نجاة عبد الرحمن تكتب: المناخ والنزاعات المسلحة
تاريخ النشر: 20th, December 2023 GMT
لم تعد التهديدات العسكرية التقليدية وحدها هي التي تستحوذ على اهتمام المجتمع الدولي، بل اتسع نطاق التهديدات الأمنية ليشمل في الآونة الأخيرة تغير المناخ باعتباره تهديداً أمنياً عالمياً يمكن أن تتجاوز تداعياته وتأثيراته ما قد تنتجه الحروب التقليدية بين الدول، نتيجة للتحولات والتغيرات التي طرأت على أجندة الأمن العالمي خلال العقود الماضية
وتزامن انطلاق مؤتمر "كوب28" في دولة الإمارات، مع حالة من الغليان غير المسبوق، سواءً على صعيد القضايا المرتبطة بتغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة -وهو ما عبّر عنه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في يونيو الماضي، بأن "عصر الاحتباس الحراري قد انتهى وحل عصر الغليان العالمي"
نتيجة تزايد حدة النزاعات المسلحة والحروب في منطقة الشرق الأوسط والعالم، منها المواجهات العسكرية التي شهدتها السودان، منذ بداية عام 2023 والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فضلاً عن استمرار التداعيات الناجمة عن الحرب الأوكرانية الروسية.
أثارت تلك الحروب التساؤلات حول تأثير الحروب على المناخ، في حقيقة الأمر يمكن أن تؤدي التغيرات المناخية المتسارعة إلى تصاعد النزاعات والحروب الداخلية، خاصةً في المناطق الأكثر حرارة وجفافاً، مما يؤدي إلى ندرة الغذاء والمياه، وينجم عنه تأجيج الصراعات القبلية والحروب الأهلية. وتُعد منطقة الساحل وغرب إفريقيا من بين أكثر المناطق المُعرضة للتأثيرات من هذا النوع.
ولا شك في أن ارتفاع وتيرة الحروب بأشكالها المختلفة سواءً بين الدول وبعضها أو الحروب الأهلية، تقود لتفاقم الأزمات ومن بينها الذي يرتبط بتغير المناخ. من هنا، يمكن أن تؤدي الحروب والصراعات المسلحة إلى تفاقم أزمات المناخ، وقد يكون اندلاعها نتيجة للظواهر المناخية المتطرفة.
ولا ننكر ان حالة العسكرة التي تسيطر على التفاعلات الدولية، وعودة الحروب التقليدية بين الدول، مع استمرار وتجدد الصراعات المسلحة في الشرق الأوسط؛ اثر في أزمات المناخ، حيث أصبحت العِلاقة بين الحروب والمناخ تحتل مساحة أكبر مما كانت عليه في العقود الماضية، وهو ما يستدعي الوقوف على تأثير الحروب في المناخ
فالحد من القدرة على التكيف المناخي: تؤدي الحروب والصراعات المسلحة إلى ضعف قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع التغيرات المناخية والحد منها، وهذا ما أكده تقرير صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر في يوليو 2020، الذي توصل إلى أنه من بين الــ25 دولة الأكثر عُرضة لتغير المناخ، توجد 14 دولة غارقة في الصراعات.
ويُرجح أن تؤدي الحرب الأوكرانية الروسية و العدوان على غزة، إلى تقويض قدرة البلدين على الاستجابة للتغيرات المناخية في مرحلة ما بعد الحرب، بعدما تسببت الأداة العسكرية في تدمير البنية التحتية الحيوية، ومنشآت الطاقة، والإضرار بالمساحات الخضراء وغيرها من التأثيرات السلبية. ولعل الفيضانات التي حدثت في ليبيا في سبتمبر الماضي و الزلزال الذي تعرضت له سوريا في فبراير الماضي، وانتج عنهما من تأثيرات، يشير إلى عدم جاهزية الدول التي تشهد صراعات مسلحة للتعامل مع التغيرات المناخية.
وتُعد المؤسسات العسكرية من بين أكثر المساهمين في تغير المناخ؛ نظراً للاستخدام الكثيف للوقود الأحفوري سواءً في العمليات العسكرية أم التدريب، وفقا لتقرير صادر عام 2022 عن منظمة علماء من أجل المسؤولية العالمية، ومرصد الصراعات والبيئة، فإن البصمة الكربونية العسكرية تُقدر بنحو 5.5% من الانبعاثات العالمية، ما يعني أن جيوش العالم لو كانت دولة، فإنها ستحتل المرتبة الرابعة عالمياً في انبعاثات الكربون. ويمكن أن تكون مساهمة الجيوش في انبعاثات الكربون أكثر من ذلك، في ضوء اعتبارين رئيسين: يدور الأول حول مبدأ أن الجيوش غير ملزمة بالإفصاح عن انبعاثاتها أو خفضها، في حين ينطلق الاعتبار الثاني من فكرة أن القوات المسلحة للدول حتى ولو أعلنت انبعاثاتها، فقد تكون البيانات المعلنة جزئية أو غير مكتملة. ويبدو أن هذه البصمة آخذه في الارتفاع، خاصةً في ظل استمرار الحرب الأوكرانية، وإطالة أمد الحرب في غزة، بجانب استمرار دورات الصراع المسلح في مناطق مختلفة من العالم.
ويمكن أن تُجّبر الحروب والصراعات المسلحة الدول على إعادة ترتيب أولوياتها، وتقديرها لحجم التهديدات والمخاطر، بحيث تمنح التهديدات الناجمة عن اندلاع الحروب باعتبارها قصيرة الأجل الأولوية مقارنة بالتهديدات المتعلقة بتغير المناخ. انطلاقاً من تلك الرؤية، ستؤثر الحروب بالسلب في الاستجابة الفعالة للتهديدات المناخية، وذلك في ضوء جملة من الاعتبارات من بينها توجه الدول لزيادة الإنفاق الدفاعي ومخصصات الجيوش على حساب المخصصات التي يمكن أن توجه للعمل المناخي. وهذا ما انعكس بصورة مباشرة على الإنفاق العسكري العالمي عام 2022، الذي وصل إلى 2.24 تريليون دولار، كما شهدت أوروبا أكبر زيادة سنوية في إنفاقها الدفاعي منذ ثلاثة عقود. من ناحية أخرى، قد تدفع الحروب وما ينتج عنها من أزمات اقتصادية، الدول الغنية لإعادة النظر في تمويل المبادرات المناخية للدول الفقيرة أو على أقل تقدير ستؤثر في وفاء الدول المتقدمة بالتعهدات المالية - 100 مليار دولار سنوياً- للدول الفقيرة المتضررة من تفاقم الكوارث الناجمة عن تغير المناخ. حتى في اليوم التالي للحرب، سيكثف المجتمع الدُّوَليّ والدول التي تعرضت للحرب جهودهم لإعادة الإعمار والتعافي، ما قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام بقضايا مواجهة التغيرات المناخية، وهو ما ستفرضه الأولويات في هذا التوقيت.
ويمكن أن تنعكس حالة الاستقطاب الدُّوَليّ الناجم عن المنافسة الجيوسياسية المتصاعدة وتباين وجهات النظر الدولية بشأن ارتفاع وتيرة الحروب وحالة العسكرة، على الجهود الدولية للتعاطي مع التغيرات المناخية. وفي هذا الإطار، ظل التنافس بين الصين والولايات المتحدة عائقاً أمام تبني سياسة تعاونية للحيلولة دون تفاقم تأثيرات تغير المناخ، خاصةً أن البلدين يُعدان أكثر دولتين ملوثتين للبيئة في العالم. وعلى الرغم من الاتفاق بين بكين وواشنطن في منتصف نوفمبر 2023 على تعزيز التعاون بينهما، فإن ثَبات الاتفاق أو تحويله إلى ممارسة فعليه يمكن أن يصطدم بحالة المنافسة الجيوسياسية بين القوتين. من ناحية أخرى، يُرجح أن تؤثر حرب غزة في التعاون بين إسرائيل والدول العربية في قضايا المناخ. ففي نوفمبر 2022، اتفقت الإمارات والأردن وإسرائيل على التعاون في مشروعات الطاقة النظيفة وتحلية المياه المستدامة، بينما أدى اندلاع حرب غزة دفع الأردن إلى إعلان أنها لن توقع اتفاقية المياه والطاقة مع إسرائيل. ما يعني أن الحروب قد تكون سبباً مباشراً في تعزيز الفجوة الدولية في الاستجابة للتغيرات المناخية.
ما يعنى انه يمكن أن تؤثر الحروب في الأجندة الدولية والتحول العالمي في مجال الطاقة النظيفة، وهو ما أفرزته الحرب الروسية في أوكرانيا. فمع توظيف موسكو ورقة الغاز الطبيعي كسلاح في حربها مع الغرب، ولمواجهة نقص الغاز الروسي في السوق الأوروبية، لجأ عدد من الدول داخل الاتحاد الأوروبي لتمديد أو إعادة فتح محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، وذلك بعد إغلاقها استجابة لسياسات التحول للطاقة النظيفة. من ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي الارتفاع غير المسبوق في أسعار الطاقة عقب الحرب الأوكرانية، إلى تعزيز جهود الاستثمار في تطوير حقول النفط والغاز الطبيعي، وجميعها أهداف لا تصب في صالح التحول إلى الطاقة النظيفة بعيداً عن الوقود الأحفوري.
تسببت الحروب في تلويث البيئة بصورة كبيرة، خاصةً الحروب التي تندلع داخل المدن، نتيجة إلقاء القنابل والعبوات والقذائف إلى إحداث إضرار كبيرة بالبيئة، نتيجة ما تحدثه من تدمير للحقول والغابات والتربة الزراعية وغيرها من التأثيرات البيئة.
وهذا ما أكدته، نائبة وزير البيئة الأوكراني، فكتوريا كيرييفا، على هامش "كوب28"، يوم 4 ديسمبر الجاري، حيث قالت إن الحرب مسؤولة عن 150 مليون طن من انبعاثات مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
من ناحية أخرى، ومع استمرار الحرب في غزة يُرجح أن يزداد تلوث البيئة أكثر، فخلال الخمسة والأربعين يوماً الأولى للحرب أسقطت إسرائيل أكثر من 22 ألف قنبلة على القطاع، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في 10 ديسمبر الجاري.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: التغیرات المناخیة الحرب الأوکرانیة الصراعات المسلحة من ناحیة أخرى تغیر المناخ الحروب فی یمکن أن وهو ما من بین
إقرأ أيضاً:
نيوزويك: هكذا تستعد أوروبا لعصر ما بعد الولايات المتحدة
أكد تقرير نشرته مجلة نيوزويك الأميركية أن الدول الأوروبية تعمل على تعزيز قدراتها الدفاعية ووضعت خططا لتقليل اعتمادها العسكري على واشنطن خلال العقد المقبل، وسط مخاوف متزايدة بشأن التزامات الولايات المتحدة اتجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي هذا السياق شهدت أوروبا زيادة غير مسبوقة في الإنفاق العسكري، إذ ارتفع بنسبة 12% في 2024 وفقا لما نقله التقرير عن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، غير أن الإنفاق الأوروبي لا يزال يمثل "أقل من ثلث إجمالي ميزانية الدفاع لحلف الناتو" توضح المجلة.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2تايمز: هل ينجو هيغسيث ووالتز من فضيحة سيغنال؟list 2 of 2هآرتس: الحرب المتجددة على غزة هدفها ترحيل سكان القطاعend of listولفتت كاتبة التقرير ومراسلة الأمن والدفاع بالمجلة إيلي كوك إلى تفاوت الإنفاق في القارة، حيث خصصت بولندا ودول البلطيق أكثر من 3% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، بينما لم تصل دول أخرى مثل إسبانيا وإيطاليا إلى الحد الأدنى المطلوب داخل الحلف، وهو 2%.
جهودوأكدت رئيسة الوزراء الدانماركية مته فريدريكسن على الحاجة الملحة لرفع القدرات الدفاعية قائلة إن "هناك رسالة واحدة لقائد الجيش: اشتروا اشتروا اشتروا لا يهم إن لم تكن المعدات هي الأفضل، بل الأهم هو السرعة"، حسب التقرير.
وإلى جانب زيادة الإنفاق، تعمل بعض الدول على رفع عدد جنودها، وفق التقرير، وقد كشفت مصار إعلامية هولندية أن "الجيش الهولندي يخطط لزيادة عدد أفراده من 74 ألفا إلى 200 ألف بما يشمل الجنود وقوات الاحتياط".
إعلانوأشار التقرير كذلك إلى إعلان رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، عن خطة لتدريب "100 ألف متطوع سنويا بحلول 2027″، للوصول إلى جيش قوامه 500 ألف جندي، أي أكثر من ضعف حجمه الحالي.
تحصينات حدوديةبالتوازي مع زيادة أعداد الجيوش، تقوم الدول الأوروبية المحاذية لروسيا بتحصين حدودها بشكل غير مسبوق، إذ وقّعت لاتفيا وليتوانيا وإستونيا في 2024 اتفاقية لتعزيز الدفاعات الحدودية مع روسيا وبيلاروسيا، وذلك عبر "شبكة من المخابئ ونقاط الدعم وخطوط التوزيع"، بحسب وزير الدفاع الإستوني، هانو بيفكور.
وأضاف التقرير أن بولندا أطلقت مشروع الدرع الشرقي بتكلفة تفوق 2.5 مليار دولار، لوضع دفاعات على حدودها مع بيلاروسيا ومنطقة كالينينغراد الروسية، في أكبر عملية تحصين حدودية منذ الحرب العالمية الثانية.
تأهيل المواطنينوذكر التقرير أن جهود أوروبا تضمنت تأهيل مواطنيها لمواجهة الأزمات، ولفت إلى أن السويد نشرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 كتيبا تفصيليا حول كيف يمكن للسكان الاستعداد لحالات الحرب والطوارئ، وبالتحديد "ما تعنيه حالة التأهب العالية، وكيف يمكن لكل فرد المساهمة في المجهود الحربي".
وفي خطوة مماثلة أشار إليها التقرير، أصدرت النرويج دليلا لمواطنيها حول كيفية التعامل مع "الظروف الجوية القاسية والأوبئة والحوادث وأعمال التخريب، وفي أسوأ الحالات الحروب".
أما فنلندا، فلديها بالفعل دليل عام حول كيفية التعامل مع "أسوأ السيناريوهات، بما في ذلك الحرب"، مما يعكس إدراك الدول الأوروبية لضرورة التأهب لأي طارئ.
وحذر التقرير من أن الاستقلال الدفاعي الكامل عن الولايات المتحدة لا يزال تحديا معقدا يتطلب من "5 إلى 10 من الإنفاق الدفاعي المتزايد"، إلى جانب تعاون غير مسبوق بين الدول الأوروبية لضمان أمن القارة في غياب دور أميركي قوي داخل الناتو.