سلط الزميل غير المقيم بالمركز العربي في واشنطن، جريجوري أفتاندليان، الضوء على الموقف الأمريكي من العدوان الإسرائيل على قطاع غزة، مشيرا إلى أن أي خطاب عقلاني في الولايات المتحدة حول الحرب بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية أصبح عرضة لتحديات سياسية على نحو متزايد، إذ يهاجم أنصار إسرائيل والأعضاء الجمهوريون في الكونجرس أي اقتراح بضرورة وقف إطلاق النار لحماية المدنيين الفلسطينيين ومنع الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية من التدهور أكثر.

وذكر أفتاندليان، في تحليل نشره بموقع المركز وترجمه "الخليج الجديد"، أن حالة التأييد لإسرائيل بلغت حد الهجوم على إدارة بايدن، التي لا شك في حسن نواياها المؤيدة لإسرائيل، ودعمها الكامل للدولة العبرية، وذلك بعدما تحدث عدد صغير من الديمقراطيين بالكونجرس علنًا عن الحاجة إلى محاسبة إسرائيل على استخدامها للأسلحة الأمريكية في غزة.

واعتبر أفتاندليان أن المزيد من الديمقراطيين في الكونجرس عليهم أن يفعلوا ذلك لإنقاذ إدارة بايدن من "انغماسها السلبي"، حسب وصفه، مؤكدا أنه "ما لم تكثف إدارة بايدن الضغط على إسرائيل لوقف عمليات القتل العشوائي وتحقيق وقف إنساني حقيقي لإطلاق النار لمساعدة المدنيين الفلسطينيين المنكوبين، فإن مكانة أمريكا في الشرق الأوسط الأوسع ستستمر في التدهور، ما يضر بالمصالح الأمريكية".

وأضاف أنه إذا أصر الرئيس الأمريكي، جو بايدن، على معارضته لوقف إطلاق النار، فمن المرجح أن تكون فرص إعادة انتخابه ضعيفة، حيث لا يزال جزء مهم من قاعدته السياسية غاضبًا من موقفه إزاء حرب غزة.

وأشار أفتاندليان إلى أن بايدن لم يتراجع سوى نصف خطوة إلى الوراء، ففي أعقاب عملية "طوفان الأقصى"، التي نفذتها حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول، ألقى بايدن خطاباً عاطفياً من البيت الأبيض تعاطفاً مع الجمهور الإسرائيلي، وفي 18 أكتوبر/تشرين الأول سافر إلى إسرائيل للقاء أقارب قتلى العملية والاجتماع بحكومة الحرب الإسرائيلية.

وكان واضحا من تعليقات بايدن وأفعاله أنه كان يعطي إسرائيل الضوء الأخضر لمواصلة الحرب لهزيمة حماس، ويعكس موقفه مشاعره المؤيدة للصهيونية بشكل لا لبس فيه.

غير أن المشكلة بالنسبة لبايدن، هي أن إسرائيل أخذت ما وصفه بـ "حقها في الدفاع عن النفس" إلى درجة متطرفة، إذ أسفرت حملة القصف التي شنتها عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص، حوالي 70% منهم من النساء والأطفال، واستخدمت إسرائيل "القنابل الغبية" غير الموجهة في 45% من هجماتها الجوية، وهي قنابل تستخدم لإحداث أقصى قدر من الدمار في منطقة واسعة.

مشاعر ملتهبة

وأعادت صور المدنيين الفلسطينيين القتلى من حملة القصف والطوابير الطويلة من الفلسطينيين الفارين إلى الجزء الجنوبي من القطاع بصور نكبة عام 1948 عندما قُتل مئات الآلاف من الفلسطينيين وطرد مثلهم من منازلهم. وألهبت مثل هذه الصور المشاعر الفلسطينية والعربية والإسلامية على نطاق أوسع.

وكان المسؤولون والدبلوماسيون الأمريكيون المتمركزون في المنطقة هم الطرف المتلقي لهذا الغضب وأبلغوا واشنطن عن تزايد العداء لأمريكا. وحتى الدول العربية ذات العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة، مثل مصر والأردن، كانت صريحة في انتقادها لارتباط واشنطن الوثيق بالعدوان العسكري الإسرائيلي في غزة.

وتلقى وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، الكثير من هذه الانتقادات خلال رحلاته العديدة إلى المنطقة، ما دفعه إلى القول، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إن "عددا كبيرا جدا من الفلسطينيين قتلوا".

كما سعى بايدن، بعد ضغوط متزايدة، إلى النأي بنفسه إلى حد ما عن الهجمات الإسرائيلية في غزة، وقال لمجموعة من الصحفيين في 25 أكتوبر/تشرين الأول إن "على إسرائيل أن تفعل كل ما في وسعها لحماية المدنيين الأبرياء".

 وفي 12 ديسمبر/كانون الأول، ذكر بايدن لمجموعة من المانحين لحملته الانتخابية المقبلة أن "القصف العشوائي الذي يحدث" في غزة يكلف إسرائيل تراجع الدعم في جميع أنحاء العالم.

اقرأ أيضاً

إنترسبت: الإبادة الإسرائيلية لمدنيين غزة لن تهزم حماس.. وبايدن أجرم ويجب محاسبته 

ولكن، رغم أن إدارة بايدن نجحت في الضغط من أجل "وقف مؤقت" للحرب من أجل توصيل المزيد من المساعدات الإنسانية إلى غزة وإطلاق سراح بعض الأسرى، إلا أنها رفضت حتى الآن الدعوة رسميًا إلى وقف إطلاق النار.

واستخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمنع مثل هذه الدعوة، وكانت من بين 10 دول فقط من أصل 193 دولة صوتت ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يطالب بنفس الشيء.

وفيما يتعلق بالحد من الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين، ادعى المسؤولون الأمريكيون أن لدى إسرائيل "النية" لحماية المدنيين الفلسطينيين، لكنهم ما زالوا ينتظرون رؤية النتائج، ما وصفه أفتاندليان بأنه "غير مقنع".

ورغم أن المسؤولين الأمريكيين يصرون أيضاً على أنهم كانوا أكثر صرامة مع المسؤولين الإسرائيليين سراً فيما يتعلق بالخسائر في صفوف المدنيين، فإن رسالتهم العلنية تستمر في إظهار موقف دفاعي ومتضامن مع إسرائيل فيما يتعلق بمواصلة الحرب.

وفي 15 ديسمبر/كانون الأول الجاري، قلل مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، من أهمية الخلافات مع إسرائيل خلال زيارته لتل أبيب، قائلا: "أنا هنا اليوم نيابة عن الرئيس بايدن للتأكيد على التزامنا المستمر بدعم إسرائيل في حربها ضد حماس".

وأضاف: "نحن لسنا هنا لنقول لأي شخص أنه يجب عليك القيام بـ X، يجب عليك القيام بـ Y. نحن هنا لنقول أن هذا هو منظورنا كشريك لك، وصديقك".

اقرأ أيضاً

منظمات إنسانية دولية تدعو بايدن لتغيير سياسته تجاه الحرب الإسرائيلية على غزة

وفي حين كان سوليفان يلمح على الأرجح إلى أنه حث المسؤولين الإسرائيليين سراً على ضبط النفس، فإن رسالته العلنية نقلت عدم رغبة الولايات المتحدة في محاولة وقف الحرب رغم العدد الصادم من الضحايا المدنيين.

وفي مؤشر على هذا الدعم العسكري المستمر، حتى في غياب مشروع قانون من شأنه أن يمنح إسرائيل تمويلًا إضافيًا كبيرًا، أبلغت إدارة بايدن الكونجرس، في أوائل ديسمبر/كانون الأول، بأنها ستمضي قدمًا في بيع ذخائر الدبابات لت أبيب بقيمة 106.5 مليون دولار.

غضب جمهوري

ويلفت أفتاندليان إلى أن النصيحة الأميركية بشأن خطر تزايد الخسائر في صفوف المدنيين كانت سبباً في إثارة غضب بعض الجمهوريين البارزين، ومنهم ليندسي جراهام، الذي غضب من تصريح وزير الدفاع، لويد أوستن، أمام جمهور في كاليفورنيا، بأن القصف العشوائي من شأنه أن يدفع المدنيين الفلسطينيين إلى التطرف.

وأضاف أوستن: "إذا دفعتهم إلى أحضان العدو، فإنك تستبدل النصر التكتيكي بهزيمة استراتيجية... لقد أوضحت مراراً وتكراراً لقادة إسرائيل إن حماية المدنيين الفلسطينيين في غزة هي مسؤولية أخلاقية وضرورة استراتيجية على حد سواء".

وقال جراهام، إنه فقد كل الثقة في أوستن بعد تصريحاته، واصفا إياه بـ "الساذج"، وناشده التوقف عن انتقاد إسرائيل وإخبارها بـ "أشياء من المستحيل تحقيقها".

كما دعا السيناتور الجمهوري، ماركو روبيو، حكومة الولايات المتحدة إلى التحقيق مع أكثر من 500 موظف فيدرالي بتهمة "العصيان" لأنهم دعوا إلى وقف إطلاق النار في رسالة مفتوحة إلى إدارة بايدن.

وقال روبيو إن وقف إطلاق النار لا يفيد سوى حماس، ودعا إلى إجراء تحقيق كامل ونشر أسماء أولئك الذين وقعوا على الرسالة الموجهة إلى بايدن.

ولطالما كان روبيو، مثل معظم زملائه الجمهوريين وكذلك عدد كبير من الديمقراطيين في الكونجرس، مؤيدًا منذ فترة طويلة للوبي المؤيد لإسرائيل، الذي تمثله لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (آيباك).

ورغم أنه من غير الواضح ما إذا كان لآيباك يد في دعوة روبيو لإجراء تحقيق مع الموظفين الفيدراليين المعارضين، إلا أن اللوبي الإسرائيلي غالبًا ما يجعل "الدعم الكامل للدولة العبرية" بمثابة اختبار حاسم، وتؤدي أي مراوغة من قبل عضو في الكونجرس، يشكك في تكتيكات إسرائيل، إلى انتقاده ودعم منافسه في السباق الانتخابي في كثير من الأحيان.

اقرأ أيضاً

مشروعون ديمقراطيون يحثون بايدن على دفع إسرائيل لتغيير مسار حربها في غزة 

وهنا يشير أفتاندليان إلى أن هذا هو أحد الأسباب التي دفعت جميع المتنافسين الجمهوريين في انتخابات الرئاسة لعام 2024 إلى التعبير عن "دعم لا يشوبه انتقاد" لإسرائيل وإدانة الملاحظات التحذيرية التي أصدرتها إدارة بايدن بشأن الحاجة إلى الحد من الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين.

فبالنسبة للعديد من أصحاب المناصب أو المرشحين الجمهوريين، فإن مقتل الآلاف من الفلسطينيين الأبرياء، بما في ذلك النساء والأطفال، يبدو مسألة غير ذات أهمية.

وعلى الصعيد الديمقراطي، توضح استطلاعات الرأي المختلفة، التي أجرتها منظمات حسنة السمعة بحسب توصيف أفتاندليان، أن العديد من الناخبين الديمقراطيين مستاؤون من إدارة بايدن بشأن حرب غزة.

وأظهر استطلاع أجرته وكالة أسوشيتد برس ومركز NORC لأبحاث الشؤون العامة في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أنه في حين أن 50% من الديمقراطيين يؤيدون موقف بايدن، فإن نفس النسبة تقريبًا 46% لا توافق على ذلك.

الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لحملة إعادة انتخاب بايدن، بحسب أفتاندليان، هو أن ما يقرب من ثلثي الديمقراطيين الشباب (الذين تقل أعمارهم عن 45 عامًا) و58% من الديمقراطيين غير البيض لا يوافقون على موقف الرئيس الأمريكي من حرب غزة، وتشكل هذه المجموعات جزءاً مهماً من قاعدة بايدن السياسية التي حملته إلى الفوز في عام 2020.

وفي ولاية ميشيغان، التي فاز بها بايدن في انتخابات الرئاسة بفارق ضئيل عام 2020، أظهر استطلاع للرأي أجرته شبكة CNN مؤخرًا أن الرئيس السابق، دونالد ترامب، يتقدم حاليًا على بايدن بـ 10 نقاط.

ورغم أن هذه الأرقام قد تكون أكثر دلالة على مخاوف الجمهور بشأن القضايا الداخلية، وأن الاستطلاع لا يقسم الأرقام حسب المجموعة العرقية، إلا أن الأمريكيين العرب يمثلون كتلة تصويتية كبيرة في ميشيغان، والعديد منهم غاضبون من بايدن، الذي دعموه في عام 2020، وهذا لا يعني أنهم سيوجهون دعمهم لترامب، حيث يتذكر كثيرون كلماته وأفعاله ضد المهاجرين المسلمين، وهو ما ضاعفه مؤخرا بقوله إن المهاجرين "يسممون دماء بلادنا".

ولذا يرجح أفتاندليان اتجاه العديد من الأمريكيين المسلمين والعرب إلى عدم التصويت في انتخابات الرئاسة المقبلة، كان السباق بين بايدن وترامب.

سياسات بايدن

ويوصف أفتاندليان بدعم انتقاد بايدن لعشوائية الهجمات الإسرائيلية على المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة بتغييرات سياسية أكثر واقعية وصرامة باعتباره زعيم الدولة الوحيدة التي تتمتع بأي نفوذ حقيقي مع إسرائيل، وذلك عبر ممارسة نفوذه على المسؤولين الإسرائيليين وعدم قبول تأكيداتهم الظاهرية بأنهم يبذلون قصارى جهدهم لحماية المدنيين في غزة.

كما يوصي الزميل غير المقيم بالمركز العربي في واشنطن بأن يوقف بايدن المساعدات العسكرية الإضافية حتى ينتهي قتل المدنيين الفلسطينيين وتسمح إسرائيل بدخول المزيد من المساعدات الإنسانية الكافية إلى قطاع غزة، حيث وصلت المعاناة بين المدنيين المعوزين هناك إلى مستويات مثيرة للقلق.

واعتبر أفتاندليان أنه غير المقبول أخلاقياً أن تمتنع الولايات المتحدة عن بذل كل ما في وسعها لوقف مقتل الآلاف من الأبرياء، خاصة أن إسرائيل تشن حملتها العسكرية إلى حد كبير باستخدام الأسلحة التي تزودها بها الولايات المتحدة.

وأشار إلى أن هكذا موقف "قد يبدأ في تحسين الصورة الممزقة للولايات المتحدة في العالم العربي الأوسع. وتحسين مكانة بايدن السياسية في الداخل ووضع نفسه كزعيم ينهي الصراع المميت في الشرق الأوسط"، وهو ما سيكون موضع ترحيب بشكل خاص من الديمقراطيين الشباب والتقدميين الذين يحتاج بايدن إلى دعمهم لإعادة انتخابه.

اقرأ أيضاً

بيان قوي.. رسالة من مجلس الشيوخ لبايدن لوضع حد لحرب غزة وتقييد الأسلحة لإسرائيل

المصدر | جريجوري أفتاندليان/المركز العربي بواشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

المصدر: الخليج الجديد

كلمات دلالية: الولايات المتحدة جو بايدن الديمقراطيين الجمهوريين آيباك غزة إسرائيل المدنیین الفلسطینیین الولایات المتحدة فی صفوف المدنیین لحمایة المدنیین من الدیمقراطیین وقف إطلاق النار من الفلسطینیین فی الکونجرس إدارة بایدن اقرأ أیضا حرب غزة فی غزة إلى أن

إقرأ أيضاً:

قلق أممي إزاء نزوح المدنيين من الخرطوم بسبب العنف والقتل خارج القانون

الأمم المتحدة / أعربت الأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء التقارير التي تفيد بنزوح المدنيين من العاصمة السودانية الخرطوم بسبب العنف والمخاوف من عمليات القتل خارج نطاق القانون، في أعقاب التغيرات التي طرأت مؤخرا بشأن السيطرة الفعلية على العاصمة، وشدد المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك على ضرورة عدم استهداف المدنيين بأي حال من الأحوال. وأوضح – في المؤتمر الصحفي اليومي – أن العاملين في المجال الإنساني أفادوا بوصول نحو 5000 نازح، معظمهم من الخرطوم، إلى منطقة جبرة الشيخ في ولاية شمال كردفان خلال الأسبوع الماضي.

ويفيد الشركاء في المجال الإنساني بأن هذه العائلات بحاجة ماسة إلى الغذاء والمياه النظيفة والمأوى والرعاية الصحية المناسبة. كما أشارت التقارير إلى نزوح أشخاص آخرين من الخرطوم ومناطق أخرى نحو أم دخن وسط دارفور. وأكد دوجاريك أن الأمم المتحدة وشركاءها الإنسانيين يعملون على التحقق من هذه التقارير.

ومع ذلك، أشار المتحدث باسم الأمم المتحدة إلى أن القيود المالية المستمرة أجبرت على تقليص بعض أنشطة جمع البيانات، مما تسبب في تأخيرات في الإبلاغ عن عمليات النزوح الجديدة وإصدار تنبيهات الإنذار المبكر.

وأكد دوجاريك أن هذه التحركات الأخيرة تأتي في سياق اتجاه أوسع نطاقا للنزوح الناجم عن الصراع، والذي يؤثر على مناطق متعددة في السودان، بما فيها النيل الأزرق وجنوب كردفان.

وضع معقد وصعب
وأشار المتحدث إلى أن الوضع العام في السودان لا يزال معقدا وصعبا، حيث يفر المدنيون من أجل سلامتهم في بعض المواقع، ويحاولون العودة إلى ديارهم في مواقع أخرى، وغالبا إلى مناطق دمرت فيها الخدمات الأساسية بسبب الصراع، وحيث يواجهون أيضا خطر مخلفات المتفجرات والقذائف غير المنفجرة.

وأوضح دوجاريك أن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) يعمل على الوصول إلى السكان في مدينة كادقلي، عاصمة جنوب كردفان، من خلال تسهيل إرسال قافلة مساعدات إنسانية تحمل إمدادات التغذية والصحة وتطهير المياه. ولكن القافلة لا تزال متوقفة في الأبيض، عاصمة شمال كردفان، بسبب انعدام الأمن والعقبات البيروقراطية.

وقال دوجاريك إن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، أعرب عن غضبه أمس إزاء التقارير التي تتحدث عن تصاعد الهجمات على المطابخ المجتمعية والمساحات الآمنة التي يديرها المتطوعون في السودان، وشدد على ضرورة حماية ودعم العاملين في المجال الإنساني.

وذكّر دوجاريك بأن القانون الدولي الإنساني يُلزم جميع الأطراف بالسماح وتسهيل الإغاثة الإنسانية، بسرعة، وبلا عوائق، وبحياد، للمدنيين المحتاجين، بغض النظر عن الموقع أو انتماء هؤلاء المدنيين.

مستوى دمار يفوق التصور
من ناحية أخرى قال محمد رفعت، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان إن العاصمة الخرطوم تعيش وضعا كارثيا بعد عامين من الحرب، مسلطا الضوء على الأوضاع المروعة التي يواجهها المدنيون في المناطق المتضررة.

تحدث رفعت إلى الصحفيين في جنيف، اليوم الجمعة، عقب زيارة استغرقت أربعة أيام للعاصمة السودانية وضواحيها، مشيرا إلى أنه زار مناطق لم يكن الوصول إليها ممكنا من قبل، وشاهد بأم عينه حجم الدمار والمعاناة التي يعيشها الناس في هذه المناطق.

وأضاف قائلا: "أستطيع أن أقول لكم إن محطات الكهرباء نُهبت، وأنابيب المياه دُمرت. أنا لا أتحدث عن مناطق معينة، بل أتحدث عن كل مكان ذهبت إليه. لقد كنت في مناطق حروب في ليبيا واليمن والعديد من مناطق الصراع الأخرى. ومستوى الدمار الذي رأيته في بحري والخرطوم لا يمكن تصوره. لم يكن هناك استهداف لمنازل الناس فقط، ولا للمناطق الإدارية، ولا للمناطق العسكرية، بل لكل البنية التحتية الأساسية التي يمكن أن تحافظ على حياة الناس".

حاجة إلى التمويل
وأشار رفعت إلى الحاجة الملحة لتوفير التمويل الإنساني للأدوية والمأوى ومياه الشرب والتعليم والرعاية الصحية، بالإضافة إلى ضمان وصول إنساني غير مقيد للمتضررين من الصراع. ونبه إلى أن محدودية الوصول الإنساني ونقص التمويل أدت إلى معاناة هائلة، خاصة بالنسبة للنساء.

وأشار إلى أن العديد من المنظمات غير الحكومية أوقفت أو قللت عملياتها بسبب نقص التمويل، وأن السودان يواجه أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث يوجد أكثر من 11 مليون نازح داخلي.

ودعا رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة إلى التركيز على إعادة البناء، مشيرا إلى أن ترميم الخرطوم والمناطق الأخرى سيستغرق وقتا، لكن من الممكن توفير مأوى وسبل عيش كريمة بمجرد توفر الموارد اللازمة.

وأشار إلى أن خطة استجابة المنظمة الدولية للهجرة في السودان تسعى للحصول على 250 مليون دولار لمساعدة 1.7 مليون شخص، لكن لم تتم تغطية سوى 9% من الأموال المطلوبة حتى كانون الثاني/يناير 2025.

قصة سارة
المسؤول الأممي سلط الضوء على قصة سارة، المعلمة التي بقيت في منزلها في الخرطوم بحري طوال فترة الحرب، والتي لم تكن تملك أي وسيلة للمغادرة.

وقال رفعت: "كانت أيامها مليئة بالرعب، وشهدت فقدان أحبائها وتهديدا مستمرا بالعنف. لم تبق سارة باختيارها، بل كانت مضطرة إذ لم تكن لديها وسائل للمغادرة، ولا دعم لإخراجها من مكان الأذى، ولا أحد يساعدها. تُركت لتعاني دون مساعدة، غير قادرة على الهروب".

وأضاف أن مستقبل سارة كان شاغلها الرئيسي، مشيرا إلى أنها كانت تتوق إلى إعادة فتح المدارس ومستعدة للتدريس مجانا لضمان استمرار التعليم للأطفال.

كما تحدث عن قصة فتاة أخرى تدعى ترتيل، عبرت عن يأسها ورغبتها في مواصلة تعليمها والحصول على دعم نفسي. وقال إن هناك العديد من القصص المشابهة لقصتى سارة وترتيل.

مؤشرات أمل
وردا على أسئلة الصحفيين، أوضح رفعت أن عودة الناس إلى الخرطوم تتطلب توفير معلومات تساعدهم على فهم الوضع على الأرض واتخاذ قرارات مستنيرة، بالإضافة إلى استثمارات ضخمة لاستعادة الخدمات الأساسية مثل الصحة والمياه والكهرباء.

وأشار إلى أن هناك علامة أمل صغيرة مع عودة 400 ألف نازح داخليا إلى ديارهم مؤخرا، لكن معظمهم يعودون إلى منازل مدمرة ومنهوبة تفتقر إلى أي خدمات أساسية.  

مقالات مشابهة

  • قلق أممي إزاء نزوح المدنيين من الخرطوم بسبب العنف والقتل خارج القانون
  • خبير سياسي لـ «الأسبوع»: تصريحات إسرائيل حول موافقة دول على استقبال الفلسطينيين تستوجب تحركا عربيا ودوليا حازما
  • قطر تدعو لمحاسبة إسرائيل على جرائمها بحق المدنيين في غزة
  • تدفق الأسلحة مستمر.. ترامب يرسل لإسرائيل 20 ألف بندقية علّقها بايدن
  • خبير: إسرائيل تهدف لتحويل غزة إلى منطقة استعمارية عبر إخلائها من الفلسطينيين
  • خبير عسكري: إسرائيل تدفع الفلسطينيين للموت أو الهجرة القسرية
  • مسئولة أممية تدعو المجتمع الدولي للضغط على إسرائيل لوقف العدوان وحماية الفلسطينيين
  • الديب أبوعلي: إسرائيل تعمل على تطهير غزة عرقيا والقاهرة تدافع وحدها عن الفلسطينيين
  • مندوب فلسطين لدى مجلس الأمن: إسرائيل تسعى لتهجير الفلسطينيين خارج غزة
  • الأمم المتحدة: إسرائيل تستهدف الفلسطينيين في مناطق نزوحهم