Squid Game: The Challenge.. نتفلكس تنقل الدراما إلى الواقع
تاريخ النشر: 18th, December 2023 GMT
متابعة بتجـــرد: على الورق، كان مسلسل Squid Game، أو “لعبة الحبار”، يبدو عملاً عادياً لا جديد فيه، أقصى ما يطمح إليه أن يحظى بمشاهدات جيدة، ثم سرعان ما ينسى، مفسحاً المجال لغيره من الأفلام والمسلسلات، التي تدور حول مجموعة من الناس في مكان واحد يتعين عليهم أن يخوضوا بعض الألعاب التنافسية، ليفوز أحدهم بجائزة، أو لينجو بحياته من الموت.
لكن “لعبة الحبار” حقق نجاحاً مدوياً على مستوى العالم، وقفز بالدراما الكورية إلى آفاق لم يصل إليها مسلسل آسيوي، أو غير أميركي، في تاريخ الدراما العالمية، وتحول إلى ظاهرة ثقافية ولعب أطفال وكبار، وحتى “موضات” في الملابس وحفلات التنكر!.
والآن، بعد 3 سنوات من العمل الذي رسخ نجاح منصة “نتفلكس” في عالم ما بعد الكورونا، ها هي المنصة تعود لا بموسم جديد، ولكن ببرنامج واقع يحمل اسم Squid Game: The Challenge (لعبة الحبار: التحدي)، يتبارى فيه المواطنون العاديون في ألعاب وديكورات وأجواء تحاكي المسلسل في كل شيء تقريباً.
فكرة عبقرية، أو ربما تكون عادية ومكررة، مثل مسلسل فكرة “لعبة الحبار”، ولكن العبقرية، مثلما في حالة المسلسل، تكمن في الدقة والفخامة والأسلوب.
بالتأكيد خطرت فكرة تحويل المسلسل إلى برنامج ببال الكثيرين، هذه الأيام كل شيء يتحول إلى أشياء، الواقع إلى كتب وأفلام ومسلسلات، والأفلام والمسلسلات إلى كتب وألعاب فيديو، وألعاب الفيديو إلى أفلام، وكل ذلك يعود ليتحول إلى واقع من جديد، حتى يكاد يشعر المرء أن البشرية على وشك الانتقال إلى عالم افتراضي تذوب فيه الحدود بين الواقع والخيال.
ولعل الاهتمام الذي تبديه كثير من الدول (المتقدمة تكنولوجياً) حالياً إلى ضرورة تقنين “الذكاء الاصطناعي” هو أكبر دليل على الخوف من احتمالية فقدان الصلة بالواقع والغرق في هوة الواقع الاصطناعي إلى الأبد!.
أرقام قياسية
مثل المسلسل، يضم البرنامج 456 لاعباً (الأكبر في برامج الواقع)، ويصل حجم الجائزة المتنافس عليها، والتي حصل عليها لاعب واحد إلى 4.56 مليون دولار (الأكبر في تاريخ برامج الواقع)، وخلال أيام من بدء عرضه على “نتفليكس” (من 22 نوفمبر إلى 6 ديسمبر الحالي) حظي العمل بعدد مشاهدات غير مسبوق يقترب من 12 مليون مشاهدة (الأنجح بين كل برامج الواقع)، واحتل المركز الأول في الأكثر مشاهدة في 76 دولة!.
تتشابه الألعاب، كما ذكرت، مع ألعاب المسلسل، بعد أن تم استبعاد بعض الاختبارات أو التفاصيل الخطيرة على الحياة وإضافة بعض الألعاب الجديدة.
من الألعاب الشهيرة التي أحبها جمهور المسلسل “ضوء أحمر.. ضوء أخضر”، التي تقوم فيها دمية طفلة عملاقة بإطلاق النار على من يتحرك بعد توقف صوت الموسيقى، ولعبة “دالجونا” التي يقوم فيها المتبارون بلعق قطعة من البسكوت يتوسطها شكل هندسي، ولعبة البليات الزجاجية، وعبور الجسر الزجاجي، بجانب بعض الاختبارات التي تتوسط الألعاب، ويتحدد بناءً عليها خروج عدد من المتسابقين.
يتكون البرنامج من 10 حلقات، تحتوي كل منها على واحدة من الألعاب وبعض الاختبارات، وقد صُوِّرَت خلال 3 أيام فقط، في استوديوهات بالعاصمة البريطانية لندن (العمل إنتاج مشترك بين نتفليكس واثنتين من الشركات الإنجليزية)، والمشاركين تم قبولهم من أي مكان في العالم بشرط أساسي هو إجادة التحدث بالإنجليزية.
“الواقع” الحائر
الفارق الأساسي بين المسلسل والبرنامج، هو بالطبع أنه لا يوجد نص مكتوب هنا، وبالتالي من المستحيل توقع أي نتيجة أو سلوك شخصية ما، بناءً على قواعد وحبكات الدراما المألوفة لدى المشاهد، وأيضاً إدراك أن هذه لعبة، وأن الناس لا يموتون فعلاً.
مع ذلك، يطرح كلّ من المسلسل والبرنامج (من خلال المقارنة بينهما) سؤالاً مثيراً حول ماهية الواقع، وهل برامج “الواقع” هي بالفعل أكثر واقعية من الدراما، وما مدى الواقعية التي تتسم بها حقاً؟.
صحيح أن المسلسل عمل “خيالي”، صيغت أحداثه وشخصياته وفقاً لبناء درامي محكم، واُخْتِيرَت نتائج الألعاب وسلوكيات الشخصيات وفقاً لهذا البناء وقواعد الدراما وتحقيق التشويق والتأثير المطلوبين على المشاهد، حتى لو استدعى ذلك الكثير من المبالغة والميلودراما، وصحيح أيضاً أن شخصيات البرنامج حقيقية، تتصرف وفقاً لطبيعتها، وليست وفقاً لنص مكتوب، كما أن نتائج الألعاب لا يمكن توقعها، والكثير منها يعتمد على ضربات الحظ العمياء، مثل رمي النرد، أو الضغط على زر من ثلاثة أو اختيار مفتاح من بين عشرات المفاتيح!.
مع ذلك، فهناك كاميرا (بل عشرات الكاميرات المبثوثة في كل ركن وزاوية)، وهناك مشرفون يديرون اللاعبين، وإدراك لا يغادر أذهانهم بأن ملايين المشاهدين يتفرجون عليهم ويراقبون تصرفاتهم، وكل ذلك يؤثر في قراراتهم، وعلى علاقاتهم ببعضهم البعض، بل على طريقة كلامهم ونظراتهم وتفكيرهم، وهو ما يحولهم، شاءوا أم أبوا، إلى ممثلين أو مؤدين، وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نصدق أن هذا هو “الواقع”، وأنهم سيتصرفون بالطريقة نفسها إذا وضعوا في اختبارات مماثلة في الواقع.
في المسلسل (كما في الدراما عموماً)، يركز صُنّاع العمل على الواقع الداخلي للشخصيات، مطلقاً لهم عنان التفكير والفعل دون القيود المفروضة على الناس في حياتهم اليومية، حيث يمكن للمرء أن يكون شريراً أو بطلاً خارقاً، وأن يغامر ويخاطر ويكره ويحب كما يشاء، وهي أشياء يحرم منها الإنسان في حياته الواقعية بدرجة أو أخرى، ولعل هذا سبب جاذبية الدراما في المقام الأول.
أما برامج الواقع، فهي تصور أناساً حقيقيين بالطبع، وتحاول بقدر الإمكان أن تضغط عليهم لإظهار جوانبهم الحقيقية، ولكن إدراك هؤلاء لوجود الكاميرات ومئات، بل آلاف العيون التي تراقبهم، يجعلهم غير حقيقيين بدرجة أو أخرى.
ويشعر المرء، إذ يشاهد برنامج “لعبة الحبار”، أن معظم المشاركين “يؤدون” الصورة الذهنية التي يريدون تصديرها عن أنفسهم، يكفي أنهم جميعاً (باستثناء الفائزة الأخيرة) قد عانوا مرارة خسارة أكبر فرصة أتيحت لهم في حياتهم للتحول إلى مليونيرات بين يوم وليلة، ومع ذلك يضحكون ويبتسمون وهم يغادرون، كأنهم مشجعون في مباراة كرة قدم، بل يمكن للمرء أن يراقب مشجعي كرة القدم عقب خسارتهم لمباراة؛ ليعرف كم يمكن أن تكون الخسارة مؤلمة.
إذا كانت الدراما تأخذ من الواقع جانبه المظلم والمخفي عن العيون، فإن برامج الواقع تأخذ من الواقع سطحه الظاهري المعلن، وبالتالي يصعب أن نصدق أنها فعلاً واقعية.
من ناحية ثانية، فإن هؤلاء المشاركين لا يستطيعون التخلي عن واقعيتهم تماماً، هناك لحظات هي الأفضل والأكثر تأثيراً في برنامج “لعبة الحبار: التحدي”، حيث تترك الشخصيات نفسها لأفكارها ومشاعرها الحقيقية.
وبجانب الألعاب، يجري صُناع البرنامج لقاءات منفردة يتحدث فيها المشاركون عن أنفسهم، أحياناً ما تكون حقيقية ومؤثرة للغاية، مثل حديث شاب شارك في المسابقة مع أمه عن علاقته بوالديه الناجحين التنافسين، ورغبته في تحقيق أي نجاح يحصل من خلاله على اعترافهما، أو حديث متسابقة عن معسكر اللاجئين الذي عاشت فيه، وخطر الموت الذي تعرضت له في أثناء رحلة هروب عائلتها الفيتنامية إلى أميركا، وتأثير ذلك على شخصيتها التي تتشبث بالبقاء، وهو ما نراه بالفعل في نتيجة المسابقة.. “لعبة الحبار: التحدي” عمل جماهيري.
main 2023-12-18 Bitajarodالمصدر: بتجرد
كلمات دلالية: لعبة الحبار
إقرأ أيضاً:
كيف نقرأ سوريا الأسد عبر الدراما؟
كان المسلسل التلفزيوني السوري، خلال عقد الثمانينيات، قد بدأ بالتحول التدريجي الواضح من محلية تداوله ليصبح حالة عربية عامة، دون أن يجازف بسورية الموضوع وهمومه، أو حتى بخصوصية الشكل التي عهدناها، بل نجح إلى حد بعيد في «سورنة» ذائقة المشاهد العربي البسيط.
كان لافتًا أن تشهد تلك الحقبة القلقة، وصولًا إلى عام 2011، اهتمامًا ملحوظًا ومتناميًا بهذا القطاع من قبل الدولة السورية، وهي التي سعت بدورها إلى إدراج صناعة الدراما ضمن جدول أعمالها وأجندتها السياسية والاقتصادية، ليصبح المسلسل التلفزيوني السلعة السورية الأغلى والأشهر بين صادرات تلك البلاد إلى محيطها العربي، إلى درجة أن عابد فهد يحكي ساخرًا بأن بشَّار الأسد عندما يذهب إلى اجتماع القمة العربية يُسأل عن «باب الحارة».
ثورة فنية استثنائية صنعتها كوكبة من المواهب الفذة التي صُقلت على خشبات المسرح السوري العريق، ونجاح باهر غالبَ بشراسة التفوقَ التقليديَّ للسينما المصرية، حتى بدا وكأن المصريين والسوريين قد تقاسموا في ما بينهم حصة الإنتاج الفني العربي؛ إذ أصبحت صناعة المسلسلات مهنة من تخصص الفنانين السوريين، بينما يحتفظ نُظراؤهم المصريون بحق احتكار صناعة السينما. غير أن نجاح صناعة الدراما في سوريا لم يكن محصلة فورة إبداعية عفوية؛ بل كان ثمرةً لشراكة خلف الكواليس بدت أقرب لتحالف شديد التعقيد والحذر بين الوسط الفني وكتَّاب النصوص وشركات الإنتاج من جهة، والدولة الأمنية في سوريا من جهة أخرى.
سقوط النظام في سوريا وما تكشف عنه من أقبية تعذيب ومقابر جماعية أعاد لكثير من العرب ذكرياتهم عن سوريا التي عرفوها عن طريق المسلسلات، في محاولة منهم للمطابقة بين الصورة والواقع. أمامنا إذن وقت طويل لنحاول قراءة سوريا الأمس عبر الدراما، عبر أعمال مثل «مرايا» و«بقعة ضوء» و«قلم حمرة» و«ضيعة ضايعة» و«الولادة من الخاصرة»... إلخ. حتى المسلسلات التاريخية، لا بدَّ أنها تقول شيئًا عن سوريا الحديثة. ولنا أن نتساءل في المقابل: كيف صنعت الدراما السورية، في ظل نظام مستبد، حالتها الفريدة في التحرش بالخطوط الحمر؟ كيف عبَّرت عبر النقد الساخر حينًا والجاد حينًا عن المسكوت عنه في بلدان عربية أخرى لطالما نُظر إليها على أنها أكثر حرية من بلاد البعث؟ بل كيف ساهمت جرأة الفنان السوري، رغم تلك الظروف، في تشجيع الدراما العربية في أماكن أخرى وتحريرها من كثير من القيود؟ كيف يمكن تفسير هذه المفارقة التي تشي بتناقض في مكان ما؟
المدخل الأول الذي يلوح لتفسير هذا التناقض هو علاقة النظام البراجماتية مع الفن، بما في ذلك الفن المعارض بالتحديد، أو علاقة الفنانين البراجماتية مع النظام. يمكننا أن نفهم ذلك «التحالف» بين مختلف أطراف الصنعة كحالة صحية تنشأ من تلاقي «المصالح» بين السلطة والفنان ورأسمال، بالطريقة التي شرحها جمال سليمان في حواره المثري مع جاد غصن قبل نحو ثلاثة أشهر فقط على سقوط النظام، السقوط المفاجئ شكلًا وتوقيتًا مهما بدا متوقعًا منذ مدة.
غير أن الحديث عن «مصالح» متبادلة بين الفنان وسلطة الأمر الواقع ليس بقصد تعكير براءة تلك الحقبة الفنية أو لمصادرة مصداقيتها. والأهم من ذلك أنه لا يطعن في سمعة المواهب التي صنعت من تناقضات تلك المرحلة عصرًا ذهبيًّا للدراما السورية، والدفع بالتالي لاتهام الوسط الفني دون تمييز بالتواطؤ وخيانة الفن والناس معًا، كما يحدث الآن. قطعًا كلا... بل على العكس! فتلاقي المصالح ليس أكثر من توصيف واقعي وعقلاني، بل وذكي إلى حد بعيد في وصف العلاقة الجدلية والتبادلية التي جرت عليها الأمور دائمًا وأبدًا بين الرقيب والثقافة بصفة عامة، كما يحدث في أي مكان وزمان.
ما يحسب لأجيال من الفنانين السوريين، وما يجعل من تجربتهم مع السلطة حالةً عربية مميزة، هو نجاحهم بنسبة تثير الإعجاب في كسب رهان التعبير عبر تلك العلاقة المصلحية المزدوجة، الرهان الذي يحدده سؤال: من يوظف الآخر في النهاية للتعبير عن نفسه؟ هل تعبر السلطة عن نفسها عن طريق الفن أم يعبر الفن عن نفسه تحت أعين السلطة وبموافقتها وفي عقر دارها؟ فقد يصبح المشهد ذاته الذي يريده الفنان تعبيرًا عن قضية اجتماعية أو سياسية حرجة هو ذاته الذي يريده النظام خدمةً لغرض آخر؛ كالتنفيس عن احتقان الشارع أو تصدير صورة مضادة مغايرة للسمعة الشائعة عن نظام يحارب حرية التعبير ويقمع الفن والثقافة.
هذه القراءة المزدوجة ذات الوجهين، للمشهد التمثيلي الواحد، هي ما تجعل من محاولة تحليل أسلوب صناعة الفن المعارض، في دولة كسوريا أيام البعث، مسألة أكثر تعقيدًا والتباسًا مما يبدو وفقًا للتبسيط الشائع.
وبطبيعة الحال، لم يكن هذا الرهان مضمونًا دائمًا لصالح الفن على حساب السلطة، ولطالما كان مغامرة خطيرة استدعت تطوير الموهبة الفنية، نصًّا وأداءً، بما يؤهلها للتعامل مع الفن بوصفه إيماءً، واحتجاجًا مبطنًا، ومقاومة عبر الحيلة. ومع أنني لستُ من أنصار النظرية التي تقول إن «الإبداع يولد من رحم المعاناة» دائمًا، لكن الحرمان والمنع قد يكون في كثير من الأحيان محرضًا على اكتشاف طرائق تعبيرية جديدة لإنقاذ الفن من التحول للخطابية المباشرة.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني