تقول العلوم العسكرية إن القنابل الذكية هي الأداة الأكثر فعالية في الحروب، فبدلا من أن يضطر المفجر إلى إسقاط العشرات أو حتى المئات من "القنابل الغبية" لضرب الهدف بشكل فعال، فإن واحدة من القنابل الذكية قد تؤدي هذا الغرض.

وبينما يردد جيش الاحتلال الإسرائيلي دوما أن هدفه من الحرب في غزة هو استهداف حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، فإن إفراطه في استخدام "القنابل الغبية" يكشف نواياه الحقيقية في استهداف الحاضنة الشعبية للمقاومة "شعب غزة"، وليس مقاتلي المقاومة.

قنابل إسرائيل الغبية اغتالت البشر والحجر في غزة (الفرنسية) ذكية وغبية.. ما الفرق؟

تتكون القنبلة التقليدية بشكل عام من بعض المواد المتفجرة المعبأة في صندوق قوي مزود بآلية صمام، وتحتوي آلية الصمامات على جهاز إطلاق، وعادة ما يكون نظام تأخير زمني أو جهاز استشعار للصدمات أو جهاز استشعار لقرب الهدف والذي يقوم بإشعال القنبلة، وعندما يُضرب الزناد يُشعل الصمام المادة المتفجرة مما يؤدي إلى انفجار، ويؤدي الضغط الشديد والحطام المتطاير الناتج عن الانفجار إلى تدمير الهياكل المحيطة.

يقول الأستاذ المشارك في بحوث العمليات بجامعة بروك الكندية مايكل أرمسترونغ  لـ"الجزيرة نت" عبر البريد الإلكتروني: "القنبلة الغبية -التي يُطلَق عليها أيضا القنبلة غير الموجهة- تحتوي على هذه العناصر فقط، ويتم إسقاطها من طائرة (مثل القاذفة بي2)، وتوصف بالغبية لأنها ببساطة تسقط على الأرض دون أن توجه نفسها إلى هدف محدد بشكل فعال، فهي تسقط حيثما يأخذها زخمها والرياح، فإذا أُسقطت من ارتفاع عالٍ بواسطة طائرات تحلق على مستوى عالٍ، فإن دقتها تكون منخفضة جدا، وفي هجمات الحرب العالمية الثانية ضد مدن في أوروبا، كانت القنابل تسقط على مسافة 1000 قدم من الهدف، ولكن إذا أُسقطت من ارتفاع منخفض بواسطة طائرات تغوص نحو الهدف، فإن دقتها يمكن أن تكون أعلى بكثير".

ويوضح أرمسترونغ  أنه "على النقيض من ذلك، تحتوي القنابل الموجهة أو القنابل الذكية، على مستشعر إلكتروني (مثل الكاميرا أو نظام تحديد المواقع العالمي) وآلية توجيه (مثل الزعانف)، ونظام تحكم مدمج (حاسوب على متن الطائرة)، وهذا يتيح توجيهها نحو الهدف أثناء السقوط، وتعتمد الدقة على التكنولوجيا الخاصة بها، فعندما تعمل بشكل صحيح يمكن للصواريخ الحديثة أن تصيب أهدافا صغيرة مثل المباني الفردية أو المركبات".

القنابل الذكية تستخدم تقنيات تجعلها فعالة في توجيه ضربات لأهداف محددة (الفرنسية) قنبلة ذكية.. كيف تعمل؟

ويشرح موقع "هاوستاف وورك" الأميركي الشهير آلية عملها قائلا: إنه "عندما تقوم طائرة بإسقاط قنبلة ذكية، تصبح القنبلة طائرة شراعية ثقيلة بشكل خاص ليس لديها أي نظام دفع خاص بها مثل الصاروخ، ولكن لديها سرعة أمامية (بحكم إسقاطها من طائرة مسرعة)، كما أن لديها زعانف طيران تولّد الرفع وتثبّت مسار طيرانها، ويمنح نظام التحكم والزعانف القابلة للتعديل القنبلة وسيلة لتوجيه نفسها أثناء انزلاقها في الهواء، وأثناء طيران القنبلة يقوم نظام الاستشعار ونظام التحكم بتتبع الهدف المحدد على الأرض، حيث يقوم نظام الاستشعار بتغذية نظام التحكم بالموقع النسبي للهدف، ويقوم نظام التحكم بمعالجة هذه المعلومات وتحديد كيفية توجيه القنبلة نحو الهدف".

ويضيف أنه "لتشغيل القنبلة فعليا، يرسل نظام التحكم رسالة إلى المحركات التي تضبط زعانف الطيران، وتعمل هذه الزعانف بنفس الطريقة الأساسية التي تعمل بها اللوحات المختلفة الموجودة على متن الطائرة. ومن خلال إمالة الزعانف في اتجاه معين، يعمل نظام التحكم على زيادة السحب الذي يعمل على هذا الجانب من القنبلة، ونتيجة لذلك تدور القنبلة في هذا الاتجاه، وتستمر عملية التعديل هذه حتى تصل القنبلة الذكية إلى هدفها. وتقوم آلية الصمام بتفجير المادة المتفجرة، وتحتوي القنابل الذكية عموما على صمامات تقارب، والتي تفجر المادة المتفجرة قبل أن تصل القنبلة إلى الهدف مباشرة، أو صمامات صدمية، والتي تفجر المادة المتفجرة عندما تصطدم القنبلة فعليا بشيء ما".

لماذا لا تستخدم إسرائيل القنابل الذكية؟

وتمد الولايات المتحدة الأميركية إسرائيل بشكل مستمر بهذه القنابل الذكية، فقد حصلت إسرائيل -على سبيل المثال- عام 2004 على نحو 5000 قنبلة ذكية في واحدة من أكبر صفقات الأسلحة بين الحلفاء منذ سنوات، وبلغت قيمتها 319 مليون دولار. وقبل الحرب الحالية وافقت أميركا على نقل ما قيمته 320 مليون دولار من هذه القنابل إلى إسرائيل. وقال تقرير نشرته "سي إن إن " في 6 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إن واشنطن تخطط لنقل هذه القنابل إلى إسرائيل لدعم حربها على حماس.

والسؤال: لماذا لم تستخدم إسرائيل القنابل الاذكية بكثافة في هذا الحرب؟ حتى إن تقرير استخباراتي أميركي نقلته شبكة "سي إن إن"، قال إن تقييما للاستخبارات الأميركية، وجد أن قرابة نصف القذائف التي قصف بها الجيش الإسرائيلي غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي هي من القذائف غير الموجهة المعروفة بـ"القنابل الغبية".

يقول أرمسترونغ: "القوات الجوية عادة ما تفضل القنابل الموجهة (الذكية)، لأنها عادة ما تكون أكثر دقة،  لكن القنابل غير الموجهة الغبية ظلت موجودة، ولا تزال هي الأكثر وفرة، لأنها أرخص وأسهل في الإنتاج، والجيش الأميركي والإسرائيلي يمتلكان عددا منها في مخزوناته يفوق القنابل الموجهة، ونظرا لأن إمدادات القنابل الذكية محدودة، فإن القوة الجوية ستستخدمها ضد الأهداف التي من المهم ضربها أو حيث يكون من المهم عدم تفويتها، فعلى سبيل المثال، قد تستخدم لضرب مبنى عسكري في مدينة ما".

وإذا كان الهدف المعلن من الحرب على قطاع غزة، هو انهاء حركة حماس، فإن الإسراف في استخدام القنابل الغبية التي لا تختار أهدافها بدقة، يعني أن إسرائيل تتخذ من استهداف حماس ستارا لإبادة شعب غزة، وهو ما تدعمه تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الأول الجاري، والذي أقر أخيرا بأن إسرائيل قامت بـ"قصف عشوائي" في غزة.

كما نقلت مجلة "نيوزويك" الأميركية الأربعاء 13 ديسمبر/كانون الأول عن ضابط رفيع في القوات الجوية الأميركية قوله إن "هجوم إسرائيل على غزة هو في الواقع هجوم على المدنيين".

قنابل غبية.. القانون الدولي

وتعني هذه الحقائق التي كشف عنها التقرير الأميركي أن إسرائيل أبعد ما تكون "علميا" عن التوصيف كدولة تتمتع بأنظمة ديمقراطية والتزام قوي بالقانون الدولي، حتى وإن امتلكت القنابل الذكية النظيفة الأقل استهدافا للمدنيين.

وكانت دراسة لباحثين من جامعة بنسلفانيا الأميركية نُشرت في دورية "جورنال أوف كونفلكت رزليوشن"، تتبعت عمليات شراء القنابل الذكية على مستوى العالم وأجرت تحليلا إحصائيا دقيقا دعمت به فرضيتها التي تقول إن الدول التي تواجه تهديدات أمنية -وخاصة تلك التي تتمتع بأنظمة ديمقراطية والتزام قوي بالقانون الدولي- هي الأكثر اقتناء لتلك القنابل التي لا تستهدف المدنيين، وعدّت تلك الدراسة أميركا وإسرائيل من تلك الدول. وما لم تقم الدراسة بتحليله هو معدل استخدام القنابل الذكية حال امتلاكها.

ولكن استشاري الطب النفسي بجامعة الزقازيق المصرية أحمد عبد الله، كان له تحليل نفسي ذهب فيه إلى أن قلة استخدامها يكشف عن أن إسرائيل هدفها الرئيسي من هذه الحرب هو إرهاب الشعب الفلسطيني وتدمير معنوياته وإفقاد المقاومة الحاضنة الشعبية، لذلك فإنها لا تهتم باستهداف حماس قدر اهتمامها باغتيال البشر والحجر على أرض غزة باستخدام قنابلها الغبية.

إسرائيل تهدف من الحرب إرهاب الشعب الفلسطيني وتدمير معنوياته وإفقاد المقاومة الحاضنة الشعبية (غيتي)

ويقول عبد الله في حديث هاتفي لـ"الجزيرة نت": إنه "وفقا لنظرية التحليل التفاعلي للعالم الشهير إيرك برن، والتي تُستخدم في علم النفس العسكري لفهم جوانب معينة من الصراعات، فإن إسرائيل خاطبت الجانب الطفولي في الشخصية منذ بداية الحرب بترديد تصريحات ساذجة، وهي أنها تخوض حربا في غزة للقضاء على حماس، والحقيقة أن الاستقبال الواعي الراشد للرسائل الإسرائيلية يكشف سخافة القول بأن الهدف هو حماس فقط، بينما التدمير الحاصل طوال 70 يوما هو لشعب غزة، والقنابل الغبية تؤكد ذلك".

ووفق هذه النظرية تُفهم التفاعلات البشرية من خلال ثلاث حالات هي الوالد والراشد والطفل، حيث تشير حالة الوالد إلى الأفكار والمشاعر والسلوكيات التي تبناها الفرد من شخصيات السلطة، وتشير حالة الراشد إلى الجانب العقلاني والموضوعي والمنطقي للشخص، أما حالة الطفل فهي المشاعر والعواطف والسلوكيات التي عاشها الفرد عندما كان طفلاً، ولا تزال تؤثر فيه وفي تفاعلاته.

ويوضح عبد الله أن إسرائيل "وجهت رسالتها في بداية الحرب مستهدفة الجانب الطفولي في الشخصية، ونجحت لفترة، إلى أن بدأ يحدث تغيير لدى مستقبلي رسائلها في العالم والذين اتضحت لهم الحقائق، مثل حقيقة الإفراط في استخدام القنابل الغبية، ليستقبلوا رسائلها بالجانب البالغ والعقلاني من الشخصية".

ويضيف: "لكن للأسف، ما زال قطاع ضخم في العالم العربي يستقبل المزاعم والتصريحات والقرارات والخطط الصهيونية بالجانب الطفولي من الشخصية".

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: القنابل الغبیة نظام التحکم أن إسرائیل فی غزة

إقرأ أيضاً:

فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة

#سواليف

في ليلة 17 يوليو/تموز 2014، كانت عائلة شحيبر التي تنحدر من #غزة على موعد مع حادث أليم ومُعتاد في #فلسطين المحتلة، حيث قصف #جيش_الاحتلال منزلهم. أما الهدف الإستراتيجي، فتمثل في قتل عدة أطفال: أفنان (8 سنوات)، ووسيم (9 سنوات)، وجهاد (10 سنوات)، الذين استُشهِدوا وهم يُطعِمون الحَمام على سطح المنزل، فيما تسبب القصف في استشهاد طفلين آخرين.

بعد القصف مباشرة، بدأت منظمتان حقوقيتان هما “الميزان” الفلسطينية و”بتسيليم” الإسرائيلية في البحث عن السبب الحقيقي وراء الاستهداف، لكنها خلصت إلى عدم وجود أي هدف عسكري في منزل شحيبر حسب ما أكدته الأمم المتحدة نفسها بعد ذلك في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2015.

هناك سؤال ثانٍ كان يؤرق المحققين المستقلين حيال #السلاح الذي استُخدِم في القصف، وما أثار الاهتمام في أثناء تنقيب المحققين هو أسطوانة سوداء حملت نقوشا مسحها الانفجار جزئيا وعليها كُتب “أوروفارد ـ باريس ـ فرنسا”.

مقالات ذات صلة حالة الخوف تدفع الذهب إلى مزيد من الصعود 2025/04/05

بسبب هذا الاكتشاف رفعت أسرة شحيبر دعوى في فرنسا ضد شركة “إكسيليا”، بسبب تواطؤها المحتمل في جريمة حرب اقترفتها إسرائيل في عملية “الجرف الصامد”. تقول هذه الأسطوانة الكثير عن الدعم العسكري والتقني الفرنسي لصالح جيش الاحتلال، وأحدث فصل فيه ما كشف عنه موقع “ديسكلوز” في تحقيق يورط فرنسا في #جرائم_إسرائيل في حق أهل غزة أثناء #حرب_الإبادة الدائرة حاليا.

رمادية فرنسية

قبل انطلاق الحرب على غزة يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت فرنسا رسميا وإعلاميا أيضا تصرح بالدعم الكامل لجيش الاحتلال للرد على ما حدث في السابع من أكتوبر. لكن إسرائيل حولت هذا الزخم الغربي من التعاطف إلى الإقدام على #جرائم حرب يصعب إخفاؤها.

بدأ التوجس يجد طريقه إلى أروقة الداعمين الغربيين، خصوصا مع ارتفاع الأصوات الرافضة للإبادة في الرأي العام الغربي، ومحاولاته الضغط على صناع القرار لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.

في فرنسا، سبق أن وجَّه 115 برلمانيا في أبريل/نيسان من عام 2024 رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مطالبين إياه بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، لأن أي تحرك عكس ذلك يعني ضلوع باريس في الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.

قبل ذلك بأيام، كان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أصدر قراره بحظر تصدير الأسلحة إلى دولة الاحتلال، وصوَّتت 28 دولة لصالح هذا القرار، فيما اعترضت 6 دول على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا، أما فرنسا فوجدت لنفسها مكانا مريحا في المنطقة الرمادية التي جلست فيها 13 دولة من الممتنعين عن التصويت.

يتسق موقف فرنسا من هذا القرار الأممي مع موقفها العام حيال حرب غزة، وملف تزويد إسرائيل بالأسلحة، أو ببعض القطع التي تستعملها تل أبيب في صناعة أسلحتها التي توجهها في الغالب نحو الفلسطينيين العُزّل.

منذ بداية الحرب على غزة، سلكت فرنسا مسلكا يرقص على جميع الحبال، فهي لم تعلن قطع أي تعامل عسكري مع دولة الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه نزلت بهذا التعاون إلى أقل درجة ممكنة، بحيث تحافظ على خيط رفيع يربطها بتل أبيب، مع بذل كل الجهد المطلوب للمحافظة على هذا الخيط من الانقطاع.

موضوعيا، لا تُمثِّل تجارة الأسلحة بين فرنسا وإسرائيل إلا 0.2% فقط من 27 مليار يورو من صادرات باريس إلى دول العالم التي يمكنها استعمالها عسكريا أو في مجالات تقنية أخرى وتكون غالبا مجرد قطع غيار، حسب تصريح سيباستيان ليكورنو، وزير القوات المسلحة الفرنسي.

لا تمانع فرنسا من تبادل المساعدة مع الإسرائيليين فيما يخص بيع الأسلحة، لكن المساعدة تخضع لحسابات أخرى أفصحت عنها مصادر لصحيفة “لوموند” أثناء التحقيق الذي نشرته الجريدة الفرنسية عام 2021 حول برنامج “بيغاسوس” للتجسُّس، حيث يقول المصدر: “نحن قريبون من الإسرائيليين بمسافة تسمح لنا أن نعرف ماذا يفعلون، لكن في الوقت ذاته، لدى فرنسا رغبة واضحة في عدم مساعدة إسرائيل في أي عمليات تقوم بها في غزة، لذلك لا نريد أخذ أي مجازفة في إرسال بعض الأسلحة التي قد تُستعمل في ذلك”.

أسلحة فرنسا.. للدفاع فقط

في تقرير لها في 28 أبريل/نيسان الماضي، أفادت صحيفة “لوموند” أن فرنسا حتى قبيل الحرب الأخيرة على غزة كانت تزود إسرائيل بقطع ضرورية لصنع القذائف المدفعية، لكن في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قررت باريس وقف العقود الخاصة بهذه القطع.

وتشير تقارير البرلمان الفرنسي الصادرة عام 2023 إلى أن فرنسا أرسلت إلى إسرائيل عددا من المعدات الخاصة بتدريع السيارات والمراقبة عبر الأقمار الصناعية.

بعيدا عن المعلومات التي جاءت في وسائل الإعلام الفرنسية، ثمَّة أخبار أخرى أكثر لفتًا للأنظار، منها التحقيق الاستقصائي الذي نشره موقع “ديسكلوز” الفرنسي في مارس/آذار 2024، وقال إن باريس سمحت في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 بإرسال شحنة تضم ما لا يقل عن 100 ألف خرطوشة (ما يغلّف الطلقة)، انطلقت من مرسيليا عبر شركة “أورولينكس” الفرنسية المتخصصة في صناعة المُعدات العسكرية.

يشير التحقيق إلى أن حجم الشحنة وصل إلى 800 كيلوغرام من الذخائر أُرسِلَت إلى شركة “آي إم آي سيستمز” الإسرائيلية، المُزوِّد الحصري للجيش الإسرائيلي لهذا النوع من الذخائر، ويتعارض هذا التمويل المباشر مع تأكيد باريس عبر قياداتها السياسية أن الأسلحة والمعدات الدفاعية فقط هي ما تصل إلى تل أبيب.

فضيحة المُسيَّرات

مع جولة خفيفة في مواقع التواصل الاجتماعي للعالقين في غزة، نجد أن صوت الخلفية المشترك بين الفيديوهات يغلب عليه ضجيج الطائرات المُسيَّرة، أو ما ُسميه أهل غزة بـ “الزنّانات”.

شكَّلت حرب غزة فرصة لإسرائيل لتفعيل الكتيبة 166 التي تحمل اسم “سرب الطيور النارية”، بحسب ما نشر موقع “إسرائيل ديفِنس”، والهدف من هذه الطائرات هو مراقبة غزة، ثم تنفيذ الضربات. وضمن هذا السرب هناك الطائرة “هيرميس 900” التي يصل طولها إلى نحو 15 مترا، وهي قادرة على الطيران لمدة 30 ساعة متواصلة، وعلى ارتفاع 9000 متر.

لا يحتاج الضباط الذين يوجِّهون هذه الطائرات إلا إلى غرفة تحكم تبعد مئات الكيلومترات عن مسرح العمليات، ثم تنفيذ الضربات مستفيدين من الدقة الكبيرة التي توفرها هذه الطائرات الحديثة، حيث بإمكانها مثلا الإجهاز على سائق سيارة على بُعد 5 أو 10 أمتار دون إصابة أي راكب آخر في السيارة نفسها، رغم أن الاستعمال الإسرائيلي لهذه الأسلحة لا يهتم كثيرا بالقتلى المدنيين.

في تحقيق جديد حول صفقات السلاح بين فرنسا وإسرائيل، نشر موقع التحقيقات الفرنسي “ديسكلوز” وثائق تُثبت تورط شركة “تاليس” الفرنسية، التي تمتلك الدولة 26% من أسهمها، في تسليم إسرائيل مجموعة معدات إلكترونية تساعد في جمع قطع طائرة “هيرميس 900″، من بينها قطعة “TSC 4000 IFF”، وهي تساعد هذه المُسيَّرات على تجنُّب الصواريخ والمُسيَّرات “الصديقة” التي قد تعترض طريقها، حتى لا تسقط الصواريخ الموجهة نحو الفلسطينيين على الإسرائيليين أنفسهم.

يشير التحقيق إلى أن 8 قطع من هذه الأجهزة أُرسِلَت فعلا إلى إسرائيل بين ديسمبر/كانون الأول 2023 ومايو/أيار 2024، أي بعد أشهر من انطلاق العمليات الإسرائيلية في غزة.

ويسلط التحقيق الضوء على إشكالية مراقبة العقود السرية التي تعقدها الجهات العليا الفرنسية مع بعض الدول ومن بينها إسرائيل، وذلك رغم خروج وزير الدفاع الفرنسي يوم 20 فبراير/شباط 2024 أمام البرلمان مؤكدا أن جميع القطع التي تُرسَل إلى إسرائيل عبارة عن معدات يُتأكَّد من نوع الآليات التي تُستَعمل فيها.

يعود هذا التعاقد السري بين فرنسا وإسرائيل إلى 2 مارس/آذار 2023، حين اشترت شركة “إيلبيت سيستيمز” الإسرائيلية المصنعة لطائرات “هيرميس 900” ثماني قطع إلكترونية بمبلغ 55 ألف يورو للقطعة الواحدة من جهات فرنسية (440 ألف يورو إجمالا). وصل الطلب بعد أسابيع من انطلاق الرد الناري على هجمات 7 أكتوبر، في الوقت الذي كانت تحذر فيه الأمم المتحدة من أن النيران الإسرائيلية غالبا ما تطول النساء والأطفال الرضع.

ورغم ذلك، يقول موقع “ديسكلوز” إن وزارة الدفاع الفرنسية لم تحترم الاتفاقيات التي وقَّعت عليها بعدم بيع أسلحة لجهات تستهدف المدنيين، بل واصلت دعم تحركات حكومة نتنياهو في تدمير قطاع غزة.

كانت فرنسا قد واجهت في وقت سابق دعوة من 11 منظمة حقوقية تتزعمها منظمة العفو الدولية “أمنستي” بسبب إرسالها أسلحة إلى تل أبيب، مع العلم أن الأخيرة لا تجرب أسلحتها ولا الأسلحة التي تحصل عليها من حلفائها إلا في مواجهة الفلسطينيين.


سكوربيون

تجمع فرنسا وإسرائيل علاقة تسليح وتكنولوجيا وطيدة، ويكشف تحقيق مهم لموقع “أوريان 21” عن العلاقة بين جيش الاحتلال وجهاز الدفاع الفرنسي، وعن الغموض الكبير الذي يكتنف هذه العلاقة، التي تشهد تعاونا بين الفرنسيين والإسرائيليين على حروب المستقبل التي سيكون أبطالها الروبوتات والطائرات المُسيَّرة.

تمتاز العلاقات بين فرنسا وإسرائيل بنوع من الودية، وإن كانت قد تعكرت في الفترة الأخيرة، بيد أن الأمر ليس بذلك الوضوح أو الشفافية فيما يتعلق بالجانب العسكري، لأن العلاقة تتأرجح بين الود والمنافسة، بل تصل أحيانا إلى الاختراق. لا يحب الفرنسيون الطريقة التي يتعامل بها الإسرائيليون في مجال الصناعات العسكرية، فهم يكسرون الأثمان بهدف الاستيلاء على أسواق السلاح.

وليس هذا فحسب، بل أصبح جيش الاحتلال منذ سنوات يتوجه إلى أهم الأسواق التقليدية التي كانت فرنسا تتمتع بالأفضلية المطلقة فيها لينافسها هناك، وهي سوق أفريقيا.

منذ اتفاق أوسلو، استثمرت إسرائيل كثيرا في القارة السمراء، خصوصا في مجال حماية الأنظمة القائمة. وفي السياق نفسه، حافظ الإسرائيليون رغم ذلك على نوع من التعاون مع الفرنسيين كما حدث في الكاميرون، حيث دعموا الجيش الكاميروني للقتال ضد جماعة “بوكو حرام”، وأقدم مرتزقة إسرائيليون على تأطير كتيبة التدخل السريع، التي تعمل تحت قيادة الرئاسة مباشرة، وجهز الإسرائيليون كتيبة التدخل السريع ببنادق كانت حتى الأمس القريب لا تأتي إلا من الصناعة الفرنسية.

تجاوز تأثير السلاح الإسرائيلي رعايا فرنسا السابقين من الأفارقة إلى فرنسا نفسها. وصحيح أن جيش الاحتلال منذ بدء عدوانه الغاشم على غزة قد استعان بكل مَن له إبرة يمكنها أن تغطي حاجتها العسكرية لإبادة غزة وسكانها، إلا أن الإسرائيليين في الظروف العادية يؤثّرون بالفعل في مجال التسليح والدفاع الفرنسي، مع أن العكس ليس صحيحا بالضرورة.

ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت فرنسا هي التي تبيع الأسلحة لجيش الاحتلال، أما اليوم، فأضحت تل أبيب تبيع لباريس، إذ استوردت فرنسا أنظمة المراقبة الإلكترونية والمُسيَّرات، وحتى الجنود الآليين. ولا يُخفي الفرنسيون انبهارهم بالتكنولوجيا الإسرائيلية، وبالقليل من البحث، يمكننا الوصول إلى بعض نتائج هذا التعاون الخفي، أما الفاكهة المسمومة الأكثر نضجا هي “برنامج سكوربيون”.

لا يعلم الفرنسيون الكثير عن برنامج خفي يسمى “تآزر الاتصال المعزز بتعدد الاستخدامات وتثمين المعلومات”، المعروف اختصارا بـ”سكوربيون”، وهو برنامج “ذكي” سيدخل في قلب إستراتيجية القوات البرية الفرنسية للعقدين المقبلين.

أهم نقطة في برنامج “سكوربيون” هي تطوير قيادة رقمية واحدة تعتمد على وصلة مشتركة، تسمح للجنود المختلفين والأدوات العسكرية المنتشرة، وبالخصوص المُسيَّرات والروبوتات، بالاتصال في وقت واحد لاستباق أي ردود فعل يقوم بها العدو المفترض.

لذا، سيتمكن الجندي الفرنسي من الحصول على جميع هذه المعلومات عبر مواقع “جي بي إس” خاصة بالبرنامج، الذي عملت عليه شركة “إلبيت” الإسرائيلية، من أجل حرب “بدون ضوضاء”، وبحيث يُتيح هذا النظام الاستباقي لفرنسا أن تتجنَّب مقتل العديد من جنودها عبر قراءة التحركات الاستباقية لعدوها.

عمل جيش الاحتلال على تطوير تقنياته عبر تجريبها في غزة وفوق جثث أهلها، ولذلك تمكن من التقدم في نقاط ثلاث: أولها محو أصوات محركات المُسيَّرات، وثانيها تصغير حجمها وتطويرها بحيث يماثل حجمها حجم الحشرات، وأخيرا القضاء على أي آثار رقمية لها مع تحديد إشارات العدو.

كل هذا وأكثر يوجد في برنامج “سكوربيون” الذي لا تقتصر أهميته في الصناعة الفرنسية على الاستخدام، بل تتجاوزه إلى التصدير، حيث أبدت بعض الدول، ومنها دول عربية، حماسها الشديد للحصول عليه، وهو برنامج وصل بالطبع، قبل كل هؤلاء المشترين، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وبذلك يبدو الموقف “المحايد” الذي تحاول القيادة السياسية في فرنسا اتخاذه من حرب الإبادة الحالية، موقفا لا تعضده مواقف الجانب العسكري، الذي بات بصورة أو بأخرى جزءا من هذه الحرب، وجزءا من آلة القتل التي تحرق وتدمر يوميا كل ما تطاله دون رادع.

مقالات مشابهة

  • ما هي خطة “الأصابع الخمسة” التي تسعى دولة الاحتلال لتطبيقها في غزة؟
  • منظمة التحرير الفلسطينية: الهدف الاستراتيجي لدولة الاحتلال تجاه فلسطين يقوم على شعار «أرض بلا شعب»
  • فضيحة “الدرونز” التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • حماس: لن ننقل "الرهائن" من المناطق التي طلبت إسرائيل إخلائها
  • حماس: لن ننقل "الرهائن" من المناطق التي طلبت إسرائيل إخلائها
  • فضيحة الدرونز التي كشفت مشاركة فرنسا في إبادة غزة
  • مدعومة بالذكاء الاصطناعي.. تطوير جيل جديد من «النظارات الذكية»
  • 515 ورقة علمية ضمن «منصة أبحاث الفضاء»
  • تعرف على معابر غزة التي أغلقتها إسرائيل لمحاصرة السكان
  • رجي: لممارسة أقسى الضغوط على إسرائيل للانسحاب من كل الأراضي اللبنانية التي تحتلها