«التغيير» تنشر نص البيان الختامي لاجتماعات «تقدم» بنيروبي
تاريخ النشر: 21st, December 2023 GMT
نيروبي: التغيير
أجازت تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «تقدم»، مقترح عقد المؤتمر التأسيسي الجامع للقوى الديموقراطية المدنية، خلال الأسبوع الأخير من شهر فبراير المقبل. فيما اتخذت عدة قرارات بشأن الاستجابة للوضع السياسي الراهن وجهود وقف الحرب.
واختتم المكتب التنفيذي للتنسيقية اليوم الأربعاء اجتماعاته التي انعقدت بالعاصمة الكينية نيروبي خلال 17- 20 ديسمبر الحالي، والتي ناقشت الوضع السياسي في البلاد وترتيبات عقد المؤتمر التأسيسي، وأصدر بيانه الختامي.
تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)
البيان الختامي لاجتماعات المكتب التنفيذي 17- 20 ديسمبر
عقد المكتب التنفيذي لتنسيقية القوى الديمقراطية المدنية “تقدم” اجتماعاً مهماً بالعاصمة الكينية نيروبي في الفترة من 17-20 ديسمبر 2023 ناقش خلاله التطورات في ساحة الوطن مع دخول الحرب شهرها التاسع واتساع رقعتها وتمددها من الخرطوم لولايات دارفور وكردفان، وأخيراً لولاية الجزيرة وتخوم ولايات أخرى، مما يضاعف معاناة شعبنا وينشر مزيداً من الموت والتدمير والتشريد والانتهاكات، وأكد الاجتماع أنه لا بديل لإنهاء هذه الكارثة وانتشال وطننا من شفا حفرة الحرب الأهلية والفوضى الشاملة والتقسيم إلا بوقف القتال فوراً وبدون تأخير واعتماد خيار الحل السياسي التفاوضي، وشدد الاجتماع بأنه لا حلول عسكرية مشروعة للأزمة السودانية وأكد أن طرفي النزاع يتحملان مسؤولية الانتهاكات التي نتجت عن هذه الحرب والتي نؤكد ادانتنا لها بأقوى أشكال الإدانة.
حيا المجتمعون ذكرى ثورة ديسمبر المجيدة، ومحطاتها البارزة التي شهدت جولات من المقاومة الجماهيرية – ضد نظام “الإنقاذ” – حوّل فيها السودانيون معاناتهم إلى غضبٍ نبيل وثورةٍ على واقع الاستبداد الغاشم، مستهدين بالسّطْع الدامي المتدفق من شرايين الشهداء، حتى حسموا المعركة لصالح إرادتهم الموحدة بعد ثلاثين عاماً لم تتوقف خلالها جولات المقاومة الباسلة إلّا لتبدأ مرةً أخرى بحثاً، بدأب النمل، عن وطنٍ جديد ترفرف فوقه رايات الحرية والسلام والعدالة.
لكنّ قوى النظام المدحور الآثمة واصلت تربصها بآمال شعبنا وحقه في الحرية والحياة الكريمة، وظلت تضع العراقيل في مسيرة الانتقال حتى تمكنت من تنفيذ انقلاب 25 أكتوبر فعاد السودانيون للشوارع والنشيد، مؤكدين ألّا قوة على وجه الأرض تحول بينهم وبين تحقيق حلمهم بالوطن الجديد .. ومع رفض شعبنا للانقلاب وإصراره على استرداد مسار التحول المدني الديمقراطي، لم تتورع قوى النظام المباد من إشعال حرب 15 أبريل انطلاقاً من سقفهم الأخلاقي الخفيض الذي لا يقيم وزناً لدماء السودانيين وتدمير ممكنات وطنهم ووضعه على شفير الانهيار الكامل والتقسيم، ظناً منهم أن إشعال الحرب سينهي مسيرة ثورة ديسمبر المجيدة ويحقق أحلاهم في العودة للسلطة، متناسين أن ثورة ديسمبر هي الراية والغاية، وأن شعبنا لن يسمح بإسقاط تلك الراية حتى يبلغ الغاية وهي اللحظة التي يكتمل فيها خلاص الوطن من ميراثه حكمهم البغيض ويصبح وطناً يسع جميع أهله ويحيطهم بشروط الوجود الكريم بلا تمييز ولا تهميش.
انخرط المكتب التنفيذي لـ “تقدم” في نقاشات عميقة نتجت عنها مخرجات تستجيب للوضع السياسي في البلاد، كما ناقش ترتيبات عقد المؤتمر التأسيسي وخلص إلى الآتي:
أولاً: الوضع السياسي الراهن وجهود وقف الحرب:1- الشروع الفوري في الاتصال بقيادة القوات المسلحة والدعم السريع والجلوس معهما لضمان اتخاذ حزمة من الترتيبات العاجلة لحماية المدنيين وحثهم للانصياع لصوت العقل والوفاء بتعهداتهم المعلنة بعدم التعرض للمدنيين في أماكن سيطرتهما، وتوفير ممرات امنة، وايصال المساعدات بشكل عاجل، والعودة العاجلة للتفاوض عبر منبر جدة والاستجابة لمقترح قادة دول الإيقاد بعقد لقاء مباشر بين القائد العام للقوات المسلحة وقائد قوات الدعم السريع من أجل الوقف غير المشروط لإطلاق النار لمعالجة الكارثة الإنسانية وابتدار المسار السياسي السلمي لمخاطبة قضايا الأزمة بعقل وطني جماعي يفضي للتوافق على مشروع وطني يخاصم الاستبداد ويطوي صفحة الحروب.
2- التواصل مع المجتمع الاقليمي والدولي لدعم جهود الاستجابة للكارثة الإنسانية ومعالجتها ودعم جهود الحل السلمي التفاوضي، وفي هذا السياق فإننا في تقدم ندعو لعقد جلسات عاجلة لمجلس السلم والامن الافريقي ومجلس الامن لمتابعة التطورات السياسية في البلاد، وتوفير آليات لحماية المدن
وايصال المعونات العاجلة من قبل المؤسسات الدولية بما يشمل: انشاء معسكرات للنزوح الداخلي بحماية دولية ووضع آليات فعالة قيد الاستعداد لحماية المدنيين وفتح الممرات الانسانية بإشراف دولي.
3- رحب الاجتماع بتشكيل مجلس حقوق الانسان لجنة برئاسة محمد شاندي للتحقيق في الانتهاكات والتجاوزات التي وقعت منذ اندلاع الحرب.
ثانياً: عقد المؤتمر التأسيسي:1- أكمل الاجتماع إعداد خطة العمل لعقد المؤتمر التأسيسي الجامع للقوى الديموقراطية المدنية – استناداً على تقارير وخطط اللجان المختلفة – ورفعها للمجلس القيادي الذي أجازها في اجتماع إسفيري بعد ظهر اليوم، حيث تقرر عقد المؤتمر التأسيسي خلال الأسبوع الأخير من شهر فبراير القادم.
2- تقرر تشكيل لجنة تحضيرية تتولى مهام التنسيق والتنفيذ للأنشطة التي ستقود للمؤتمر التأسيسي، بما فيها مهمة البناء في ولايات السودان المختلفة وفي المهاجر، لتنظيم أوسع جبهة مدنية ديمقراطية من السودانيين والسودانيات المتطلعين لإنهاء الحرب وتحقيق غايات ثورة ديسمبر المجيدة.
هذا وفي خاتمة الاجتماع تقدم المكتب التنفيذي بالشكر لدولة كينيا، قيادة ً وحكومةً وشعباً، على استضافتها للاجتماع ومواقفها الداعمة لوقف الحرب وتحقيق السلام والاستقرار في السودان.
الأربعاء 20 ديسمبر 2023
الوسومالدعم السريع السودان القوات المسلحة المجتمع الدولي انقلاب 25 اكتوبر تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية(تقدم) ثورة ديسمبر المجيدة حرب 15 ابريل كينيا نيروبيالمصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الدعم السريع السودان القوات المسلحة المجتمع الدولي انقلاب 25 اكتوبر تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية تقدم حرب 15 ابريل كينيا نيروبي القوى الدیمقراطیة المدنیة المکتب التنفیذی
إقرأ أيضاً:
جحر الضب العلماني وأسر التقليد للماضي.. مشاتل التغيير (12)
إذا أردت كلمة معاصرة لوصف ما يمثله "جحر الضب" فهي تلك الكلمة المفتاحية في الحديث النبوي الذي أوتي جوامع الكلم؛ هي كلمة التبعية، وهي من أخطر الكلمات التي تحيط بعملنا واختيارنا، بحقيقتنا ومصيرنا، بهويتنا ومشروعنا، كلمة تحمل معاني مهمة يجب أن نتوقف عندها. ومن المهم في هذا المقام أن نتوقف عند الحديث الذي نستقي منه لفظ التبعية بكل أبعاده وتوابعه، وهو أمر مهم لا بد أن نتوقف عند مفرداته التي تشكل وصف حالة نموذجية تتأكد من حالة المثل المركب الذي ابتكره الحديث النبوي "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كان قَبْلَكُمْ شِبْرا بشِبْرٍ، وَذِرَاعا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ..": لتتبعن (تبعية) "سَنن" بفتح السين (الطريقة والطرائق والأساليب التي تتعلق بنمط الحياة وسلوك المجتمعات) من كان قبلكم، أو تبعتم بحيث تتشكل علاقة تبعية متجذرة بين طرفين مهمين، التابع والمتبوع؛ وهذه العلاقة تترسخ مع مرور الزمن وفعل الولع وحالة الاعتياد، وتتراكم حالة المغلوبية في تلك العلاقة بين المغلوب والغالب.
أما الحالة النفسية في هذا المقام فترتبط بالحالة الذهنية والعقلية وطرائق التفكير وأساليبه التي تستوطن النفوس والعقول، فتبادر هذه النفوس والعقول إلى أن تقلد وتتبع "حذو القذة بالقذة"، أي تحاكي ذلك بالحذافير فلا تتوقف عنده من نفع أو فائدة، من تعديل أو تكييف، بل تنقله كما هو ظنا منها أن ذلك سيؤتي ذات النجاح الذي صادفته تلك القوى، "شبرا بشبر" و"ذراعا بذراع". حساب المسافات ليس في مساحات الزمن، بل بمساحات المكان وساحاته ووحدة القياس "الشبر" و"الذراع". ثم تأتي الحالة غير المعقولة وغير المقبولة وغير المتصورة؛ "حتى إذا دخلوا (سلكوا) جحر الضب، لدخلوه (لسلكوه) معهم". هذا الدخول والانحسار يعبر عن حالة خطيرة؛ حشر نفسه في ذات الحالة حتى وإن كانت لا تليق به أو تناسبه؛ حالة من التبعية المقيتة في التفكير وفي الموقف وفي الخيارات؛ حالة رغم عدم معقوليتها إلا أنها مقرونة بحال الدخول بأي طريق، حتى لو كان ذلك حشرا مع ضيق هذا الجحر النتن؛ الذي يدخل ويخرج منه الضب؛ فجمع جحر الضب القذارة المؤكدة، والمهلكة المحققة.
ومن رحم جحر الضب الذي يشير للتبعية مغزى ومعنى تتساند معه منظومة مفاهيم تحكم حالة جحر الضب التي نعيشها والتي تنصرف إلى معنى جحر الضب العلماني والتبعية له، أو أسر التقليد للماضي في معنى الأبائية المقترنة بالضلال الفاقدة للرشد والهدى. المعية أو إن شئت الدقة الإمعية (لدخلوه معهم) أمر خطير يميز بين المعية الإيجابية والإمعية التابعة الغارقة في الولع لا المشاركة الحقيقية، وفي الهدي النبوي نعى على التبعية المقيتة في إشارة إلى التبعية والتقليد من غير حجة أو برهان؛ من مثل "لا يكن أحدكم إمعة". والإمعية فعل خطير يميت الفضل والقدرة على الاختيار؛ وربما يقلد فيه ما لا ينفع، بل يتبع ما يضر فلا يأمن ولا يُؤمن في حاله ومآله.
وعلى رأس هذه المفاهيم في تلك المنظومة؛ مفهوم التقليد بكل معانيه الرديئة؛ التقليد القاتل العائد إلى الوراء وأشكاله ودوافعه ومسبباته. سلطان التقليد أخطر أنواع السلطة التي يمكن أن تقع على إنسان الأمة، وغالب التقليد مذموم إذا لم يثمر وإذا لم يصحح خطأ وإذا لم يجلب نفعا، وإذا حبس المواهب وإذا قيد الفكر وإذا لم يفتح بابا لخير البشرية، وإذا لم يحفظ للطبيعة صفاءها وإذا لم يكن عونا على حسن عمارة الأرض، وإذا أفسد على البشر حياتهم وعقائدهم وإذا كان مفسدة على أي صورة وبأي وجه سواء كان تقليدا للقدماء أو للمحْدَثين؛ قافلا الى الماضي والانكفاء عليه أو ناقلا تابعا لحضارة غالبة ومهيمنة. وربما يكون التقليد في حال أشد مفسدة منه في حال أخرى، فأشد التقليد فسادا ما يكون في الأفكار الهدامة والعقائد المغلوطة والآراء المؤثرة قهرا وغطرسة بطبيعة مرسلها ومكانته، ومنها ما تتملكه وسائل الإعلام من مؤثرات وإغراءات في أبواب الشر ومسالكه.
ومن بعده تأتي حالة الولع في حقيقة العلاقة بين الغالب والمغلوب الحقيقة التي وضع ابن خلدون إضاءتها في مقدمته الضافية التي حملت كثيرا من قوانين الانتظام السنني، خاصة في فصل "المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب". ومن جميل ما أشار إليه أن "العامة على دين الملك، فإنه من بابه، إذ الملك غالب لمن تحت يده، والرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلمين بمعلميهم"، وهو ما يعبر عن حالة نفسية تتطور مع الوقت إلى حالة ذهنية وفكرية، بل وكذلك كأسلوب حياة.
حال الولع يورث علاقة خطيرة، ترتبط عضويا بمعنى الذيلية في المواقف والخيارات، فاقد الإرادة، والفعل المختار المستقل. الذيل يعد في الحقيقة زائدة قد تقوم ببعض الأعمال الهامشية، وهو تابع في الحركة والنشاط، والخطير ماذا لو فُقد الذيل فإنه لا يؤثر كثيرا على الجسم، والرأس، بل قد يستبدل الذيل بغيره من غير اكتراث بذيل انفصل فمات، وبذيل جديد يتابع نفس الشكل وذات الوظيفة.
وكذا فمن أحط أنماط التبعية؛ التبعية للهوى "وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطا" (الكهف: 28)، ويرتبط ذلك أيضا بمفهوم آخر ضمن هذه المنظومة بعقلية التكديس في المحاكاة للأشياء، وعقلية الاستهلاك التي تجري في مناشطها ضمن استهلاك مقيت لا يعرف له دافعا إلا الولع، ولا يعرف له عملا وفعلا إلا الاقتناء من غير نفع، ولا يعرف له مآلا إلا التابعية المطلقة في نمط الحياة الاستهلاكي الخالي من التدبر والتدبير الذي يقوم على قاعدة من النفع والانتفاع.
وكذا ومن أخطر المفاهيم في هذا السياق "مفهوم الغزو المعنوي والفكري والحضاري" و"التسميم الحضاري"؛ وكذلك مفهوم "القابلية" عند مالك بن نبي الذي وجب ألا يرتبط فحسب "بالقابليات" للاستعمار.. بل هي القابليات التي تحكم تقبل ما لا يتقبل في نفوسنا وعقولنا ومقالنا، وأفعالنا، ومواقفنا، وسياساتنا.
ومن المهم كذلك أن نشير في هذا الصدد إلى أنواع التقليد الفاقد للهدى الممعن في الضلال، فتؤكد على تبعية الشيطان وسلطانه واتباع الأقوياء والكبراء والسادات في إطار يؤكد على هذا السلطان الفاقد للهدى، والرشد والرشاد. ولعل من مداخل التقليد والتبعية هو المعنى الذي يتعلق بالعلاقة بسلطان فرعون الطاغية؛ الذي يجعل من الاستبداد والطغيان المقترن لزوما بالفساد القيمة الأساسية في صناعة تبعية مجتمعية، من ادعاء سلطان الألوهية، إلى ادعاء الرشد المطلق، أو الاستناد إلى تحكمه في الموارد، وما يقوم عليه من صناعة الاستخفاف.
في مدارسة نقاشية مهمة مع الأستاذة القديرة هبة رؤوف عزت حول العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة أشارت فيها الى أهمية التمييز بين مستويات ثلاثة في النظر إلى الموضوع:
الأول: النظم الرسمية وبوصلتها العلمانية في بلاد المسلمين، والتي شكلت في حقيقتها فشلا في الإنجاز ومكنت حالة الاستبداد ومنظومة الفساد، ولم تنجز في المجال التنموي وما يتعلق بمعاش الناس بفاعلية، وحولت الأمور في مجالات عدة الى أزمات بنيانية؛ وأحالت كل ذلك تارة إلى جهل الشعوب ومناهضة الحداثة والدين والتدين المعوق لتمكين الفعل النهضوي، واستثنت من كل ذلك الحالة الطغيانية والفسادية في ممارسات منظوماتها.
الثاني: واقع العلمانية المرير الذي تسرب في سلوك عموم الناس المهم، ليس حول العلمانية الجزئية أو العلمانية الشاملة؛ ولكن الكيفية للخروج من حال العلمانية البائسة في واقع الناس.
الثالث: الممارسات العلمانية للدين والتدين في سياقات قد تتشابه مع الحالة العلمانية خاصة في النتائج والمآلات، تلك الممارسات التي تعزل الدين عن مجمل حياة الناس ومعاشهم، وتحاصر الديني في المسجد أو في صفحة الصحافة، أو في زاوية منحسرة ومحاصرة ذرا للرماد في العيون، بينما نسير مسارات الحياة الكبرى ضمن الطريقة العلمانية.
ونضيف إلى ذلك المستوى الرابع الذي يتعلق بالطرائق العلمانية ترويجا وسياقات تتعلق بالسياسة والدولة والتي تتحرك ضمن مسارات وطرائق عدة:
1- الدين فوق السياسة، وحالة السياسة وتعلقها بالمدنس، وحال الدين وتعلقه بالمقدس، ومن ثم من المهم ألا ينزل الدين إلى وهدة السياسة أو مسألة الدولة والممارسات المتعلقة بهما الواقعة في مساحات المدنس.
2- مقولة حياد الدولة والتي تكون مدخلا لعلمنة مجال السياسة بالكامل.
3- مقولة الدولة المدنية ضمن حالة التلبيس الشديد في مفهوم المدني والمدنية وارتباطهما بالفكرة العلمانية قيما والعمليات حركة ومسالك وأساليب حياة (العلمنة).
4- العلمانيون والعمل السياسي، وهو أمر يؤكد فيه العلمانيون العرب والمسلمون أن الرؤية الدينية تقوم على استبعادهم أو إقصائهم، وفي سياقات مؤكدة لديهم أن "العلمانية هي الحل".
5- مقولة العلمانية الإسلامية في محاولة تلفيقية ودون فحص جوهر المقولتين، وبما تضعه العلمانية من معايير فكأنها في البداية تطرد المعايير الإسلامية وتجعل من العلمانية هي المنشئة لتلك المعايير، ثم تحدد المتطلبات الواجب عملها ضمن عملية العلمنة؛ حتى يصير الإسلام علمانيا، ويتقاطع مع هذا رؤية البعض أنه يمكن تأويل الإسلام في نشأته وشرعته تأويلا علمانيا في أساسه وجوهره.
6- ومن الملاحظات المهمة كذلك قراءة التنوع الحضاري الإسلامي بمنهج نظر خاطئ ومتحيز، والتأكيد على أنه ليس هناك إسلام واحد، بل هناك إسلامات متعددة، وهي من جملة ما يمارس مع المنظومة الإسلامية بأسلوب "الحجة والنقيصة" في سياقات توزيع أدوار؛ فمن متهم للإسلام بالجمود القاتل، ومن متهم للإسلام للتنوع السائل بلا حد، وهو أمر يبعث على التمكين لحالات العلمنة وعملياتها من خلال حالة الحيرة.
7- وفي هذا السياق يمكننا كذلك أن نلحظ الكيفية التي يتعامل بها العلمانيون في الساحة والمساحة المتعلقة بعالم المفاهيم؛ بالسطو بالكامل والاغتصاب الشامل والاختطاف المدبر على ما يعرف بالمفاهيم الحضارية التي ترتبط بظواهر تنشأ مع كل حضارة. وفي سياق ادعاء أن التاريخ قد بدأ بالغرب وينتهي به، يبدو هذا الاحتكار لتلك المفاهيم ومعانيها ومبانيها والمعايير الكامنة فيها، فضلا عن الاستيلاء على مفاهيم أخرى مثل النهضة والتنوير والرشد والعقلانية وغيرهما، "زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورا" (الأنعام: 112)، وتحركها صوب المعايير التي تتعلق بالغرب ونموذجه المعرفي العلماني.
8- لعبة الاحتكارية العلمانية أو الفكرة المدنية أو الفكرة الديمقراطية (احتكار أفكار التعددية والاختلاف وقبول الآخر)، وهي من القضايا البديهية المتعلقة بفطرية الاجتماع البشري في علاقاته وموازينه، لا يحتكرها اجتماع حضاري بعينه ولا نموذج حضاري دون غيره.
وضمن هذه السياقات فإن التحذير والإنذار والتنبيه إلى خطورة "جحر الضب العلماني" بكل مسوغاته وأدواته وتخلله وتسربه؛ من الأمور المهمة ونحن نتحدث عن مشاتل التغيير وعمليات الإصلاح في نماذجنا للإصلاح والتغيير، وبناء نماذج النهوض والإنماء، والرقي والارتقاء، وهو أمر لا ينصرف فقط إلى الدخول إلى جحر الضب العلماني، بل وكذلك الأسر في سلطان الماضي، والتحرك الواعي البصير في هذا الشأن، النافي لحالة التبعية المقيتة هو منهج النظر القويم لتلك المسارات الإصلاحية في مساحات التغيير الفعّال على بصيرة وهدى وكتاب منير.
x.com/Saif_abdelfatah