سلطان بن محمد القاسمي
بدايةٌ جديدةُ، هدفٌ مستقبليٌّ، وتحولاتٌ شخصية.. كلها عناصر ترتبط بالتغيير الشخصي، وإن هذا التغيير هو عبارة عن رحلة متجددة تمر بمراحل متعددة في حياة كل فرد، فهي ليست مجرد مجموعة من الخطوات، بل هي تجربة شخصية تختلف من شخص لآخر، تحمل معها الطموح، والصعوبات، والنمو، كما إنّ كل خطوة نخطوها في رحلتنا نحو التغيير تحمل في طيّاتها قصة فريدة تحمل بذور الأمل والتحديات، وهذه الرحلة ليست مجرد سلسلة من القرارات والتغييرات السطحية، بل هي استكشاف عميق لأعماق ذاتنا، تلك الأعماق التي تحمل القوة والضعف، والأحلام والمخاوف.
وعندما نتحدث عن هذا التغيير، فإننا نستعرض عمق الإنسان وقدرته على التطور والتغير، حيث إن هذه العملية تستند إلى رغبة الشخص في تحسين حياته وتطوير ذاته، والسعي نحو أهدافه الشخصية والمهنية، حيث تبدأ هذه الرحلة بالوعي بالذات، فالإدراك والتفكير العميق في مكونات شخصيتنا يمثلان البداية الأساسية.
وكذلك عندما يصبح الفرد على استعداد للتغيير، ينبغي أن يعي أن هذه العملية تتطلب الوقت والصبر، فالتغيير ليس فوريًا، بل هو مجموعة من القرارات اليومية والجهد المستمر نحو الأفضل، وتعتمد العديد من عوامل التغيير على قدرة الفرد على تحديد أولوياته وتنظيم وقته بشكل فعّال، حيث إنَّ إدراك الأهداف الشخصية وتحديد الخطوات الواجب اتخاذها لتحقيقها يمثلان الطريق للنجاح في هذه الرحلة.
كما إن المثابرة والاستمرارية تلعبان دورًا حاسمًا في هذه الرحلة، فالتحولات الحقيقية تتطلب تفانيا وإصرارًا مستمرين، وقد تواجه الفرد تحديات وعقبات على طول الطريق، ففي هذه اللحظات، يكون الالتزام والتفاؤل أساسين للمضي قدمًا رغم الصعوبات.
إضافة إلى ذلك يمكن أن يكون هذا التغيير عملية صعبة أحيانًا، فالخروج من منطقة الراحة وتغيير السلوكيات السائدة قد يكون تحديًا، ومع ذلك، فإنَّ الانفتاح على التعلم واكتساب المعرفة الجديدة يلعب دوراً كبيراً في تسهيل هذه العملية، حيث يمكن أن يُلهم الفرد من خلال تجارب الآخرين والموارد المتاحة، كذلك فإنَّ الاستعداد للتغيير يستلزم تقبل الصعوبات التي قد تواجهنا في هذه الرحلة، وقد يكون ذلك متعبًا وصعبًا في البداية، فالعادات القديمة تعتبر مألوفة وسهلة، ومن الصعب التخلي عنها، لكن عندما نبدأ بفتح أذرعنا للتغيير ونفتح أذهاننا لاكتساب المعرفة الجديدة، ندرك أنَّ النمو الشخصي يأتي بثمن، وهو ثمن يستحق الدفع.
إنَّ البحث عن المعرفة والتعلم المستمر يمكن أن يُلهمنا ويثير فينا الرغبة في التحسن المستمر، ومن خلال استكشاف تجارب الآخرين واكتساب الحكمة من خبراتهم، نجد أنفسنا نتعلم دروسًا قيمة تعزز فهمنا وتوجهنا نحو النمو وهناك مصادر متعددة للتعلم والإلهام، فمن الكتب إلى الدورات التعليمية، ومن النقاشات مع الآخرين إلى الاستماع إلى قصص النجاح، كل هذه الموارد تعمل على توجيهنا وتزويدنا بالأدوات اللازمة للتغلب على الصعوبات والارتقاء بأنفسنا.
وأخيرًا.. إنَّ هذا التغيير يعد مسارًا للنمو والتطور الدائم، فهو رحلة لا تنتهي، يسعى إلى تحقيق الأفضل في الحياة، وإنها فرصة للفرد لتحقيق توازن أكبر بين جوانب حياته المختلفة، وتحقيق السعادة والتحفيز الدائم.
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
بين قيود الأمس وأفق الغد: عقلٌ يتوق إلى التغيير لكنه يرتجف من الجديد
كانت ليلة مشحونة بالتوقعات، ليس لأنها حملت ميلاد طفلٍ فحسب، بل لأنها حملت معها ولادة أمل أيديولوجي جديد. لم يكن مجرد حدثٍ عائلي، بل أشبه بمؤتمر فكري، جلس الأب، اليساري حتى النخاع، بينما الأم، البعثية، كانت تستعد لاستقبال المولود. لم يكن ثمة خلاف بينهما إلا على الاسم, هل سيكون لينين إكراماً لماركسية الأب، أم ميشيل وفاءً لنضال الأم والأسرة الممتدة؟. احتشد الجميع حول غرفة الولادة. ترقبوا الصرخة الأولى، لكن ما حدث كان أبعد ما يكون عن التوقعات. فتح الطفل عينيه، نظر حوله بتمعّن، كأنه يمسح الساحة السياسية التي جاء إليها للتو، وسط ذهول الجميع، صرخ قائلاً: الجماعة ديل قاعدين؟. التفت الجميع إلى الأب. رفع حاجبيه في دهشة، يحدّق بنظرة فاحصة، كأنه يحاول التأكد إن كان هذا الطفل قد جاء فعلاً من صلبه أم أنه لا يخضع لقوانين الطبيعة، باغتهم الطفل بسؤال ملؤها العتاب، لا يخلو من براءة،: (طيب مارقنّا ليه)؟.
الإشكالية لا تكمن في الخصوم التاريخيين، للطفلٍ وأبويه، أم في الأحزاب، وحركات الكفاح المسلح. بل تتجلى جوهر الأزمة في بنية فكرية أكثر عمقاً، متشبثة بأيديولوجية مغلقة، لا ترى في الحقيقة سوى انعكاسٍ مشوّه لقناعاتها، ولا تتسع للآخر إلا بوصفه نقيضاً. ترى الحقيقة ملكية خاصة لا تقبل القسمة، وتعتبر الرأي المخالف تهديداً، لا مجرد اختلاف في وجهات النظر. الأزمة ليست في الأسماء والمسميات، بل في الذهنية التي تجعل الانتماء لأي عقيدة أو حزب أو فكرة سجناً يحجب استيعاب التنوع. فهل المشكلة في اللاعبين، أم في قواعد اللعبة؟ كيف ننتظر ولادة أفكار جديدة من عقول تأبى المراجعة، وتخشى المساءلة؟ عندها التنوع خطراً، والاختلاف جريمة، والمخالف خصماً ينبغي اجتثاثه، وتبني خطابٍ سياسي أو ديني يمجّد الإقصاء، ويبرّر العنف، متدثراً بثوب المشروعية الزائف، لابد من تبني فكر لا يهاب النقد، بل يستمد منه اتساعه وثراءه، ويتحرر من سجن الأيديولوجيات الجامدة التى لا تتحقق إلا بانفتاح العقل على الأسئلة، وإدراك أن الحقيقة ليست ملكاً لأحد. ومواجهة الذهنية العاجزة عن استيعاب الاختلاف، والتي تؤجج الغضب وتدفع بالمجتمعات نحو الانفجار. الإقصاء، مهما بدا مغرياً لنخبٍ تخشى فقدان امتيازاتها، لا يخلّف سوى مزيدٍ من الانقسام والاحتقان، في دورة مغلقة من التآكل الذاتي.
التورط في مستنقع المحاصصة والعنصرية ليس مجرد خلل سياسي، بل هو داءٌ يقوّض فكرة الدولة ذاتها، فيحيلها من مشروعٍ للبناء إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات، وحين تُختزل السلطة إلى مجرد غنيمة تُقتسم، لا أمانة تُحمل، تتحول معايير الاختيار إلى محض ولاءات، لا كفاءات. فيُقصى أصحاب العقول النيّرة لأنهم لا ينتمون إلى الدوائر المغلقة، ويُقرَّب الأتباع لا لجدارتهم، بل لولائهم الأعمى. هي ذاتها العقلية التى تبدد الموارد في معارك جانبية بدلًا من توجيهها للتنمية، وتُعيد إنتاج الفشل بوجوهٍ جديدة، متناسية أن الشعوب، مهما طال سباتها، تستعيد وعيها وقت يحين أوان الحساب. هذه العقلية لا تدرك ان الزمن لا يرحم والتاريخ لا ينسى، وأن اللحظة التي ينهض فيها الوعي، ولو تأخر، ستكون اللحظة التي يُكنس فيها هذا الإرث البالي، فالشعوب قد تُرهَق، لكنها لا تُهزَم، وقد تُخدع لبعض الوقت، لكنها تأبى أن تعيش في الظل إلى الأبد.
ما لم تتغير العقلية، سيبقى الوطن عالقاً في دائرة مغلقة،. فالأوطان لا تُبنى بالموروثات الفكرية الراكدة، بل بعقول تتجدد، ترى أبعد من حدود المعتاد، وتدرك أن الجمود هو تعطيل لتفعيل برنامج التكليف. كل كائن في هذا الكون خُلق بسعة استيعابية محدودة، كالأجهزة التي نستخدمها بعضها لا يملك قدرة على التحميل (Download)، وبعضها يتفاوت في سعة التحميل. غير أن الإنسان، وحده، هو الكائن الذي مُنح سعة غير محدودة. فكان مؤهلاّ لحمل برنامج الأمانة الذي استعصى على السماوات والأرض والجبال، لا لعجزها المادي، ولكن لأن البرنامج (software) يتجاوز بنيتها وقدرتها على الاستيعاب. وحده الإنسان امتلك السعة التي مكّنته من تحميل برنامج الامانة، ليظل كائناً متفرداً بين المخلوقات، ولكن كم إنسان ظل هذا البرنامج غير مفعل في داخله وبقي بلا أثر، الفارق بين من يعي أمانته ومن يفرّط فيها ليس في التحميل، بل في التفعيل. وإلا فإنه يصبح كحامل للأسفار، مجرد مستودعٍ للمعلومات لا روح فيها ولا إبداع.
العقلية التي لا تدرك أن الزمن ثروة، وتراه عبئاً ثقيلاً يسعى للتخلص منه، تفرط في أعظم ما تملك. وكذلك المنهج العقيم الذي يعجز عن إيقاظ شغف الطالب بالمعرفة، يتحول إلى سجن للفكر، يحشو الأذهان دون أن يفتح أمامها أبواب الاكتشاف. يبقى مجرد تكرارٍ عقيم لا يلامس الوجدان. كم من طالب حفظ نظريات الفيزياء دون أن يلمس في سقوط التفاحة لحظة إلهام، وكم من قارئ طوى آلاف الصفحات دون أن يجد فيها ما يضيء له الطريق. بدون المعرفة، لا يمكننا إعادة بناء مؤسسات قوية تُدار بالكفاءة والنزاهة، لا بالمحسوبية أو الولاءات الضيقة. ويتحول الولاء للأشخاص أو الجماعات دون للوطن. أي تجاوز لهذا الإطار المؤسسي ليس إلا امتداداً للجنجويدية السياسية. حين تُدار العدالة خارج مؤسسة القضاء، وتُقام المحاكمات وفق الأهواء السياسية لا القانون، وحين تشارك الأحزاب في السلطة الانتقالية دون تفويض شعبي، فإنها تمارس نفس الجنجويدية السياسية التي تقوض الدولة بدلاً من أن تبنيها. الإصلاح لا يتحقق بتغيير الوجوه، بل بتغيير القواعد، حيث يصبح القانون هو السيد، وتُدار الدولة بمعايير واضحة لا تخضع للمزاج السياسي أو المحاصصة الضيقة.
ما جدوى الثورات إن بقيت العقول سجينة ماضٍ يأبى أن يفسح المجال للجديد، تتقاذفها دوامة التكرار ويشلّها الخوف من المجهول؟ إن النهضة ليست في عدد الجامعات ولا في وفرة الأبحاث، ولا في اوارق تُكتب ثم تُنسى في أدراج الوزارات، بل في القدرة على التفكير وتحويل الرؤى إلى افعال. لماذا استطاعت أمم كاليابان والصين وسنغافورة ورواندا أن تنهض من تحت رماد الحروب والكوارث، لتصبح أمثلة تحتذى في البناء والتقدّم، بينما نقف نحن عند مفترق الطرق، نُثقِل كواهلنا بجدل عقيم، لا يُفضي إلا إلى معادلة صفرية، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل استنزافٌ مستمر للفكر والوقت والجهد؟ أهو شُحّ الموارد، أم ندرة العقول التي تجرؤ على خوض غمار التغيير بعزيمة لا تعرف الانكسار؟ لا سبيل أمامنا سوى إعادة النظر في أسس تفكيرنا، وإشعال ثورة فكرية تعيد ترتيب الأولويات، وتؤسّس لمشروع وطني لا مكان فيه للتمييز أو الإقصاء، بل يؤمن بأن كرامة الإنسان، أيًّا كان دينه أو لونه أو أصله، هي حجر الزاوية لكل نهضة. فهل نمتلك الشجاعة لكسر قيد الانقسامات ورؤية تنوعنا كمصدر قوة لا كنقطة ضعف؟، الواقع لا يمنح مكاناً للعاجزين عن التفكير. إن لم نعدّ جيلاً من الشباب متسلح بأدوات التقدّم، قادراً على خوض غمار الصناعة والزراعة وكافة ميادين الحياة بإرادة لا تعرف السكون، فسنظل أسرى دوامة الأخطاء المتكررة، نتخبط ثم نتساءل عبثاً لماذا يسبقنا الآخرون بينما نظل نحن في المؤخرة.
abudafair@hotmail.com