د. خالد بارود يكتب: زلزال الهجرة العكسية ليهود إسرائيل
تاريخ النشر: 20th, December 2023 GMT
تعتبر ظاهرة الهجرة العكسية إشكالية وجودية بالنسبة لدولة الاحتلال، وكابوساً يثير القلق والخوف لدى أركانها، باعتبارها مشروعاً أنشئ على قاعدة انتزاع اليهود من بلدانهم الأصلية، وإغرائهم بالتوجه اليها، بوصفها أرض السمن والعسل بلد الأمن والأمان، لتحقيق ديمغرافيا يتفوق فيها اليهود على العرب الفلسطينيين، وضمان أكثرية يهودية، أمام أقلية عربية فلسطينية، ومن أجل ذلك تم استخدام القوة بوسائل احتلالية مختلفة لتهجير الفلسطينيين، واستمرت دون توقف من خلال القوة الناعمة أيضاً، وذلك بفرض واقع معاناة يومية وإجراءات تعسفية تراكمية وفرض أنظمة وقوانين احلالية متنوعة، إلا أن المتغيرات الواقعية فرضت نفسها على مدار سنوات الاحتلال في جولات المواجهة والاشتباك مع الشعب الفلسطيني لاصراره على الصمود والثبات في أرضه بالفعل ورد الفعل، مما أحدث أزمة فقدان الشعور بالأمن والأمان لليهود؛ حيث يزيد وينقص ركوداً وصعوداً حسب الظروف والأحداث التي تتسبب بها اسرائيل بعدوانها واعتداءاتها، والتي خلقت أخطر تحدٍ يواجه القادة الاسرائيليين، إنها ظاهرة الهجرة العكسية من إسرائيل إلى الخارج، ولكن بعد السابع من أكتوبر حدث الزلزال الأعنف في تصاعد تلك الظاهرة.
وبالرجوع قليلاً، وقبل السابع من أكتوبر يلفت نظرنا هجرة اليهود من إسرائيل قد زادت وتيرتها خلال حكم أحزاب اليمين المتطرف، والصهيونية الدينية، وحكومة الائتلاف برئاسة بنيامين نتنياهو، وهي حكومة ذات أكثرية دينية وأغلبية يمينية حريدية في الكنيست، عملت على تقوية نفوذها وسيطرتها حتى على سلطة القضاء، مما زاد من مخاوف وقلق الاسرائيليين، وظهر جلياً فيما قاله البروفيسور (يوفال هراري ) الذي اعتبر تصاعد ظاهرة الهجرة العكسية من أبرز التحديات والمشاكل التي تواجه إسرائيل منذ قيامها، في ظل التغييرات المجتمعية والاقتصادية والقضائية الأخيرة، ووفقا لنتائج استطلاع أجرته الإذاعة الإسرائيلية الرسمية "كان"، فإن أكثر من 25% من اليهود البالغين (فوق 18 عاما)، يفكرون بالهجرة من إسرائيل تفكيراً جدّياً، في حين شرع 6% بإجراءات عملية للهجرة.
وقد عادت للواجهة قضية التفكير بالهجرة لأسباب ديموغرافية وأيديولوجية،حيث أظهرت نتائج سابقة لدائرة الإحصاءات المركزية الإسرائيلية عزوف الكثير من اليهود في أوروبا عن القدوم إلى البلاد، أما (آدم كلير) من "كتلة السلام الآن" فيرى أسباب الهجرة قائلاً: الهجرة العكسية في السابق كانت لأسباب اجتماعية واقتصادية، وكذلك الظروف المعيشية الصعبة، أما صعود الخط البياني لهذه الظاهرة في السنوات الاخيرة فيعود للصراعات الداخلية بين اليهود حول هوية إسرائيل،وكذلك المخاوف والشعور بعدم الأمان مع احتدام الصراع مع الفلسطينيين وانسداد الأفق لأي تسوية سياسية مستقبلية.
فيما أظهرت وزارة الاستيعاب الإسرائيلية معطياتها عن الهجرة اليهودية وفق دراسة أعدّتها" أن ثلث اليهود في إسرائيل يؤيدون فكرة الهجرة، وخصوصاً بعد مواجهات عسكرية كبيرة مع الفلسطينيين سنة 2021". وبحسب دراسة لمركز (تراث بيغن) أظهرت أن 59% من يهود إسرائيل قدموا طلبات للحصول على جنسيات أجنبية،بينما تحث 78% من العائلات اليهودية أبناءها على السفر". وتؤكد دراسة صادرة عن مركز (مدى الكرمل) بحيفاحيازة مليونيإسرائيلي جوازات سفر أجنبية، فيما لا يفكر 400 ألف آخرون، يحملون جنسيات دول أخرى في العودة إلى إسرائيل. أما أحدث استطلاعات الرأي التي نشرتها صحيفة "معاريف" الاسرائيلية فتوثق:"تشكيك 56٪ من الإسرائيليين بنجاح جيشهم فى تحقيق الردع التام. وتضاعفت طلبات الحصول على جنسيات أوروبية، حيث سُجِّل أعلى معدل على طلب الجنسية الفرنسية بزيادة نسبتها 13%، وزيادة 68% في طلبات الجنسية للبرتغال، وسجَّلت ألمانيا وبولندا زيادة 10% طلبات التجنس من الإسرائيليين.
الآن، يبدو أن المشهد يتشكل بصورة مغايرة، حيث يتوجه اليهود للهجرة من " اسرائيل " وليس إليها أكثر من أي وقت مضى، بعد فقدان الثقة بالمنظومة السياسية وسياساتها العسكرية والأمنية، وخسرانها رهانات القوة الرادعة التي على أساسها أنشئت اسرائيل، حتى أصبحت بيئة طاردة، وليست بيئة جذب لليهود من دول العالم واستقطابهم، وفندت الوقائع التي صنعها نضال وصمود الشعب الفلسطيني كذبة " اسرائيل بلد الأمن والأمان والاستقرار، والازدهار والرفاهية فتلك الصورة لم تعد قائمة اليوم، وبات كل فرد في إسرائيل مدركاً لعجز حكومته عن حمايته، بعد فقدانها الكثير من مقومات إقناع الجمهور بأسباب البقاء والاستقرار، فاندفع آلاف اليهود للهجرة من اسرائيل، رغم احتفاء وسائل إعلام اسرائيلية بعودة كثيرمن جنود وضباط الاحتياط للانضمام إلى الجيش في حملة الابادة الدموية على الشعب الفلسطيني وذروتها في غزة منذ السابع من أكتوبر لغاية اللحظة، بالتوازي مع عمليات دموية في الضفة الفلسطينية المحتلة أيضاً، فانتشرت وبثتمشاهد وصور الازدحام في مطار بن غوريون للسفر منذ الأيام الأولى لعملية السابع من أكتوبر، وكذلك مشاهد النزوح الداخلي من المستوطنات حول قطاع غزة، ومن المستوطنات القريبة من الحدود اللبنانية، ووفقاً لتقديرات صحيفة(دي ماركر):" فإن أكثر من 230 ألف يهودي قرروا مغادرة اسرائيل بعد الحرب الأخيرة التي بدأت منذ السابع من اكتوبر الماضي".
وذكرت القناة الـ12 الإسرائيلية أنعدداً كبيراً من الإسرائيليين قدموا طلبات للجوء إلى البرتغال في أعقاب معركة السابع من أكتوبر مستغلين إعلان البرتغال السماح لهم بالحصول على تأشيرات اللجوء، إذ يكفي توفر جواز سفر إسرائيلي للحصول على الموافقة للاقامة في البرتغال والعمل بشكل قانوني إذ سجلت زيادة بنسبة 68% في طلبات الحصول على الجنسية من الإسرائيليين.
ووفقاً لصحيفة زمان الاسرئيلية ذكر الكاتب تاني جولدشتاين أن "عدد الاسرائيليين الذين غادروا اسرائيل خلال العطلات وأثناء الحرب ولم يعودوا نحو نصف مليون شخصاً، وهذا لا يشمل آلاف العمال واللاجئين والدبلوماسيين الذين غادروا البلاد، وأشار أن الحرب قللت الهجرة إلى اسرائيل أقل من النصف في الوضع الطبيعي، كما ذكر أن حقيقة عودة مايقرب من 300000 إسرائيلي إلى اسرائيل منذ اندلاع الحرب عبارة عن كذبة والحقيقة أن هؤلاء عادوا من إجازة العيد، وهم جزء من الآلاف الذين غادروا لقضاء الاجازة ولم يعودوا."
وقد أنشئت مجموعة باسم (نغادر البلاد معاً) على مواقع التواصل الاجتماعي قبل عام تقريباً، لكن نشاطها قد تضاعف بسبب الأوضاع الأمنية المتوترة في أرض فلسطين المحتلة، ودعوتهم إلى ضرورة الهجرة وتشجيع الرحيل من اسرائيل"، إذ يؤكد أحد أعضاء المجموعة يائيرشاليف بقوله: "لقد كنت أشرح لزوجتي أنه ليس لأطفالنا مستقبل في اسرائيل منذ عشر سنوات بسبب التركيبة السكانية، وقبل ثلاثة أسابيع أدركت أنه ليس لدينا نحن الآباء مستقبل هنا أيضاً، وفي النهاية سأقنعها"، وامتلأت الصفحة باعلانات سماسرة العقارات الاسرائيليين في أوروبا الذين يعرضون شقق سكنية للبيع والايجار، وعلى منصة اكس وتحت عنوان "راحلون من البلاد" يتحدث الاسرائيليون عن تدهور الأوضاع الأمنية وعدم ثقتهم بالحكومة والجيش والشرطة، التي دفعتهم للهجرة، وقد وجه الكاتب الاسرائيلي في صحيفة هآرتس (آري شبيت)رسالة للمستوطنين يقول فيها: "لا طعم للعيش في هذه البلاد ولا للكتابة في هآرتس، يجب توديع الأصدقاء والانتقال إلى فرانسسكو أو برلين أو باريس، يجب النظر بهدوء ومشاهدة دولة اسرائيل وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة".
ورغم ذلك يبدو أن تكتماً مقصوداً عن واقع مغادرة اليهود من (اسرائيل) في الأيام السابقة، مع محاولة جهات رسمية معنية اخفاء المعلومات عن الجمهور.
الهجرة اليهودية المعاكسة متوقعة وحتمية، فالمحتلون والمستوطنون لا ينتمون لهذه الأرض (فلسطين)، ومن البديهي أن يبحث اليهودي الفاقد للرفاهية المادية والأمنية عن سبيل للعودة إلى بلده الأصلي، أو السفر بلا عودة نحو أماكن ودول أخرى تحقق لهم مستوى العيش الذي يرغبون به، وما هجرتهم بالآلاف، إلا اعترافاً عملياً بأنهم لم يجدوا الرخاء والأمان والسمن والعسل الذي وعدتهم به المنظمة الصهيونية، لفقدانهم مبدأ الولاء والانتماء. ولإدراكهم عمق انتماء الشعب الفلسطيني لأرض وطنه التاريخي، وأن قوة اسرائيل المسنودة بكل قوة الدول الاستعمارية لم تفلح بزحزحته عن أرضه، ولن تقوى على دفعه نحو نكبة أخرى بعد استخلاصه العبرة من نكبة سنة 1948.
لم ولن يتوقف نضال الشعب الفلسطيني لانتزاع حقه التاريخي والطبيعي والعودة الى أرض وطنه فلسطين، فمنذ إدراكه لأهداف وأبعاد المشروع الاستعماري الصهيوني، قاوم مخططات وعمليات التهجير، وبقي صامداً ثابتاً متجذراً في أرضه، واستطاع تفريغ الكذبة الاستعمارية الصهيونية القائلة:" فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" من مضمونها، وفنّد كل الادعاءات التي جندت لها المنظمة الصهيونية كل وسائل التزوير والتحريف وشطب الحقائق على الأرض، عبر عقود من الكفاح والنضال بإرادة وطنية، متبعاً الأساليب المشروعة إنسانياً وقانونياً، ورغم المجازر والجرائم الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني التي بدأت قبل إنشاء منظومة الاحتلال، فالشعب الفلسطيني استطاع عكس اتجاه وأهداف المخطط بتهجير الشعب الفلسطيني، ونقل الأزمة الى مركز مجتمع الاحتلال، حتى اختل الشعور بالأمن والأمان لدى الغالبية العظمى من اليهود الذين تم اقتلاعهم من مواطنهم الأصلية وجلبهم الى فلسطين، واستطاع الشعب الفلسطيني الذي يدافع عن حقه في الحياة في أرض وطنه التاريخي دفع دولة الاحتلال نحو واقع هجرة، ليس للشعب الفلسطيني، وإنما هجرة يهودية اسرائيلية عكسية، من"اسرائيل" الى مواطنهم الأصلية أو إلى بلدان يحملون جنسيتها،ولا يستبعد أن تتسع ظاهرة الهجرة العكسية في ظل فقدان الأمن والأمان، وتصاعد التوتر الأمني مع الفلسطينيين، الأمر الذي وضع رؤوس حكومات منظومة الاحتلال الاسرائيلي، ورؤوس أجهزتها الأمنية في أزمة معقدة المخارج.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: السابع من أکتوبر من الإسرائیلیین الشعب الفلسطینی فی أرض
إقرأ أيضاً:
أحمد ياسر يكتب: هل نرى اتفاقا أمريكيا سعوديا بدون إسرائيل؟
لسنوات، كانت الخطوط العريضة لصفقة رائدة مُحتملة تشمل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وإسرائيل معروفة جيدًا.
كلف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فريقًا بمتابعة هذه الصفقة حتى قبل تنصيبه، ما يشير إلى المكانة العليا لاتفاقيات "إبراهيم" بين أولويات إدارته.
لكن الرياح السياسية المتغيرة بشكل كبير في إسرائيل والمملكة وبين الفلسطينيين قد تعني أن المملكة العربية السعودية تواصل الضغط من أجل نوع مختلف من الاتفاق بين الرياض وواشنطن فقط.
كان من شأن الاتفاقية التي كانت قيد المناقشة مع إدارة بايدن أن تضمن فتح الولايات المتحدة صمام مبيعات الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية وتحافظ على وجود القوات والمعدات لردع أي عمل مدعوم من إيران ضد المملكة.
كما كان من شأنها أن تبدأ شراكة أمريكية سعودية لتطوير برنامج الطاقة النووية المدنية للمملكة العربية السعودية (كان التخصيب لا يزال نقطة نقاش) والتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الناشئة.
بدا أن هذه المناقشات خالية بشكل غريب من الفوائد للولايات المتحدة، من الفوائد التي تم الترويج لها إلزام المملكة العربية السعودية بشراء منصات أسلحة من الولايات المتحدة بدلاً من الصين.
ومع ذلك، لا يتطلب تحقيق ذلك التزامًا بوجود قوات أمريكية في المنطقة ولا برنامجًا نوويًا مشتركًا، بل يتطلب فقط موافقة الولايات المتحدة على مبيعات أسلحتها الخاصة وتسريع عملية مبيعاتها العسكرية الخارجية البطيئة للغاية.
ويرجع سبب هذا الاختلال إلى أن الولايات المتحدة رأت أن الجائزة الكبرى هي تطبيع العلاقات السعودية مع إسرائيل، الأمر الذي من شأنه أن يفتح الباب أمام مشاريع التكامل الاقتصادي والاجتماعي في جميع أنحاء الشرق الأوسط وجنوب آسيا وأجزاء من جنوب شرق آسيا وأفريقيا.
مع تولي "ترامب" منصبه، وانخراطه بقوة في صفقات السياسة الخارجية على عدد من الجبهات، تغير السرد حول ما إذا كانت رئاسة ترامب يمكن أن تُسفر عن اتفاقية أمنية أقوى مع المملكة العربية السعودية تتضمن مطالب باهظة من المملكة ولكنها لا تشمل التطبيع مع إسرائيل.
نعم، من الممكن أن يتمكن ترامب من تأمين مثل هذه الصفقة، ولكن هل ينبغي له ذلك؟
ستكون العلاقة الأمريكية السعودية الأقوى مفيدة لكلا البلدين في مجموعة من القضايا والقطاعات، لكن التحالفات تعني ضمناً المسئولية المتبادلة، لا تطلب المملكة العربية السعودية ما يعادل ضمانات الأمن المنصوص عليها في المادة 5 من حلف شمال الأطلسي، لأن مسئولية الدفاع عن الولايات المتحدة ستقع على عاتق الرياض.
من الناحية المثالية، تود المملكة العربية السعودية أن تضمن الولايات المتحدة أمنها، لكنها لا تريد الالتزام بدعم أمن الولايات المتحدة أو اتخاذ خيارات صعبة بشأن الصين، سيتعين على الأخيرة أن تتغير.
بدون التطبيع مع إسرائيل، تتطلب الاتفاقية المقترحة سابقًا مع المملكة العربية السعودية الكثير ولا تقدم سوى القليل، ستحتاج الصفقة إلى تحسين. فيما يلي:
(أولا) كسب دعم سعودي أكبر للسياسة الأمريكية تجاه إيران.
في حال عدم التطبيع، يجب مطالبة المملكة العربية السعودية بالتوقف عن استخدام خطاب حول إيران أو إسرائيل يُثير أي لبس حول ولاءات المملكة، على سبيل المثال، في قمة جامعة الدول العربية التي عُقدت في نوفمبر تحدث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن ضرورة احترام الجهات الفاعلة الدولية.. ربما كان يقصد “إسرائيل والولايات المتحدة” لوحدة أراضي إيران، تُمثل مثل هذه التصريحات رسالة إلى واشنطن مفادها أن عدم وجود اتفاقية دفاعية أمريكية سعودية مُحسّنة يدفع الرياض أكثر نحو طهران كإجراء احترازي، يجب أن يتطلب الضمان الأمني الأمريكي اختيار جانب بشكل لا لبس فيه.
يجب تشجيع انفراج المملكة العربية السعودية مع إيران لصالح الاستقرار الإقليمي، ولكن لا ينبغي أن تتعمق العلاقة بأي شكل من الأشكال يُعرّض الجيش أو الاقتصاد الأمريكي للخطر.
"السلام البارد" جيد ما لم تُوقّع إدارة ترامب اتفاقًا مع إيران، أي اقتراح بأن انفراج المملكة العربية السعودية مع إيران يخلق فرصة للمملكة للعمل كوسيط في المحادثات الأمريكية الإيرانية المحتملة هو مغالطة؛ لن تثق إيران بالسعودية في لعب هذا الدور.
بما أن مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية غير معروف، فإن مطالبة السعودية بشأن سياستها تجاه إيران يجب أن تكون ذات شقين:
في حال استلزم الأمر عملاً عسكرياً أمريكياً ضد إيران، يجب أن ينص اتفاق أمريكي سعودي على أن المملكة ستسمح باستخدام مجالها الجوي وقواعدها وموانئها وغيرها من الآليات اللوجستية للعمليات العسكرية الأمريكية.
لثني القيادة السعودية عن الانخراط في سلوك محفوف بالمخاطر تجاه إيران، يجب أن يتطلب الضمان الأمني الأمريكي للمملكة العربية السعودية أيضاً مشاركة سعودية في اللعبة العسكرية.
ربما ينص الاتفاق على أن المملكة ستدعم أي عمليات عسكرية أمريكية للدفاع عن المملكة العربية السعودية بمستوى معين من القوات والمعدات والتمويل.
(2) إذا أبرم ترامب اتفاقاً جديداً مع إيران، يجب على الولايات المتحدة أن تطلب من السعودية التعهد بدعم الخطة الأمريكية لدحر البرنامج النووي الإيراني وشبكة وكلائها.
قد تطلب مثل هذه الصفقة من السعودية الاستثمار في إيران، وهو أمر من المرجح أن يكون موضع ترحيب في الرياض، وتمثل إيران سوقاً كبيرة محتملة للمنتجات بما في ذلك الألومنيوم والأسمدة القائمة على الفوسفات ومشتقات البتروكيماويات المكررة التي لا تملك إيران التكنولوجيا اللازمة لإنتاجها، وحتى التمور الفاخرة.
(ثانيًا) إذا أبرمت إدارة ترامب اتفاقًا مع إيران، فإن إمكانية طرح النفط الإيراني في السوق الرسمية ستؤدي إلى انخفاض سعر البرميل، ما لم تحدث اضطرابات عالمية أخرى في سلسلة التوريد.
وبينما يتعارض هذا مع الأهداف الاقتصادية للمملكة العربية السعودية، إلا أنه قد يُعوّض عنه احتمال إقامة مشاريع مشتركة سعودية - إيرانية لتطوير صناعات الاستخراج والتكرير الإيرانية لعدد من المنتجات.
وربما تحمل زيارة دونالد ترامب المُرتقبة للسعودية خلال شهر أبريل أو مايو القادمين الكثير من المفاجآت، وستكون هذه أول رحلة خارجية له منذ عودته إلى البيت الأبيض.