لجريدة عمان:
2025-04-05@21:15:31 GMT

نوافذ: خاتم الذهب وتاريخنا الشعبي

تاريخ النشر: 23rd, December 2023 GMT

قبل أكثر من مائة عام ضاع خاتم ذهب لرجل صومالي اسمه إبراهيم سمنتر في بندر كسمايو، وبينما هو مسافر إلى ممباسا أخبره رجل قابله هناك أنه رأى خاتمه الضائع في لامو مع امرأة تسمى فاطمة. لم يكذّب سمنتر الخبر وسافر من فوره إلى لامو، وقضى هناك أيامًا يسأل عن المرأة والخاتم إلى أن وجده أخيرًا مرهونًا لدى تاجر من البانيان يقال له المردادي.

ولأنه من غير المعقول أن يُعيد إليه التاجر خاتمه لمجرد ادعائه ملكيته، فإن الصومالي استنجد بوالي لامو السيد سيف بن سالم البوسعيدي برسالة بليغة يسرد فيها قصته ويؤكد ملكيته للخاتم، وأنه اشتراه من «برّ الكيبتون» في بلدة تسمى «سوس بري»، ذاكرا اسم البائع والشهود، بل واسم من طلب منه شراءه بعد ذلك.

أرخ إبراهيم سمنتر رسالته في نهايتها بغرّة ذي القعدة من سنة 1323هـ، الذي يعادل ميلاديًّا -تقريبًا- 27 ديسمبر 1905م، أي أن الرسالة ستُكمل بعد ثلاثة أيام من نشر هذا المقال 118 عامًا، وقد أهداني نسخة مصوّرة منها سعادة محمد بن ناصر المحروقي، عضو مجلس الشورى ممثل ولاية سناو، الذي هو قبل ذلك باحث مهتم بالتاريخ العُماني في شرق إفريقيا، ومترجم يوميات محمد بن حمد المرجبي الشهير بـ«تيبو تيب»، وأيضًا مؤلف كتاب جميل في أدب الرحلات عنوانه «من الفرضاني: يوميات رحلة إلى زنجبار وممباسا والبر الإفريقي».

ما يهمني في الحديث عن رسالة الصومالي لوالي لامو أن رسائل كهذه يمكن النظر إليها باعتبارها وثائق مهمة توثق التاريخ «الشعبي» في شرق إفريقيا إبان حكم العُمانيين له، في ظل شحّ التأريخ للمجتمع والناس هناك، بالمقارنة مع الكتب التي أرخت للأحداث السياسية وللسلاطين والأئمة. إنها تُكمل الصورة الناقصة التي قد تكون أهملتها أو غفلت عنها كتبٌ تاريخية مهمّة مثل «جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار» للشيخ سعيد المغيري، و«الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين» لابن رزيق، و«تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار» لزاهر بن سعيد النخلي. ولا أنسى هنا أن الباحث ناصر الريامي أورد بعضًا من هذا التاريخ الشعبي في كتابه المهم «زنجبار شخصيات وأحداث» معتمدًا على روايات شفهية من بعض الناس العاديين غير المحسوبين على هذه السلطة أو تلك ممن عاصروا أحداث يناير عام 1964م الذي يسميه كثيرٌ من العُمانيين «انقلاب زنجبار». كما أذكر أن الأستاذ أحمد الفلاحي وثّق في كتابه «بطين: لمحات عنها للأجيال القادمة» رسائل مهمة من عُمانيين في شرق إفريقيا تتنبأ بسقوط زنجبار، قبل هذا السقوط بسنوات.

كم أتمنى أن يلتفت الباحثون في التاريخ العُماني إلى هذه النوعية من الوثائق، التي قد لا تبدو مهمة للوهلة الأولى كونها صادرة عن أناس بسطاء ليسوا من رجال السياسة أو صفوة المجتمع، إلا أن دراستها ومقارنتها وتحليلها كفيلٌ بتشكيل ما يُمكن أن أسميه تاريخًا شعبيًّا عُمانيًّا موازيًا للتاريخ الرسمي، ورادمًا لبعض فجواته. وأستحضر هنا واحدًا من أهم الكتب الجديرة بالاحتذاء بها في هذا الإطار، وهو كتاب «التاريخ الشعبي للولايات المتحدة» للمؤرخ الأمريكي هوارد زن، الذي تمثلتْ مصادره الأساسية - كما يخبرنا مترجمه إلى العربية شعبان مكاوي في مقدمته - «في الكتابات المُهمَلة والاتفاقيات المتعمَّد نسيانها، ومقالات الصحف، والخطابات الشخصية، وسجلات المحاكم، وخطابات الناس إلى أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وشهادات الناس العاديين».

نعلم جيّدًا أن ثمة رسائل كثيرة بعثها عُمانيون من شرق إفريقيا إلى أهاليهم في عُمان، ساردين فيها أحوالهم، وأحوال مجتمعاتهم في زمن إرسال تلك الرسائل، متحدثين عن مشاهداتهم، وحكاياتهم في الغربة، فكم من هذه الرسائل قد ضاع يا تُرى بمجرد وفاة المرسل إليه، دون أن يطلع عليها أحد. إن كل رسالة منها هي خاتم ذهبي لا يقلّ أهمية عن خاتم إبراهيم سمنتر الذي لا نعرف هل عاد إليه بعد رسالته للوالي أم ضاع إلى الأبد؟

سليمان المعمري كاتب وروائي عماني

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: شرق إفریقیا

إقرأ أيضاً:

التحكيم الملكي في قضية “الساعة الإضافية”..بين الدستور والمطلب الشعبي

زنقة 20 | الرباط

تعالت مؤخرا أصوات تنادي بالتحكيم الملكي لإنهاء العمل بالتوقيت الصيفي (غرينيتش + ساعة)، بعدما ظلت الحكومات المتعاقبة تعتمدها رغم معارضة شريحة واسعة من المغاربة.

و بعد نهاية شهر رمضان، يرتقب الرجوع إلى العمل بالتوقيت الصيفي، وذلك بإضافة 60 دقيقة إلى الساعة القانونية للمملكة المغربية عند حلول الساعة الثانية صباحا من يوم الأحد 6 أبريل.

و يتهرب المسؤولون الحكوميون من تقديم إجابات واضحة و شافية حول قرار إضافة ساعة للتوقيت الرسمي للمملكة و الذي تم اعتماده لأول مرة سنة 2018.

في المقابل يطرح تساؤل حول إمكانية تدخل الملك في هذا الأمر.

و يكتسي التحكيم الملكي صبغة دستورية صريحة تبعا لدستور 2011،حيث أصبحت واردة بوضوح في الفصل الثاني والأربعون من الدستور، فالملك باعتباره رئيسا للدولة وممثلها القانوني الأسمى، هو الحكم الأسمى بين مؤسساتها.

وبموجب هذا يتحمل الملك مسؤولية السهر على احترام المقتضيات الدستورية وضمان حسن سير المؤسسات الدستورية، و صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، و أيضا احترام التعهدات الدولية للمملكة.

و يمكن للملك وفق المنطوق الدستوري ن أن يمارس وظيفته التحكيمية الدستورية بشكل تلقائي وفي نطاق المقتضيات الدستورية والاختصاصات المنوطة به دستوريا، بما يخدم ويحقق غرض اعتباره حكما أسمى.

كما يمكنه أن يمارس هذا التحكيم بناء على طلب صريح أو ضمني من الفرقاء في الحالات المحددة دستوريا والمتعلقة أساسا بتجاوز مقتضيات دستورية أو تعثر سير مؤسسات دستورية ووجود تهديد للاختيار الديمقراطي أو للحقوق والحريات الفردية أو الجماعية أو الإخلال بتعهدات دولية.

وحدد المشرع الدستوري على سبيل الحصر الحالات التي يمكن اللجوء فيها لطلب التحكيم الملكي، حتى لا يوجه هذا الطلب لممارسة الضغط الحزبي أو البرلماني أو يستغل في إطار تصريف الصراع الحزبي والسياسي خارج نطاقه الدستوري الاعتيادي ، مع الإشارة في هذا الصدد إلى أن الملك غير ملزم دستوريا بالجواب الإيجابي أو السلبي على طلبات التحكيم في كل الأحوال.

وتتجسد ممارسة مسؤولية وظيفة التحكيم الملكي بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات الملكية المخولة صراحة بنص الدستور.

وتوقع هذه الظهائر بالعطف من طرف رئيس الحكومة، في إطار فتح المجال لإمكانية إثارة مسؤوليته السياسية الدستورية بشأنها.

مقالات مشابهة

  • ناشط مصري: منع حرية التعبير والاحتجاج لا يبرر الخضوع الشعبي
  • “أمن أبين” يعلن الإطاحة بعصابة مخدرات في زنجبار مركز المحافظة
  • نائب إطاري:قانون الحشد الشعبي سيبلع كل جيوش العراق
  • نائب إطاري:قانون الحشد الشعبي سيبلع كل جيوش العراق الكثيرة
  • بين المطرقة الأمنية والسندان الشعبي.. مسيرات غزة في الأردن تتحول لوقفات احتجاجية (شاهد)
  • التحكيم الملكي في قضية “الساعة الإضافية”..بين الدستور والمطلب الشعبي
  • الحزب الشعبي الإسباني يطرح قانوناً يمنع التنازل عن إدارة الأجواء بالصحراء
  • الدفاع الجوي الايراني: قواتنا في قمة جاهزيتها وسترد بقوة على أي وقاحة
  • منظمة أمريكية: إدارة ترامب لا تملك أهدافًا معلنة بشأن الحشد الشعبي في العراق
  • مفارز مقاتلة الدروع بالحشد الشعبي تنتشر على طول الشريط الحدودي مع سوريا