سمير الهنائي

أنا على يقين بأنَّ العدوان غير المسبوق وتكالب قوى الشر على غزة بعد إبادة الآلاف من الفلسطينيين وفي مذبحة جماعية فريدة من نوعها عبر تاريخ احتلال فلسطين والتي دعمتها القوى الإمبريالية هذه المرة بشكل علني وفوري هو بمثابة لحظة تاريخية فارقة، نعم لم ينتهِ العدوان على غزة ولكن المقاومة انتصرت كمعادلة هنا.

ومهما كانت الضريبة فهو الاستثناء بين دبابة محتل وبين بندقية ثائر، وبالإيمان وحده يقاوم الفلسطينيون من اغتصب أرضهم فانتصروا وسينتصرون أمام كل هذه التحالفات العظمى العملاقة رغم حجم البندقية وغصن زيتون الفلسطيني لكي يُجلي آخر صهيوني من على الأرض، وفي هذه الإبادة لم ينكشف وجه الغرب القبيح فحسب بل كُشفت وجوه "العربي المتخاذل" ووجه المتواطئ والمتصهين معًا، وما كان مؤلمًا هنا هو أن يكون الإنسان الغربي أكثر نخوة لنصرة أهل غزة تنديدًا وتظاهرًا ضد المحتل وداعميه، بينما اكتفينا نحن بمشاهدة برك الدماء والجثث من خلف الشاشات وتوارينا بعيدا عن الساحات والميادين إلا القليل ممن رحم الله في الأمة .

أيها القارئ العزيز؛ اسمح لي هنا أن أقدم وجهة النظر حول مسببات الصمت العربي وأنا أشعر بالخجل من هذا التخاذل المؤسف، فصمتنا نحن العرب نحو القضية تحصيل حاصل وهذا الضعف العربي والشعبوي تحديدا ما كان ليتحقق لولا ما صنعته قوى الاستعمار في تحويل الشعوب العربية لأفواه تأكل ولا تنتج، وعقول تسرح ولا تفكر وأجيال تتعلم ولكنها لا تبدع وعلماء ذوي مخرجات علمية ولكنها مكبوتة فكرياً، ومثقفين نسخ ولصق، وإعلام /صحافة للتجهيل وفنون منحطة، والثقافة باتت معلبة ولا تقوم سوى بنشر وطباعة الكتب التي لا تعنى بالمعرفة؛ بل وصل البعض منها للتفاهة والخواء في مختلف المجالات، فتمنح الشعوب الغذاء والماء مقابل حرية الفكر والتعبير فقامت الأنظمة الفاسدة بعسكرة الدولة وتعميق الفوبيا الأمنية ومن ثم تعزيز القمع، بدءًا من نشر التخلف وتوظيف الدين في خدمة السياسة ومن ثم إشغال الأجيال والأطفال بالتكنولوجيا السلبية والعمل على غرس المناهج التعليمية البسيطة والمحدودة التي يذهب من خلالها الطالب كل صباح ليلقنها له المعلم من الكتب حتى يبلغ الثانوية العامة ويجتهد ليقدم امتحانات من داخل صندوق المناهج ويمتحنها بعد إعادة تدويرها ليحصل على علامة جيدة أو ممتازة لتؤهله إلى كلية الطب أو الهندسة مثالا، ويستمر داخل نفس الحلقة تلقين من ثم تخزين للمعلومة ويسلمها للعقل دون تفاعل فقط "الحفظ"حتى موعد التخرج.

لقد ساعدت القوى الغربية والمهيمنة على صناعة وبرمجة الشعب العربي ثقافيا وعلميا وفكريا وما وصل إليه اليوم من انكسار وضعف.. كان ذلك كله بدعم الدبابة الغربية ولقد حكموا المنطقة بصورة مثالية ونجحوا.

وقبل أن أختم هذا المقال أقولها بصرخة عربي وبقلم عربي حالم لن نفلح في شيء نحن معشر العرب دون الثقافة وتعميق الوعي السياسي في مجتمعاتنا، وبهذا سيعود العرب للمجد والقوة حينها فقط يستطيع العالم العربي أن ينطق الحق ويقف ضد الظلم والطغيان ويواجه بقوة وإيمان لرفعة العدل والحق والكرامة، وحينها فقط سيكون قادرا على تحمل كلفة الدم والروح.

أما الآن ناموا وقبل النوم عليكم أن تنجبوا جيلًا لا أقول ثوريًا أو قساميًا؛ بل قارئًا، لكي يعرف من أين يبدأ الطريق إلى الحرية والكفاح.

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

الخرطوم صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب

” يا الخرطوم يا العندي جمالك جنة رضوان
طول عمري ما شفت مثالك
فى إي مكان
أنا هنا شبيت يا وطني
زيك ما لقيت يا وطني
فى وجودى أحبك وغيابي
ياحليلك ويا حليل أيامك ”
ويا حليل ، تلك الغنائية الممتلئة بنغم الشجن المضئ ، الذي أودي بالمطرب الفنان ” سيد خليفة ” ملتقط الفرائد من النصوص الغنائية ، فأسكرته حتى جعل منها منبعا من منابع الإنتماء الوطني الخالص من عصبيات الإيدولوجيات المقيتة الخانقة للبراءة .
ترى أي شاعر من الشعراء إستطاع أن يولد من جوانيته تلك المعاني الباذخة في الحنين إلى الوطن ؟
قطعا لغير العارفين قد يترائى إليهم أنها لشاعر سوداني !
لا والله .
بل هي لشاعر مصري أصيل ، اسمه إبراهيم رجب ، صدق القول ، وأحسن الوصف فبهر .
عاش إبراهيم رجب في الخرطوم سنوات من عمره ،
مدرسا ضمن هيئة المدرسيين التابعين للبعثة المصرية التعليمية في السودان أوان ذاك .
مصر المعرفة والحب ، علاقة السوداني بها كعلاقة الروائي الطيب صالح الذي قال :
” علاقتي بمصر ، وعلاقتي بالقاهرة بالذات ، ولا تزال كغيري من السودانيين علاقة تستند إلى الأزمنة التي تختزلها ، وإلى قياس الإمتدادات التي مثلتها وتمثلها بالنسبة إلى كل الأقطار العربية الأخرى ”
وهل غير النبلاء ” المشاؤون على صراط الجمال ”
من يقدرون على الوفاء ؟
وأي شاعر رائع من غير أبناء النيل يمكن أن يقول عن الخرطوم :
( كانت أيام يا وطني
زى الأحلام يا وطني
بتذكر فيك عهد صبايا
على شاطئ النيل
حبيبى جالس حدايا
أسمر وجميل
انا بفخر بيك يا وطني
بالروح افديك يا وطني )
فكيف انتمي إبراهيم رجب إلى الخرطوم ، ليصفها بوله يشبه وله التجاني يوسف بشير الذي قال في حبها :
” ضفافُها السحريّة المورقة
يخفق قلبُ النيلِ في صدرها
تحسبها أغنيةً مطرقة نَغّمها الحسنُ على نهرها ” ..
أن ينتمي المرء إلى هذا الوطن البعيد المنال – كما جاء في تعبير الطيب صالح – ذلك أمر عسير :
” أن تكون سمعت زغاريد النساء في الأعراس ،
ورأيت انعكاسات الضوء على وجه النيل وقت الشروق ووقت الغروب .
أن تتذكر تمر القنديل أول الموسم ،
ولبن البقر الغريض ، ورغوته ، معقودة عليه في الحلابات ، ذلك أمر عسير ) .
سادتي !!
وهل وقف حب شاعر غير سوداني للخرطوم عند إبراهيم رجب فقط !
لا ابدا والله !
وإليك يا قارئي أبيات من قصيدة أخرى للشاعر العماني ” علي بن سهيل حاردان – رحمه الله وغفر له – وهو شاعر لا يعرفه غالب الجمهور من السودانيين . إلا أنه شاعر كبير في عمان ، وصوت شاهق من أصوات الحركة الثقافية في موطنه .
قال عن سيرته الذاتية :
” سيرتي مكتوبة على جدران قلبي ،
من أراد أن يعرفها فليقرأ جدران قلبي بتمعن .
حزبي هو انتمائي إلى خير أمة .
وشعاري من أراد أن تكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ” ..
وقال في قريض خاص عن الخرطوم :
” سمراء أدري هواك كان مشكلتي
وكان أسري ولكن كان منطلقي
وكان خارطتي طرا وأشرعتي
منجى من التيه والذوبان والغرق
وكان بأسي ذا المزروع في جسدي
حقلا من الصبر بل نهرا من الدفق
حتى توحدت بالنيلين مثلهما
غسلت أقدامك الطهراء بالعرق
أنا ونيلاك ، والعشاق ما تعبوا
سعيا إلى الوصل ، خضنا كل مفترق ”
هكذا يركض على بن سهيل من عمان إلى الخرطوم ، والزمن فرس رهان لا يزل له قدم حتى يبلغ نهاية الشوط ويناجي :
” كوني كما أنت يا سمراء أنّ لك
عمرا نغذيّه بالأعمار فانطلقي
زيدي احتراقاتنا احتلي الصّبا أبدا
زيدي احتراقاتنا نزداَد في الألق
نزداد كبرا إذا أشرقت سافرة
زهوا بقاماتنا هزءا بمرتزق
طالي السّماء بنا في كل مئذنة
في كل أغنية في كل معتنق ”
ابن سهيل الشاعر الشاعر العماني كأني به هنا في صورة البروفيسور عبد الله الطيب :
” وحيا الله بالخرطوم روضاً
بحيث تعانق النيلان نيلا
يميناً إن بين شعاب قلبي
لعبئاً من فراقكم ثقيلاً ”
وشهادات شعراء العرب عن الخرطوم تترى ، ليبرز الشاعر السوري الكبير نزار قباني ، بل يقر ويعترف أنه ما تعرّف على شعره ، والنيل إلا في الخرطوم فيقول :
” نصف مجدي محفور على منبر لويس هول والشابل في الجامعة الأمريكيّة في بيروت ، والنصف الآخر مُعلق على أشجار النخيل في بغداد ، ومنقوش على مياه النيلَين الأزرق والأبيض في الخرطوم ، طبعًا هناك مدن عربيّة أخرى تحتفي بالشعر وتلوح له بالمناديل ، لكن بيروت وبغداد والخرطوم تتنفس الشعر وتلبسه وتتكحّل به ، إن قراءتي الشعريّة في السودان كانت حفلة ألعاب ناريّة على أرض من الرماد الساخن ” ..
ويقرأ نزار قباني خيرية السودان ويقول مستدراكا :
” في ” دار الثقافة ” في أرض أم درمان ، كان السودانيون يجلسون كالعصافير على غصون الشجر ، وسطوح المنازل ، ويضيئون الليل بجلابياتهم البيضاء ، وعيونهم التي تختزن كل طفولة الدنيا وطيبتها ، هذا الذي يحدث لي ولشعري في السودان شيء خرافي ، شيء لم يحدث في الحلم ولا في الأساطير ، شيء يشرّفني ويُسعدني ويبكيني ، أنا أبكي دائمًا حين يتحوّل الشعر إلى معبد والناس إلى مُصلين ، أبكي دائمًا حين لا يجد الناس مكانًا يجلسون فيه، فيجلسون على أهداب عيوني ، أبكي دائمًا حين تختلط حدودي بحدود الناس ، فلا أكاد أعرف من منا الشاعر ومن منا المُستمع ، أبكي دائمًا حين يصبح الناس جزءًا من أوراقي ، جزءًا من صوتي ، جزءًا من ثيابي ، أبكي لأن مدينة عربيّة، مدينة واحدة على الأقل لا تزال بخير ، والسودان بألف خير ، لأنه يفتح للشعر ذراعَيه ، كما تفتح شجرة التين الكبيرة ذراعَيها لأفواج العصافير الربيعيّة المولد ”
ويضيف نزار قباني قائلا :
” لم أكن أعرف – قبل أن أزور السودان – أي طاقة على السفر والرحيل تملك الكلمات ، ولم أكن أتصوّر قدرتها الهائلة على الحركة والتوالد والإخصاب ، لم أكن أتخيل أن كلمة تكتب بالقلم الرصاص على ورقة منسية قادرة على تنوير مدينة بأكملها ، على تطريزها بالأخضر والأحمر ، وتغطية سمائها بالعصافير .
أشعر بالزهو والكبرياء حين أرى حروفي التي نثرتها في الريح قبل عشرين عامًا تورق وتُزهر على ضفاف النيلَين الأزرق والأبيض.
هذا الذي يحدث لي ولشعري في السودان شيء لا يصدّق ”
تلك هي الخرطوم بعيون نزار قباني .. هي مفترعة ” اللاءات الثلاثة ” في تاريخ الحركة السياسية العربية في مناصرتها للرئيس جمال عبدالناصر سنوات انتكاسته .
كما هي أكثر عواصم أوطان الشعوب المسلمة إصغاء لدقات قلب الأمة ، شدت في أفراح بلدانهم وبكت في أحزانهم ، وغضبت في غضباتهم .
وحسبنا حديثا عن ذلك المعنى ، مقال قديم للبروفيسور علي المك إذ قال :
” الخرطوم بين قريناتها كواسطة العقد وكحسناء الحي كل يشتهي وصلها و” كل يدعي وصلا بليلى” ..
لا السامبا ولا الرمبا تساويها
لا التانغو ولا سوينغو يدانيها
ولا طبل لدى العربان يوم الثار ولا رقص الهنود الحمر حول النار .
ولا هذي ولا تلك ولا الدنيا بما فيها ، تساوي رقصة الخرطوم يوم النصر يا سمرا .
ولا هذى ولا تلك
ولا الدنيا بما فيها
تساوى ملتقى النيلين في الخرطوم يا سمرا ” ..
وعن روافد تكوين الخرطوم ومغذياتها في أوائل النصف الثاني من القرن الماضي ..
قال ” علي المك ” :
” كانت الخرطوم أم المدائن ، بل وعروسها ، تعلمها جامعة الخرطوم والمؤتمر ووادي سيدنا ومحمد حسين والأهلية ..
ويشنف آذانها بذكر الله صديق أحمد حمدون وعوض عمر وعبدالله الطيب ويزلزل منابرها الشريف الهندي والفضلي ونقد الله وعبد الخالق والترابي ” ..
هذه هي الخرطوم يعيدها الجيش إلى أهلها مرفوعة الرأس لعناق ” الأزرق للأبيض ” …
وأخيرًا الخرطوم للجميع.. لجميعِ السودانيين إلا الجنجويدي المغولي اللقيط الذي اتاها غازيًا .
فلن تكون الخرطوم للجنجويد ،
الخرطوم لعشاقها ،
ولن تكون للمسخرين لخرابها .
الخرطوم هي صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب .
د. فضل الله أحمد عبدالله
أم درمان ” حي الواحة ” 31 مارس 2025م
#معركة_الكرامة
#كتابات_سودانية

الدكتور فضل الله أحمد عبدالله

إنضم لقناة النيلين على واتساب

مقالات مشابهة

  • البرلمان العربي يدين اقتحام وزير إسرائيلي المسجد الأقصى
  • حبس سيدة 4 أيام لحيازتها مواد مخدرة قبل ترويجها في الإسكندرية
  • الخرطوم صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب
  • العربي يعبر الساحل في كأس ولي العهد
  • عيد الفطر في مصر طقسًا دينيًا لا يشبه سواه بالعالم العربي والإسلامي.. صور
  • رصد اقتران القمر مع عنقود الثريا بسماء رفحاء
  • ملاحون عرب لم تسمعوا بهم
  • جرائم التحر.ش أول أيام العيد.. طفلة بمنطقة ملاهي أبو النمرس وفتاة بالمعادي
  • الحرس الثوري الإيراني يحتجز ناقلتي نفط في الخليج العربي
  • العيدية في التراث العربي.. من النشأة إلى الزمن الراهن