محللون : هجمات الحوثي لن تنتهي قريبا وجدوى التصدي لها غامضة
تاريخ النشر: 23rd, December 2023 GMT
سلطت قناة سي إن بي سي الأمريكية الضوء على هجمات جماعة الحوثي البحرية، وقالت لم تتمكن من منع مرور السفن في البحر الأحمرفقط، بل تسبب في اضطراب كافٍ لجعل أقساط التأمين البحري باهظة، أو إجبار معظم شركات الشحن على تعليق أنشطتها هناك.
ونقلت القناة في تقرير لها أبرز ما فيه عن ريان بوهل، كبير محللي شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد واشنطن لأبحاث الشرق الأوسط للقناة إن قوة عمل القوات البحرية المخصصة للتصدي للحوثيين ستكون قادرة على اعتراض هجمات الطائرات بدون طيار والصواريخ بشكل أكثر فعالية ومنع عمليات الصعود على متن السفن، لكنها لن تكون قادرة على التواجد في كل مكان في وقت واحد.
وقال بوهل إن ذلك يعود للأعداد الكبيرة من السفن المدنية التي تتحرك عبر المنطقة، مما يمنح الحوثيين الكثير من الأهداف للاختيار من بينها. من جانبه قال سيدهارث كوشال وهو باحث في القوة البحرية بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة البريطاني إن التحالف البحري الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي لا يزال قيد التشكيل قادر بشكل جماعي على نشر قوة بحرية كبيرة في البحر الأحمر.
وأشار إلى أن النشاط الأخير للمدمرة يو إس إس كارني في المنطقة مكن السفن الحديثة أن توفر حماية كبيرة لنفسها، وللسفن الأخرى في مسرح العمليات ضد التهديدات الجوية والصاروخية، لكنه تطرق إلى ما وصفه بالتحدي القائم، والمتمثلة بالتكلفة المنخفضة نسبيا للطائرات بدون طيار والصواريخ التي تستهدف الشحن، والوضع الذي عليه السفن الدولية الكبرى، والتي تضطر للعودة إلى الموانئ الصديقة لإعادة تحميل صواريخها الاعتراضية للدفاع الجوي.
وقال كوشال إن الطريقة الأكثر فعالية للقضاء على تهديد الحوثيين هي مهاجمة مواقع إطلاقهم للصواريخ والمسيرات، معتبرا ذلك سيؤدي إلى تصعيد إقليمي، ويضاعف المخاطر الدولية. وتوقع كوري رانسلم، الرئيس التنفيذي لشركة الأمن البحري درياد غلوبال، أن يستمر التهديد الذي يواجه الشحن في البحر الأحمر المستقبل المنظور طالما استمر الصراع في غزة، وفق تعبيره للقناة.
وأضاف: "اعتماداً على كيفية اجتماع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، يمكننا أيضاً أن نرى مستوى التهديد ضد انخفاض الشحن التجاري إذا كانت جهودهم فعالة".
القناة نقلت عن محلل آخر يدعى توربيورن سولتفيدت إن التحدي الأبرز بالنسبة للحوثيين يتمثل في تقديم ما يكفي من التهديد لردع شركات الشحن من المرور عبر باب المندب مع تجنب الأعمال التي يمكن أن تؤدي إلى رد عسكري ساحق من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.. .
ترجمة الموقع بوست
المصدر: مأرب برس
إقرأ أيضاً:
من غزة إلى اليمن .. السيد الحوثي يكشف خطوط المعركة الكبرى
كان الخطاب محمّلاً بنبرة من يعرف أن ما يحدث في غزة ليس مجرد حرب، بل محطة فاصلة في عمر المنطقة، بل وفي صلب معنى الوجود العربي ذاته.
كان السيد يقول – دون أن يحتاج إلى العبارة – إن ما نراه اليوم هو سقوط أخلاقي عالمي يتدحرج من فوق منصة الأمم المتحدة حتى أرصفة العواصم الأوروبية التي تقمع صوت طلابها. لم يكن الخطاب تصعيدًا بقدر ما كان تذكيرًا بأن المسألة ليست فلسطين وحدها، بل معيار الأخلاق الكونية في زمن السوق والعهر السياسي.
السيد الحوثي الذي لم يعتد أن يتحدث بلغة المهزومين، كان يُعرّي العدو الإسرائيلي ويضعه في صورة الكائن المتوحش الذي يتغذى على أشلاء الأطفال الفلسطينيين بتمويل أمريكي واضح، لا لبس فيه. لم تكن الإدانة أخلاقية فقط، بل وصف دقيق لماكينة إبادة تمارس القتل بنَفَس بارد، بينما يراقب العالم المشهد كأنه جزء من مسرحية تلفزيونية انتهت صلاحيتها الأخلاقية منذ سنوات.
لكن اللافت، كالعادة، أن خطاب السيد لا ينفصل عن الحقل العمل... هجمات بحرية، حظر للملاحة، إسقاط للطائرات، رد مباشر على العدوان الأمريكي، تحرك شعبي واسع، تأكيد على أن اليمن – بمقاومته – لم يعد على الهامش، بل في قلب معادلة الردع الإقليمي.
وكأنه يريد أن يقول نحن هنا لا لنستنكر، بل لنصنع أثراً، والدم اليمني لم يعد حزينًا وحيدًا، بل ممتزجًا بروح فلسطين وجراح غزة.
ومع ذلك، فإن ما يميز الخطاب أنه لا يكتفي بتوصيف الحدث، بل يغوص في بنيته، يشير إلى السياق المتكامل، يُفكك المصطلحات. فحين يتحدث عن "التهجير الطوعي" الذي يروّج له الاحتلال، فهو يدرك أن التهجير الطوعي، كعبارة، لا تقل جريمة عن القصف نفسه. هناك رغبة إسرائيلية قديمة لتفكيك الوجود الفلسطيني جغرافيًا، وتفريغه ديموغرافيًا، والغرب يصمت، بل ويشارك أحيانًا بإعادة إنتاج الخطاب الصهيوني نفسه بعبارات أكثر تحضّرًا ولكنها لا تقل قبحًا.
لم يكن السيد يوجه خطابه للداخل اليمني فقط، بل كانت نبرته عابرة للحدود، موجّهة إلى الأمة، بل وإلى الإنسانية كلها.
دعا إلى انتفاضة ضمير، لا مجرد غضب لحظي، دعا إلى مقاطعة اقتصادية وسياسية وثقافية، إلى عزلة كاملة لهذا الكيان الذي تم طرده من الضمير الإنساني لكنه لا يزال يحظى باعتراف الأمم المتحدة.
وربما أهم ما في الخطاب، أنه أعاد تعريف الاصطفاف. لم يعد الصراع بين إسرائيل وفلسطين، بل بين محور الهيمنة ومحور المقاومة. بين من يملك الطائرات الشبح، ومن يملك إرادة الصمود. بين قاذفات القنابل التي تنطلق من قواعد أمريكية، ومجاهدين حفاة يعيدون ترتيب المعنى من بين الركام.
والملاحظة الدقيقة، أن السيد لم يُغفل الإشارة إلى الداخل العربي. أشار – ولو بحذر – إلى الخذلان، إلى الصمت، إلى ازدواجية المعايير، إلى خيانة بعض الأنظمة التي تفتح أجواءها للطائرات الأمريكية وتغلقها أمام شحنات الدواء إلى غزة. وكان صريحًا في الإشارة إلى أن العدوان الأمريكي على اليمن هو امتداد لذات المعركة، وأن ما يواجهه اليمن اليوم هو نتيجة لموقفه الأخلاقي من القضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، فإن السيد، دون أن يقولها بشكل مباشر، يرسم حدود المعركة القادمة لا فصل بين الساحات. من البحر الأحمر إلى غزة إلى الجنوب اللبناني إلى دمشق، كلها جبهات لمعركة واحدة...العدو واحد، والخندق واحد، والراية واحدة. ومن يقف في الحياد، فهو جزء من الجريمة، حتى وإن رفع الشعارات.
المعادلة الجديدة التي يكرّسها الخطاب، فشل العدوان الأمريكي في اليمن لم يعد تحليلاً، بل اعترافًا أمريكيًا. حاملة الطائرات في حالة هروب، MQ9 تسقط تباعًا، الملاحة لم تعد آمنة، والقدرات العسكرية اليمنية تتنامى، لا تتآكل. هنا، يلمح السيد إلى معادلة ردع لم يجرؤ أحد من قبل على قولها نحن لسنا في موقع الدفاع، بل في موقع المبادرة.
وإذا أردنا أن نقرأ الخطاب من زاوية استراتيجية بحتة، فهو خطاب تثبيت حضور أكثر من كونه خطاب رد فعل. الحوثي لا ينتظر موقفًا عربيًا داعمًا، بل يؤكد أن اليمن يقوم بدوره الأخلاقي والإنساني والديني، دون مساومة، ودون رهانات على نظام رسمي عربي أثبت عجزه أو تواطؤه. وكأن الخطاب يريد أن يقول: نحن هنا لأننا اخترنا هذا المكان، ولسنا بانتظار من يبارك تحركنا أو يخذله.
أما الإشارات إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فلم تكن تعويلا، بل إدانة مزدوجة. فحين يتساءل السيد: لماذا لا يتم طرد الكيان الصهيوني من الأمم المتحدة؟ فهو لا ينتظر جوابًا، بل يكشف التواطؤ، ويقيم الحجة على المؤسسة الدولية كما على الأنظمة.
بالمجمل، كان خطابًا هادئًا في لغته، صادمًا في محتواه، عميقًا في دلالته، ثابتًا في موقعه من معادلة الصراع الكبرى. خطاب من لا يحتاج إلى أن يرفع صوته ليُسمع، لأن الفعل الميداني يسبقه دائمًا. السيد الحوثي كعادته، يقول ما يعنيه، ويفعل ما يقوله، ويعرف أن التاريخ لا يصنعه الحياد، بل من يقف في وجه الطغيان، ولو وحيدًا، كما قال المتنبي يومًا:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
المصدر : عرب جورنال / كامل المعمري