الصهيونية ومستقبل السلام
تاريخ النشر: 23rd, December 2023 GMT
حاتم الطائي
◄ الاحتلال الصهيوني يستهدف الإبادة الجماعية والتطهير العرقي
◄ الصهيونية حركة إرهابية تمارس أبشع الجرائم ضد الإنسانية
◄ لا لسلامٍ في ظل الصهيونية.. ونعم لسلام الأبطال المُنتصرين
رغم المذابح التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني في غزة والضفة الغربية وكامل الأراضي الفلسطينية، تتجلّى انتصارات المقاومة الباسلة وصمودها التاريخي بدعمٍ كاملٍ وتأييدٍ غير مسبوق من الشعب الفلسطيني، الذي يرزح تحت ويلات الاحتلال البربري البغيض، وهذه الانتصارات تؤكد أنّ مسارًا واحدًا فقط سيسير عليه الشعب الفلسطيني من الآن وصاعدًا، إنه طريق المقاومة والنضال، لأنه لا مستقبل للسلام المزعوم في ظل الصهيونية الإجرامية.
عملية السلام من المنظور الغربي الإمبريالي، رحلت إلى غير رجعة، والسلام الذي يتحقق الآن، هو سلام القوة والصمود الفلسطيني في مواجهة آلة القتل العسكرية الإسرائيلية، الأمريكية الصُنع. فالسلام الذي كانت تروّج له اتفاقيات أوسلو ووادي عربة وغيرها، ارتكز على تقديم التنازلات واحدًا تلو الآخر، حتى مبادرة السلام العربية، قدمت مبدأ الاعتراف بإسرائيل في مقابل حصول الفلسطينيين على بعض حقوقهم، حتى ولو كانت على حدود 1967، لكنها تظل منقوصة، وغير عادلة.
فما يحدث من جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة منذ 77 يومًا يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن كيان الاحتلال لا يستهدف سوى ممارسة التطهير العرقي، في استمرار مُتعمَّد للجرائم البشعة التي ينفذها على مرأى ومسمع من العالم أجمع، وتحت غطاء دولي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، حتى إن مجلس الأمن الدولي المعني بحفظ الأمن والسلام في العالم- أو هكذا كُنَّا نظن- يفشل مرة تلو المرة في تمرير أي مشروع قرار يطالب بوقف الحرب في غزة، في فضيحة عالمية تُعرّي تلك الأنظمة التي تدّعي الديمقراطية وتزعم أنها تدافع عن حقوق الإنسان، لكن يبدو أن مفهوم الإنسان لديهم يختلف عن المفهوم الصحيح، إذ يدافعون عن القاتل المجرم الإسرائيلي بدعوى أنه "يمارس الدفاع عن النفس"، كما يقمعون أي تعاطف مع ضحايا العدوان الهمجي على غزة، ويسنون التشريعات لمُعاقبة كل من يُعلن تأييده للحق الفلسطيني. تلك العنصرية الغربية- الصهيونية في أساسها- تتسبب في سقوط المزيد من الشهداء والجرحى بنيران الاحتلال، الذي لا يتوانى عن قصف أي هدف مهما كان، مستشفى أو مدرسة أو مسجداً أو كنسية أو حتى طريقاً عاماً يسير عليه الأبرياء رافعين الرايات البيضاء.
لكن في المقابل، علينا أن نتحلى بيقينٍ تامٍ بأنَّ النصر يتحقق يومًا تلو الآخر، ولو أنَّ أعداد الشهداء في ازدياد، لكن هذه ضريبة الدفاع عن الأرض والمقدسات، وثمن نيل الحرية والاستقلال، فكُل حروب التحرير التي خاضتها الشعوب لم تكن مجانية أو دون ضريبة الدم؛ بل كانت التضحيات هي الوقود الذي يضيء نور الحق، وعنصر النجاح في كل معركة عادلة. اليوم نرى المقاومة الفلسطينية تُحقق الانتصارات واحدة تلو الأخرى، بينما يفشل الاحتلال البربري في تحقيق ولو حتى نصف هدف من أهدافه.. فهو زعم أنَّه يريد تحرير الأسرى، وقد فشل فشلًا ذريعًا ومدويًا وغير مسبوق، بل قتلهم وأمعن في قتلهم علانية وباعترافه هو نفسه، وهذه فضيحة كبرى لو تعلمون. كما فشل في القضاء على المقاومة، بينما الواقع يؤكد أنَّها تزداد قوةً وعزيمة يومًا وراء يوم، دون أن تفتُر همتهم أو تتراجع إرادتهم، وسط حمام الدم الذي يتسبب فيه الاحتلال.
في المقابل، نفذ الاحتلال الجبان أسوأ جرائم الإبادة الجماعية، ومارس إرهاب الدولة وهو أشد وطأة من أي إرهاب آخر، ولنا أن نتخيل أنَّ دولة بأكملها بسلاحها المتقدم وطائراتها وجنودها عديمي الضمير، تنفذ أبشع الهجمات الجوية والبرية دون تمييز، فيقصفون منازل المدنيين، والمستشفيات والمدارس وكل شيء ماثل أمامهم. دون تحقيق نتيجة واحدة مما أعلنوا عنه.
ولذلك نقول بقناعة شديدة إنَّ الكيان الصهيوني في أضعف حالاته الآن؛ بل هو في مرحلة الترنح، وسيسقط قريبًا، ولولا الدعم الغربي له بالسلاح والعتاد والاستخبارات، لسقط في غضون أيام قليلة من معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر المجيد.
وما نشاهد ونتابع من أخبار يوميًا ومن بيانات المقاومة الشجاعة، وما تُحرزه من انتصارات تاريخية على هذا الجيش البربري، يؤكد أن الصهاينة في أضعف حالاتهم، ولنا أن نقرأ جيدًا ذلك المشهد الذي يحتفل فيه جنود صهاينة في لواء جولاني، بقرار سحبهم من غزة، بعد الخسائر الفادحة التي تجرعوها هناك! هذا يؤكد أنَّ الجنود وضباطهم بل وهذا الجيش كله، في حالة صعبة ويعيشون أهوالًا.
غزة بالنسبة لجيش الاحتلال باتت مستنقعًا من الوحل، لن يستطيع الخروج منه بسهولة، وقد رأينا أن من يخرج من غزة من الصهاينة، إما أن يكون قتيلًا في نعش، أو جريحًا بإصابات شديدة، ولا يعود منها أي جندي في حالة صحية سليمة، ناهيك عن الأمراض النفسية والهلاوس وأمراض الفزع والهلع التي أعلنوا عنها هم بأنفسهم. وبالتوازي مع الهزيمة العسكرية النكراء، فإنَّ رأس الشر بنيامين نتنياهو تلاحقه تهم الفساد، والسجن بانتظاره، ليقضي بقية حياته فيه، لذلك هو يسعى لإطالة أمد الحرب بأي شكل من الأشكال، في محاولة منه لتأخير موعد دخوله السجن. وما يُفاقم مأزق نتنياهو أنَّ أهالي الأسرى يمارسون أعنف الضغوط على حكومته المُجرمة، خاصة وهم يشاهدون أن أسراهم يموتون بأيدي جيشهم، وليس بأيدي المقاومة.. وهذه مفارقة عجيبة، تؤكد مدى غباء دولة الاحتلال وحالة الجنون التي وصلوا لها.
مرة أخرى، لم يعد السلام الذي كان يُروّج له على مدى العقود الماضية، صالحًا في ظل ما أحرزته المقاومة من انتصارات، وأذكر بصفة خاصة هنا ما تحقق من تطوُّرٍ في قوة المقاومة وسلاحها، والذي يمثل معجزة بكل المقاييس؛ فهؤلاء الأبطال الذين يعيشون تحت وطأة حصار خانق، استطاعوا أن يطوِّروا من سلاحهم وبأبسط الأدوات، ليبنوا ترسانة عسكرية متنوعة محلية الصنع، لكنها تبُث الرعب والهلع في نفوس العدو، والأهم من ذلك أنها تحقق ما لم تحققه الصناعات العسكرية الأخرى التي يمكن أن تكون أكثر تقدمًا عنهم، فبسلاح المقاومة المحلي الصنع نجحت المقاومة في تدمير الدبابة الميركافا التي يصل سعر الواحدة منها 11 مليون دولار، كما استطاعت قذائف الياسين وغيرها أن تنسف تحصينات العدو وتُلحق بهم أشد الخسائر.
ويبقى القول.. إنَّ الاحتلال الصهيوني لفلسطين يرتكز في جوهره على الإبادة الجماعية، والتهجير القسري؛ لأنه احتلال عنصري بغيض مُستعد لتنفيذ أبشع المذابح الدموية، وقتل الأبرياء دون وازع من ضمير؛ بل ربما يحتفلون بقصف مستشفى وقتل من فيه، أو بتصفية رجل عجوز برصاصة مباشرة في القلب، أو سحل طفل على الأرض حتى الموت، أو بقر بطون النساء الحوامل.. ولذلك لا لسلامٍ في ظل الصهيونية، ولا لسلام الخذلان والذل، ولا لسلام منقوص ينزع السيادة عن الدولة الفلسطينية المنشودة، ونعم لسلام الشجعان، الذي يؤسس لدولة قوية قادرة على صون سيادتها وحفظ دماء شعبها بقوة جيشها الوطني، ونعم لسلام الأبطال القائم على انتصارات المقاومة وما تحقق من نصرٍ مُظفَّرٍ، دفع ثمنه الأبرياء بدمائهم وأرواحهم.
رابط مختصرالمصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
معاملة الأسرى بين إنسانية المقاومة ووحشية الاحتلال
شاهد الكثيرون طريقة وشكل تسليم جثث أسرى الاحتلال في قطاع غزة، التي تؤكد للعالم بأسره إنسانية وأخلاقية وتحضّر المقاومة مقابل وحشية وطريقة ونازية الاحتلال في تسليم الاحتلال الأسرى الشهداء بأكياس بلاستيكية بلا كفن ولا تابوت، إضافة إلى استخدام عدد من الأساليب الوحشية التي يتبعها الاحتلال في التعامل والتنكيل بجثامين الشهداء في الضفة الغربية من خلال إلقائها من أسطح المباني، وتركها ملقاة في الشوارع، فضلا عن عمليات التسليم المهينة وغير الموثقة، كما حدث في عدة حالات في قطاع غزة، حيث دفن البعض في قبور جماعية مجهولة الهوية وتسليم بعضها الآخر في أكياس نايلون.
ينبغي أن يعلم العالم أن أسرى الاحتلال قتلهم مجرم الحرب نتنياهو وحكومته المتطرفة بصواريخ الطائرات الحربية والقنابل الأمريكية، ولعل العدو فهم رسائل المقاومة التي انطوت بعضها على تحذير نتنياهو الذي ظهرت صورته كمصاص دماء وسط منصة التسليم والمطلوب للعدالة الدولية؛ في حال قرر استئناف حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة. وعلى أسطح الأبنية والبيوت المهدمة في محيط عملية التسليم في منطقة بني سهيلا في خان يونس، رفعت المقاومة لافتات تُذكّر بالكمائن التي كبدت جيش الاحتلال خسائر كبرى، من بينها كمين الفراحين الذي أوقع 8 قتلى من قوات الاحتلال، وفي إشارة للكمين كتبت المقاومة: لم يكن نزهة بل محرقة. ولمنطقة بني سهيلا خصوصية، عندما اجتاحتها قوات الاحتلال لمدة 4 أشهر على فترات وقامت بنبش القبور وقتل فلسطينيين بحثا عن جثامين أسرى "إسرائيليين"، لكنها عجزت عن العثور عليهم.
وفي خطوة هامة وغير تقليدية تحمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة، كشفت قناة "كان" العبرية أن كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، سلمت جثامين الأسرى "الإسرائيليين" بتوابيت مغلقة، وأرسلت معها مفاتيح لا تطابق الأقفال، مما أثار تساؤلات حول مغزى هذا التصرف وما يحمله من دلالات في سياق الصراع الدائر بين فصائل المقاومة وقوات الاحتلال.
ومن رسائل الإيحاء بسيطرة المقاومة الكاملة على مسار التبادل من خلال إرسال مفاتيح لا تفتح التوابيت، وجهت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" رسالة ضمنية إلى "إسرائيل" مفادها أن المقاومة وحدها تملك مفتاح هذا الملف، وأن أي محاولة لفرض إملاءات من الاحتلال ستبوء بالفشل، فالاحتلال الذي طالما ادعى أنه هو من يحدد شروط أي صفقة، وجد نفسه يتلقى الأسرى وفقا لشروط المقاومة وبتوقيتها الخاص.
لم يكن هذا التصرف مجرد خطأ تقني، بل كان إهانة مباشرة لجيش الاحتلال وحكومته، اللذين فشلا طوال الأشهر الماضية في استعادة أسراهم أحياء. فبعد كل عمليات البحث الاستخباراتي والهجمات الوحشية، انتهى الأمر بعودة الجنود في نعوش مغلقة، وبمفاتيح لا تعمل، وهو ما يعكس عجز الاحتلال في تحقيق أهدافه، سواء عسكريا أو تفاوضيا.
لا شك أن مع كل دفعة جديدة من الجثامين، يتزايد الغضب الشعبي "الإسرائيلي"، حيث يتهم أهالي الأسرى حكومة نتنياهو بالفشل في إدارة الحرب والتفاوض مع المقاومة. ومما يزيد الأزمة تعقيدا هو أن المرحلة الثانية من تبادل الأسرى لا تزال متعثرة بسبب تعنت الاحتلال، ما يفتح الباب أمام المزيد من التوتر الداخلي.
هذه الخطوة من حركة "حماس" ليست مجرد جزء من تبادل الأسرى، بل هي استراتيجية محسوبة تهدف إلى إدارة الصراع النفسي والسياسي بدقة ومهارة. وفي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال عدوانه، يثبت الواقع أن المقاومة لم تعد فقط تقاتل على الأرض، بل تدير المعركة على كل المستويات، بما فيها الحرب النفسية.
لذلك عند الحديث العالمي المتزايد عن تسليم جثامين الأسرى "الإسرائيليين" لدى غزة يجب أن يُقابل بتذكير العالم بمعاناة الشعب الفلسطيني، لأن احتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين لم يبدأ مع الحرب الحالية على قطاع غزة، بل هي قضية ممتدة على مدار التاريخ، وعلى كافة الجهات الدولية والمؤسسات الحقوقية الضغط على الاحتلال "الإسرائيلي" لتسليم جثامين الشهداء الفلسطينيين بما يليق بكرامتهم الوطنية والإنسانية، فنحن نعيش اليوم في ظل أساليب قمعية وغير إنسانية في التعامل مع الجثامين.