رغم ما ارتبط بالعدوان الصهيوني الأميركي الغاشم على غزَّة ومَنْ سانده ووقف معه من صهاينة العرب من حرب إبادة ضدَّ المَدنيِّين العُزَّل والمنازل والبيوت من قتل للأطفال والنِّساء والشيوخ والكبار وقصف المساكن وتدميرها على سكَّانها، وتدمير البنية الأساسيَّة من طُرق وجسور وأنفاق وملاجئ، أو قصف للمستشفيات والمدارس وأماكن الإيواء وقطع للتيار الكهربائي والماء وشبكات الاتصال وإفراغ غزَّة من كُلِّ معاني الحياة ـ في إجرام قذر لَمْ تشهد البَشَريَّة وحشيَّته وفظاعته وقسوته بما يُعبِّر عن الحقد الدَّفين الَّذي يحمله العدوُّ المحتلُّ على الشَّعب العربي عامَّة والشَّعب الفلسطيني المدافع عن أرضه والمناضل نَحْوَ إقامة دَولته المستقلَّة على ترابه الوطني في حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقيَّة؛ إلَّا أنَّ الحرب على غزَّة أعطت العالَم أجمع دروسًا عظيمة، وأعادت تشكيل الصورة الَّتي اعتاد عَلَيْها الخنوع العربي لأكثر من سبعة عقود مضت حَوْلَ الاحتلال الصهيوني والمسلَّمات الَّتي زرعت في العقل العربي معالم الخوف والذُّل والهوان، لِتأتيَ غزَّة برجالاتها العظام وأبطالها وأطفالها وحرائرها وشهدائها لِتعيدَ إنتاج الصورة من جديد، صورة لا يتصدر مشهدها المتصهينون والكلاميون والمنافقون والخوَنة والمتاجرون بالأرض والعِرض والشَّرف والرجولة، بل يتصدرها المؤمنون الصادقون، الأوفياء للأرض بما تحمله من معاني الإيمان والعقيدة والعزَّة والشموخ والنصر والغلَبة والقوَّة والإرادة والتضحية والبطولة، صورة ملهِمة تتجلَّى فيها معالم الحياة النموذج، وتبرز مفاهيم الحُريَّة الموجَّهة في سبيل الله، والسَّاعية نَحْوَ مرضاة الله وجنَّته، قوامها الجهاد والإيمان بالثوابت والمبادئ والأرض والوطن، فصنعت من الجهاد بالنَّفْس صورة متجدِّدة وحدثًا رائعًا بعد أن شوَّهت الامبرياليَّة الأميركيَّة والصهيونيَّة الحاقدة صورته أمام حكَّام العرب فأمَرتهم بإزالة آيات الجهاد وأحكامه من مناهج التعليم وتدريس الطلبة في المدارس، وعقدت صفقات التطبيع الَّتي أثبتت فشلها اليوم، بما حمَلته الحرب على غزَّة من حقائق تحدَّث بها القرآن العظيم في آياته الكريمة؛ فاليهود كيان واهن وضعيف ومفلس، وهو أوهن من بيت العنكبوت في جُبنه وخوَره وقُبحه وانسلاخه من أيِّ ربقة مبدأ أو خُلق أو إنسانيَّة أو التزام أو عهد أو ميثاق أو اتِّفاق… ومَن أصدق من الله قيلًا؟ ومَن أصدق من الله حديثًا؟
لقَدْ أعاد طوفان الأقصى الهيبة للأُمَّة العربيَّة ـ رغم ما تعيشه من خوار بعض الحكَّام وأذناب الصهاينة المتربصين بالعروبة ـ وعزَّز الأحداث الَّتي تبعت هذا الطوفان العظيم من الوعي العربي بالقضيَّة الفلسطينيَّة، وأعادت إنتاجها من جديد وتعاملت معها بجديَّة على أنَّها قضيَّة الأُمَّة المصيريَّة الَّتي لا يجِبُ المساومة عَلَيْها أو محاولة الالتفاف عَلَيْها بمفاهيم وأفكار السِّياسة الضحلة في طاولات الحكَّام والسِّياسات الخارجيَّة واتفاقيَّات السَّلام والتعايش والتسامح والمشتركات الَّتي لَمْ تتناسب مع العنصريَّة الصهيونيَّة والامبرياليَّة الأميركيَّة ولا تتناغم مع عقليَّة سفك الدِّماء والقتل والتخريب والتدمير وفرض سُلطة الأمْرِ الواقع وتركيع الحكَّام وإذلال الشعوب ونهب الثروات.

وكشفت أحداث غزَّة عن مفهوم الامبرياليَّة الأميركيَّة وغطرستها، وأنَّ الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة ليست شريكة لهذا العالَم في تحقيق السَّلام والتنمية والحوار، إذ إنَّ تاريخها ملوَّث بدماء الأبرياء من العرب والمُسلِمين في غزَّة والقدس وفلسطين والعراق وسوريا وليبيا والسودان واليمن ولبنان وغيرها.
وأصبحت غزَّة المدينة والعاصمة الَّتي يتحدث عَنْها العالَم أجمع، كما أصبحت شوكة في وجْه أعداء الإنسانيَّة والفضيلة والأخلاق وأعداء الأُمَّة في بسالة شَعبها وصمود إنسانها الَّذي لَمْ يتخلَّ عن أرضه رغم الإبادة الجماعيَّة الَّتي يتعرض لها، قصفًا بالطائرات والدبَّابات وبأقذر أنواع الأسلحة وأشدِّها فتكًا، فقَدْ أسقطت القنابل الفوسفوريَّة على جموع السكَّان المحاصَرين، سواء مَن كانوا في المنازل أو كانوا في الملاجئ أو حتَّى الَّذين لَمْ تظلّهم الأسقف، ورغم كُلِّ ذلك لتقرأ في حديث المرأة والطفل والشيخ الكبير رباطة جأش وإيمان محتوم بالمصير وإدراك لقِيمة الأرض وعظَمة التراب الطاهر، إنَّه رباط الإيمان والعقيدة وصحوة الضمير، والعزَّة والكرامة، والمبادئ والأخلاق والإنسانيَّة، والشجاعة والبسالة، رباط المؤمنين المحتسبِين إلى الله، والمتوكِّلين عَلَيْه، والراغبين في جنَّته بما يقدِّمونه من شهدائهم الأبرار الَّذين هُمْ أحياء عِند ربِّهم يُرزقون. إنَّ صمود غزَّة وبسالة أهلِّها تعلِّم هذا العالَم حُب الأوطان والتضحية والوفاء والفداء للوطن، تعلِّمنا كيف يصنع الإنسان التغيير، وكيف يعزِّز الإيمان القوَّة، إذ هو كُلُّ القوَّة.
كما أعاد إنتاج الوعي الجمعي العربي وفق مرتكزات عقديَّة وفكريَّة وتنويريَّة وثوابت وأبجديَّات ومفاهيم انطلقت من روح الإسلام وعظَمته وجسَّدت الحقائق القرآنيَّة شواهد على الأرض، لِتعيدَ قراءة المشهد العربي في قناعات الشعوب من جديد؛ فإنَّ العدوان على غزَّة والحرب الهمجيَّة البربريَّة الَّتي يمارسها أعداء الإنسانيَّة، أعطى الشعوب العربيَّة صورة أكثر وضوحًا كشفت عن الأقنعة الخفيَّة الَّتي تدسُّ سمومها وتحيك مؤامراتها على الإنسان العربي، في أشكال مختلفة ووسائل وتعابير برزت على حقيقتها بعد أن انكشف قناعها المزيَّف، فكانت مسارات السَّلام والعلاقات التجاريَّة أو السِّياسيَّة والتطبيع مع الكيان الصهيوني والصورة الَّتي قدَّمها الصهاينة العرب المندسُّون بَيْنَ هذه الأُمَّة على أنَّها تجديد للتعايش بَيْنَ العرب واليهود أكذوبة تأريخيَّة وتضييع للحقِّ العربي، فلَمْ تَعُدْ هذه الشعارات سوى فرقعات صوتيَّة ظهرت بأنياب مفترسة في الحرب على غزَّة، وأبانت مدى الحقد الصهيوني الأميركي على النَّوع العربي، فهي مجرَّد حبر على ورق، في حين أنَّ المراد مِنْها تركيع الحكومات وإخضاعها للشروط الصهيونيَّة دُونَ أن يكُونَ لهذه الاتفاقيَّات أيُّ أثر إيجابي على التطوير الاقتصادي والاجتماعي والتنموي للدوَل المطبِّعة، بل فرصة لإخضاعها للشروط الصهيونيَّة عَبْرَ المنظَّمات الدوليَّة كاليونسكو واليونيسف وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرها في فرض إملاءاتها وأجندتها على هذه الدوَل، وتعظيم حالة التبعيَّة الاقتصاديَّة وغيرها، ولَمْ تستطع هذه التنازلات الَّتي قدَّمتها بعض الدوَل العربيَّة للكيان الصهيوني على صحن من ذهب من أن تمنعَ هذا الكيان من العدوان أو على الأقلِّ أن تسمعَ رأيًا أو تسمح للعرب في إدخال عبوة ماء للعطشى في غزَّة، ناهيك عن إدخال الدواء والغذاء والإغاثة الطبيَّة والإنسانيَّة، بل أصبحت هذه الحكومات أداة ضغط على شعوبها في إرغامهم على أنَّ عدم الاهتمام بما يجري من عدوان على غزَّة، وسياسة التهديد والتنكيل وفرض القوَّة وتكميم الأفواه والوقوف بعصا من حديد لأيِّ تظاهرات أو تصريحات أو دعاء أو غيرها، بل أرغمت هذه الحكومات على الوفاء بالتزاماتها في تقديم الماء والغذاء والدواء للصهاينة كعربون لهذا الاتِّفاق وإلَّا…؟
وفضحت أحداث غزَّة المتصهينين والمنافقين والمندسِّين باسم الأُمَّة من حكَّام ومفكِّرين وكتَّاب وباحثين ومتسلِّقين على أكتاف الدِّين من مفتِين ووعَّاظ وخطباء وسياسيِّين واقتصاديِّين، هؤلاء الَّذين فضحوا أنْفُسهم وفضحهم التأريخ، ويكاد المواطن العربي قَبل أحداث غزَّة يجد فيهم أنَّهم جاءوا للإصلاح وأنَّ أهدافهم وتغريداتهم وأحاديثهم إنَّما جاءت لإنقاذ ما يُمكِن إنقاذه من جبروت السُّلطة وقسوَة العسكر على مواطنيه، بَيْدَ أنَّ المسألة أضافت إليها حقائق صادمة أثبتت ولاء هؤلاء المتصهينين للكيان الصهيوني، فَهُمْ جواسيس لأجندة الموساد الصهيونيَّة والمخابرات الأميركيَّة، ووفاءهم لَهُم وتنفيذهم لأجندتهم وسعيهم لتخريب الدِّيار وتوجيه الشَّباب نَحْوَ قضايا خلافيَّة عَبْرَ زرع قضايا المذهبيَّة والمناطقيَّة ومفاهيم الحُريَّات والاستقلاليَّة وحُريَّة الرأي والتعبير، لِيُشكِّلوا جسرًا لهؤلاء الصهاينة في تحقيق أهدافهم الخبيثة ومساعيهم المفلسفة، فَهُمْ أشدُّ قبحًا وأعظم فجورًا وأكذب حديثًا وأحقر سِيرةً وأفلس سريرةً، باتَ الحذَر مِنْهم واجبًا، والتعريف بمساوئهم ملزمًا، وعدم الاعتراف بحديثهم أو تناقله للعامَّة الطريق لإسقاط طموحاتهم الدنيئة؛ لِمَا في أساليبهم الكاذبة من كيد للأُمَّة.
لقَدْ صنع الوعي الجمعي العربي مداخل متعدِّدة في مواجهة العدوان فكان سلاح المقاطعة الاقتصاديَّة لهذا الكيان، سواء لتلك البضائع والمنتجات أو الشركات المتعاملة معه أو التابعة له والعلامات التجاريَّة الَّتي تصدر جرمها لهذا العالَم عَبْرَ دعمها المستمر لهذا الكيان الصهيوني في عدوانه على غزَّة، الطريق الَّذي التزمه أحرار العرب والعالَم أجمع في الوقوف في وجْهِ هذا الطغيان؛ لِمَا يُشكِّله الاقتصاد لدَيْهم من أهمِّية كبرى تسقط أهدافهم وتثنيهم عن غيِّهم وبطَرهم، وتمنعهم من الاستمرار في هذه المجازر، وتمنع المتصهينين أصحاب هذه العلامات التجاريَّة والشركات وغيرها من الاستمرار في دعم هذه الكيانات؛ كما أفصحت حرب غزَّة عن بسالة المقاومة الفلسطينيَّة، كتائب القسَّام وسرايا القدس والأقصى وغيرهم، ففي كُلِّ يوم يسطرون ملاحم بطوليَّة إيمانيَّة في النصر والنَّيْل من جبروت الطغاة، وقتل الكثير من جنود الصهاينة وضبَّاطهم وأَسْر العدد الكبير مِنْهم، ناهيك عن تدمير دبَّاباتهم وناقلات الجند وغيرها من وسائل العدوِّ وأدواته، كما أثبتت حُسن تعاملهم مع الأسرى والصورة الإيمانيَّة المُسلِمة الَّتي قدَّموها في التعامل مع الأسرى الأطفال والنِّساء وكبار السِّن، لِتثبتَ أحداث غزَّة كذب مقولة الجيش الَّذي لا يُقْهَر، فلَمْ يَعُدْ هذا الجيش الَّذي ظلَّ ـ رغم عدَّته وعتاده وإمكاناته والتسليح المستمر له من قِبل الصهاينة الأميركان ـ لقمة سائغة لرجال المقاومة المؤمنين البواسل، حقيقة يجِبُ على العرب المتصهينين وحكَّامهم أن يُعِيدوا ترتيب أوضاعهم في أن يرجعوا إلى إنسانيَّتهم وعروبتهم ويقفوا مع المقاومة الفلسطينيَّة، فهي الطريق لردِّ الحقِّ إلى أصحابه.
أخيرًا، يبقى على الوعي العربي اليوم أن يدركَ أنَّ العداء مع الصهاينة، عداء فكري وعقدي، وأنَّ الكفر ملَّة واحدة، فاليهود والمتصهينون وغيرهم في الغرب والشَّرق هُمْ أعداء العروبة والإسلام، وأنَّ الكيد على هذه الأُمَّة لا يستهدف غزَّة فحسب، بل سيطول غيرها وما هي سوى مسألة وقت ليس إلَّا، وفي هذا الشَّأن وما يؤكِّد تكالب قوى الشَّر والإجرام على حرب المُسلِمين، دَوْر المنظَّمات الدوليَّة والسقوط القِيَمي والأخلاقي الَّذي تعيشه في تنفيذ أجندة الصهاينة والأميركان وسياسة القطب الواحد. إنَّها محطَّة لينتبهَ العالَم العربي والإسلامي فيها لنَفْسِه ويُعيدَ إنتاج قوَّته، ويعتمدَ على ذاته، ويُعيدَ النظر في هذه المنظَّمات وأهدافها الدنيئة الَّتي لَمْ تَعُدْ صالحة لإدارة المشهد العالَمي الجديد ورعاية مصالح شعوبه.

د.رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

المصدر: جريدة الوطن

كلمات دلالية: ة الأمیرکی العال م على غز

إقرأ أيضاً:

عوامل النصر.. وصناعة الفتن.

#عوامل_النصر.. و #صناعة_الفتن.
#نايف_المصاروه.
ليس هناك من إنسان عاقل انى كان عرقه أو دينه ، يتابع ما يجري على أرض #فلسطين عموماً، وفي #غزة خصوصاً، إلا وينكره ويمقته.
ومن الحق بمكان، أنه عندما يعلو صوت الظالم، ويكثر الظلم والبطش، أن يحدد كل عاقل مكانه، ليكون بكل تاكيد إلى جانب الحق، ونصرة المظلوم.
وقد رأينا ذلك في كل دول العالم، ناهيك عن دولنا العربية والإسلامية، التي تنطلق من قاعدة الدين والعروبة والحق.
في ظل تجدد العدوان الصهيوامريكي على غزة، وما يجري على أرضها اليوم من جرائم يشيب لها الولدان، بدأ المعسكر الصهيوامريكي، بحرب لا أخلاقية أخرى وعلى جبهات متعددة، وعلى المبدأ القديم المتجدد فرق تسُد.

فأوغل الصدور في الجنوب السوري، وأشعل نار الطائفية في لبنان ، واضرم نيران الوقيعة بين الأشقاء في الدم والهم، في فلسطين كلها وفي غزة على وجه الخصوص.

كما فعل ذلك سابقا وإلى اليوم في اليمن والعراق والسودان ، وهو يسعى جاهدا وبكل ما يستطيع، أن يشعل نيران الأحقاد في الأردن، كما تم سابقاً والتذكير بما كان من فتنة الاحتراب في ايلول.

إشارة أُذكر بها كل ذي لب وعقل ليعقل، في عام 1969،وبينما كان طيران العدو الصهيوني يقصف بعض القرى الأردنية، في منطقة الأغوار على الحدود مع فلسطين، وفي ذات الوقت كان هناك بعض الإمعات ممن سموا أنفسهم ثوار، فاغاروا على شرطة العاصمة، وقتلوا من قتلوا وسرقوا المركبات.

مقالات ذات صلة يا لقطاء الأمم ويا فتات التاريخ: الا تعرفون من هي غزة ؟ 2025/04/03

هذا ليس من سجعي أو وحي أفكاري، هذا مقيد في تاريخ غرفة العمليات الحربية، ومسجل في الوثائق الأردنية.

والتاريخ يُعيد نفسه، لأن الصهاينه يسعون لتحقيق حلمهم بدولتهم الكبرى، ولذلك أعدوا عدتهم وجندوا اجنادهم على كل الساحات.
ولا شك بأن هناك جاهلين، يتصدرون المشهد، دفع بهم ولهم ليكونوا عوناً للعدو في توجهاته، فيكفونه ويتحملون عنه شر المواجهة المباشرة ومقدماتها .
مطالب حق لا ننكرها، بوجوب نصرة غزة ورفع الظلم عنها ووقف العدوان عليها، وقد فعلنا في الأردن ما بوسعنا رسمياً وشعبياً، ودون منّة أو جميل، فهذا طبعنا ولن نغيره أو نتراجع عنه، ويشهد لنا خالقنا سبحانه، قبل أن يشهد لنا المنصفون من العقلاء في غزة وفلسطين وفي كل العالم.

دعوات يشوبها قصر نضر علمي وعمى فكري ، تطالب بتحرك للجيش العربي الأردني، لنصرة الأهل في غزة، وهو مطلب حق، لا ننكره.. ولكن ما تبعات ذلك التحرك الأردني أو العربي، قبل أن يتحرك الداخل الفلسطيني ؟

والسؤال الأهم والذي يجب أن يُطرح.. لماذا يطالب المتظاهرون بذلك، رغم أن الداخل الفلسطيني نفسه لا يحرك ساكناً!
وهل تكفي بعض التصريحات لبعض المسؤولين في السلطة،كتلك التي تطالب المجتمع الدولي بالتدخل، وتحمله المسؤولية.
ولا ادري من هو المعني، في كل المجتمع الدولي، أكثر من السلطة نفسها والشعب الفلسطيني في الداخل الفلسطيني؛
لا أكتب ذلك أو اقوله عجزاً أو تنصلاً من الواجب، لا والذي خلق الخلق وأحق الحق، إن غايتي أن ألقى الله شهيداً وهي غايتي وأمنيتي.
ولكني اكتب ذلك، لعل ما أكتبه يصل إلى فكر قارئ عاقل منصف، يدرك، المعنى الحقيقي للمثل الشعبي، ما حك جلدك مثل ظفرك.
منشغلون كلنا بالنصر ومتى يكون النصر، وهل نحن على أبواب التمكين وعودة دولة الخلافة!
جملة من الأسئلة تطرح، وكثيرٌ من التغريدااات والمنشورات، تطلب من الله تعالى النصر، كل ذلك جميل لا ننكره..
لكن السؤال ماذا قدمنا ليتحقيق النصر، بمعنى، ماذا عملنا لنستجلب نصر الله.
اتذكرون في معركة بدر، أولاً تجهز المسلمون بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، وبما لديهم من سلاح وعتاد، ثم خرجوا لمواجهة العدو، وأعدوا ما أعدوا من خطط لإدارة المعركة.
في تلك الليلة وقف النبي صلى الله عليه وسلم، طويلا يناجي ربنا سبحانه وبحمده يرجوه ويدعوه، وكان من دعاءه صلى الله عليه وسلم، كما رواه مسلم، عن ابن عَبَّاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْف ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ : ( اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي ، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي ، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ ) ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْه ِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ ، وَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللهِ ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ َ: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) الأنفال/ 9.

قال الإمام النووي رحمه الله :
” قَالَ الْعُلَمَاء : هَذِهِ الْمُنَاشَدَة إِنَّمَا فَعَلَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَرَاهُ أَصْحَابه بِتِلْكَ الْحَال ، فَتَقْوَى قُلُوبهمْ بِدُعَائِهِ وَتَضَرُّعه “، فيعملون بعمله، ومن بعدهم تكون الأمة، إعداد المستطاع من العدد والعتاد، يسبقه ويعقبه إيمان مطلق كالجبال، بأن النصر من عند الله.

اقول لكل أخ وأخت … لا تنقطعوا عن الدعاء لأنفسكم ولأمتكم ولبلادكم ولأولادكم، ولكل المستضعفين من المسلمين ، َولكن أولاً صححوا النوايا، وثقوا بالله، وإن النصر من عند الله، ينصر من يشاء، ولا يُِرد بأسه عن القوم الظالمين.
أحسنوا الظن بالله، وجددوا العهد مع الله وحده لا سواه.
ولا تنشغلوا أو تشغلّوا أنفسكم بموعد النصر، أو كيف سيكون، فالنصر أمر الله، وهو فوق رؤوسكم، ينتظر أمر الله ” كن” ليكون.
ولكن تفقدوا أنفسكم أين أنتم من الله، وأين موقعكم وموقفكم من الحق والباطل.
فهل على الفلم الخليع والرقص الرقيع، والسفور والمجون، نستجلب النصر؟
لا والله وبالله وتالله، أن من يخرج إلى الساحات، وفي قلبه الشر والأذى، ما يزيد العدو إلا عدة وقوة، وما يزيد المستضعفين إلا وهنا وذلا.
وهل ما جرى في الساحات أمس، يحقق النصر لفلسطين، ويرفع الظلم أو الضيم عن غزة؟
لا والله الذي لا إله إلا هو، وما كان بالأمس إلا نذر شر وانفلات أعمى ، وضرب للحُمة والوحدة الوطنية، وتفريق للجماعة.
غاية بعضهم أو الكثيرين منهم حب الظهور، على قاعدة الأنا أو خالف تُعرف.
ختاماً… إن كنا صادقين في غايتنا.. ونصرتنا لغزة وفلسطين، وفي دعوتنا ودعاءُنا، لماذا يُساء للأردن ويقلل من شأن أهله ويتنكر لهم؟
ولماذا يتكرر لمز شخص الملك ، والتحرش بالجيش والأجهزة الأمنية؟

أقول للجميع .. الصهاينه دينهم وديدنهم الوقيعة والفتنة، وعلى ذلك يعملون ويجتهدون، وانظروا كيف يفتعلون الفتن بكل مسمياتها.
وأكرر القول.. لكل أردني وعربي ومسلم عاقل وحر وشريف، احذر ثم احذر.. أن تكون معولاً بيد الأعداء تهدم به بيتك وتجني به على وطنك.
لتكن دعوتك للأشقاء في فلسطين كلها، بضرورة التحرك الحقيقي العاااجل لنصرة غزة.
وليكن عونك للأهل في غزة بالدعاء والعطاء.
كاتب وباحث أردني.

مقالات مشابهة

  • العدوان الصهيوني على غزة: ارتفاع الحصيلة إلى 50669 شهيدا و115225 مصابا
  • عوامل النصر.. وصناعة الفتن.
  • السيد القائد يكشف مصدر الغارات ويدعو العرب للكف عن اليمن في مواجهة العدوان
  • حزب الله يدين العدوان الأميركي – الإسرائيلي على اليمن وسوريا وغزة ولبنان
  • “حماس” تدين العدوان الصهيوني على اليمن وسوريا
  • حزب الله يدين القصف الأميركي - الإسرائيلي على سوريا واليمن ‏وغزة ولبنان
  • حماس تدين العدوان الصهيوني على اليمن وسوريا
  • 100 شهيد في غزة خلال 24 ساعة.. وارتفاع حصيلة العدوان الصهيوني
  • أنصار الله الحوثيون يعلنون سقوط قتيل في عشرات غارات "العدوان الأميركي" على اليمن  
  • حصيلة ضحايا العدوان الصهيوني على غزة ترتفع الى 50,423 شهيدا و 114,638 مصاباً