من يحكمه وكيف يحكمه، واعتبار ما حدث شأنًا داخليًا، وبهذا تحتفظ أمريكا لنفسها بما يشفع لها لرسم علاقات جديدة مع إيران الثورة، بالرهان على عنصري الزمن والمتغيرات، ولكن أمريكا كقوة بلا عقل، وكما عُرف عنها، توظِّف القوة بلا عقل وبلا رُشد فتفقد الاثنين معًا.

تُكرر أمريكا ذات النهج والسياسات مع اليمن اليوم؛ حيث أهدت جماعة أنصار الله نصرًا كبيرًا وبلا حرب، حين أشهرت هذا التحالف، والذي فهمه القاصي والداني منذ لحظة ولادته، وبالنتيجة، أن الانصار كسبوا تعاطف وتأييد شرائح واسعة من الشعب اليمني؛ حيث أصبح الخيار عقاب اليمن على نُصرة غزة وأهلها.

قبل اللقاء.. تبقى خطيئة أمريكا الكبرى في اليمن، هي مماطلتها في مراحل الهدنة؛ الأمر الذي كلّفها اليوم أثمانًا باهظة جدًا للعودة إلى المربع الأول للهدنة والسيطرة على شيء في اليمن.

وبالشكر تدوم النعم.

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

البحر الأحمر..الخليج الجديد في لعبة النفوذ

منذ أن انطلقت عمليات "عاصفة الحزم" في مارس 2015، كان يُفترض أن تكون عدن هي نقطة التحول الإستراتيجي التي تُعيد رسم خرائط الأمن القومي العربي على ضفاف البحر الأحمر، ذلك البحر الذي ظل طويلا مجرد ممر تجاري في حسابات الدول الكبرى، قبل أن يتحول تدريجياً إلى مسرح مفتوح لتصادم الإرادات، وتنافس المشاريع، واختبار التحالفات.

تحرير عدن في يوليو 2015 لم يكن مجرد انتصار عسكري موضعي، بل كان لحظة نادرة في التاريخ العربي الحديث: لحظة يمكن فيها للعرب، وبقيادة خليجية فاعلة، أن يصنعوا توازنا جديدا في الإقليم، يمنع تمدد إيران، ويغلق الباب أمام مغامرات الإسلام السياسي، ويُعيد للبحر الأحمر موقعه الطبيعي كحزام أمني عربي لا يُسمح باختراقه.

لكن بدلا من تحويل هذا الانتصار إلى نقطة انطلاق نحو إعادة بناء منظومة أمنية عربية فاعلة، دخل الملف في دوامة التشويش، وخضعت الأولويات لمساومات جانبية، وتداخلت الحسابات الإقليمية مع المزايدات الأيديولوجية، وأُفرغت عدن من مدلولها الرمزي والسيادي، ودُفع بالملف اليمني من مساره العربي إلى منطقة التدويل، حيث فقدت العواصم العربية زمام المبادرة، وبدأت القوى الدولية ترسم حدود النفوذ، وتوزّع الأدوار وفق مصالحها لا وفق الضرورات الأمنية للمنطقة.

هنا، ضاعت فرصة تاريخية كان يمكن فيها للعرب أن يفرضوا سرديتهم الخاصة، ويعيدوا تعريف البحر الأحمر بوصفه شأناً عربيا خالصا لا يُخترق إلا بإرادتهم، فلحظة عدن كانت قابلة للتحوّل إلى رافعة لإعادة تشكيل مفهوم الأمن القومي العربي، لكنها أُهملت، بل وأُحبطت بفعل التردد من جهة، والحسابات السياسية الضيقة من جهة أخرى، والمناكفة غير الموضوعية والمراهنة على جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، واعتبارهم امتداداً قبلياً دون النظر إلى توجهاتهم الأيديولوجية أوقع طرفاً عربياً في تقديرات خاطئة ها هو ومعه المنطقة والعالم كاملا يدفع أثمانا باهظة لم يكن أحد في حاجة إلى دفعها لو أنه استحكم العقل والمنطق وقدم أولوية الأمن القومي العربي على المزايدة والرهانات المحكومة بالفشل سلفا.

ومع ذلك، يُحسب للإمارات، وهي أحد أبرز الفاعلين في التحالف العربي، أنها لم تتورط في الفوضى، بل تصرّفت كفاعل عقلاني يُوازن بين ضرورات الأمن والاستقرار وبين تعقيدات الداخل اليمني، فحافظت على مكتسبات تحرير عدن، ولم تفرّط في التوازنات الدقيقة التي تحكم المشهد، ولم تتعامل مع اليمن كحديقة خلفية، بل كفضاء إستراتيجي يرتبط بأمن الخليج والبحر الأحمر معا، بل يمكن القول إنها، حتى اللحظة، هي الطرف الوحيد الذي يتصرف بهدوء، ويعمل على تثبيت معادلات الحضور من دون ضجيج، وبمنطق إستراتيجي يراعي الجغرافيا والتاريخ معا.

فالبحر الأحمر، ببساطة، يتحول اليوم إلى "خليجٍ جديد". خليج لا تُطلق فيه الحروب بالصواريخ فقط، بل بالموانئ، وبالقواعد العسكرية، وبالتحالفات التجارية. من قناة السويس في الشمال إلى مضيق باب المندب في الجنوب، يتشكل خط جيوبوليتيكي أشبه بحزام النار، تمر عبره أكثر من  10 في المئة من تجارة العالم، ويتحكم في رئات الاقتصاد العالمي من الصين حتى أوروبا، هذا البحر، الذي ظل لعقود في الظل، بات الآن في قلب الصراع الدولي على النفوذ، وربما في طليعة الحروب القادمة.

تركيا أعادت التموضع في الصومال، وتسعى إلى موطئ قدم دائم في السودان، إيران وجدت في الحوثيين ذراعا إستراتيجية لتهديد الممرات البحرية، بل وتحويل البحر الأحمر إلى ورقة ضغط دائمة على خصومها، إسرائيل فتحت قنواتها مع السودان وإريتريا ضمن هندسة أمنية قديمة–جديدة، الصين تمتلك قاعدة عسكرية في جيبوتي، وتُراكم استثماراتها في الموانئ الأفريقية ضمن مشروع "الحزام والطريق"، وواشنطن، التي كانت غائبة عن مسرح البحر الأحمر لعقود واقتصر دورها على مكافحة القراصنة الصوماليين منذ تسعينات القرن العشرين، ها هي تحاول الآن بناء تحالف بحري موجه ضد هجمات الحوثيين التي أربكت شريان التجارة العالمية، وفضحت هشاشة المعادلات الراهنة.

كل من هذه القوى يتصرف وفق منطق مصالحه، ويعيد رسم خرائط نفوذه، ويُراكم حضوره العسكري والسياسي والاقتصادي، فيما العرب يراوحون مكانهم، أو يتنافسون على المساحات الصغيرة، ويفرّطون بالمشهد الكبير،  فلا يزال العقل العربي أسير البرّ، وكأن الجغرافيا البحرية ليست امتدادا لأمنه، ولا معبرا حيويا لسيادته.

تاريخيا، ظل العرب ينظرون إلى البحار بوصفها حدوداً لا فضاءات. لم تكن لدينا إستراتيجية بحرية إلا حين استشعرنا الخطر، ولم يكن هناك تعريف للأمن القومي العربي في العصر الحديث إلا بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. عند تلك الحرب، اتخذ الزعيم جمال عبدالناصر قراره بدعم الثوار في عدن، ليتحقق الاستقلال الأول في 30 نوفمبر 1967، وبعدها، شرعت بريطانيا في الجلاء عن مستعمراتها في شرق قناة السويس، ما أسهم في تحقيق معظم البلاد العربية لاستقلالها الوطني.

ما نعيشه بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 هو مأزقٌ في البحر الأحمر. حين وصل التهديد إلى السفن والناقلات، تذكرنا أن لدينا ساحلاً طويلاً، لكنه بلا مظلة أمنية عربية مشتركة، ولا مشروعاً جيوسياسياً قادراً على مقاومة التدويل. ما يحدث في البحر الأحمر اليوم لا يمكن فصله عن مأزق العقل الإستراتيجي العربي، الذي لم يُحسن استثمار لحظات القوة، ولم يُدرك أن السيطرة على البر لا تكتمل إلا بالهيمنة على البحر. هذا ما صنعه المصريون عندما كانوا يقودون العالم العربي، حيث ربطوا أمن باب المندب بقناة السويس، فتحقق أمن واحد من أطول البحار في العالم، وفرض العرب سيادتهم عليه لعقود.

لولا ذلك التشويش الذي صاحب تحرير عدن، لربما كان المشهد اليوم مختلفا: ربما كان هناك تحالف عربي صلب، يمنع تدويل باب المندب، ويضع قواعد اشتباك واضحة ضد أي تمدد إيراني أو تركي أو غيره.

ومع ذلك، فإن الوقت لم يفُت بعد، ما زال ممكنا استعادة زمام المبادرة، لا عبر المغامرات، بل ببناء مشروع عربي واضح في البحر الأحمر، يستند إلى ثوابت الأمن القومي، ويضع خطوطاً حمراء لأيّ تمدد معادٍ، ويُعيد تعريف دور الدول العربية في هذه المنطقة التي تُعاد هندستها على نار هادئة.

البحر الأحمر ليس مجرد ممر ملاحي،  إنه مرآة لمستقبل الإقليم، ومن لا يملك وزناً فيه، لن يملك صوتاً في تحديد مستقبل المنطقة، فليتحدث العرب مع أنفسهم بصراحة ويعيدوا تصويب المسار، فلا يمكن استمرار الرهان على جماعة الإخوان ولا يمكن أن يترك البحر الأحمر ليقرر مصيره الأتراك أو الإيرانيون أو حتى العم سام، فالقرار يجب أن يكون عربياً خالصاً ولا أخلص من الجنوبيين الذين كانوا وسيبقون في عدن لهم أرضهم وبحرهم.

مقالات مشابهة

  • لاريجاني: أمريكا أخطأت بالتورط في اليمن
  • إيران: حرس الثورة الإيراني يحتجزُ ناقلتي نفط أجنبيتين في الخليج
  • الأهلي بالزي الأحمر أمام الهلال السوداني بدوري أبطال أفريقيا
  • دوري أبطال أفريقيا.. تفاصيل الاجتماع الفني لمباراة الأهلي ضد الهلال السوداني
  • تحت شعار " العيد أحلى".. احتفالات اليوم الأول لعيد الفطر المبارك بمراكز شباب البحر الأحمر
  • غارة أمريكية تقتل مدنيين في اليمن.. والحوثيون يردون بتكثيف الهجمات البحرية
  • إيران تبعث رسالة حرب جديدة لأمريكا: ردنا سيكون صارماً
  • إيران تهدد باستهداف دييغو غارسيا: سنضربها إذا هاجمتنا أمريكا
  • العليمي: التحالف الجمهوري بات اليوم أكثر قوةواستعادة صنعاء صار أقرب من أي وقت مضى
  • البحر الأحمر..الخليج الجديد في لعبة النفوذ