لجريدة عمان:
2025-04-03@04:51:28 GMT

أن تكون واعيا لذاتك.. فذلك يكفي

تاريخ النشر: 17th, December 2023 GMT

لا أحد يشك أن الوعي مكتسب نوعي، سواء أكان فطريا؛ أي ضمن البنيوية النفسية للإنسان منذ أن ولدته أمه، أو كان عبر مكتسبات ترقي الحياة وفق مراحل العمر التي يمر بها، وما يتصادم أو يتوافق معه، أو كان عبر جهد شخصي يبذله من خلال السعي إليه قاصدا، من خلال الترقي المعرفي الذي يسلكه، وما يكابده منه من معاناة غير منكورة، ولأنه نوعي فبذلك له القدرة على تحييد الشخص في الوقوع في كثير من المزالق التي يصادفها في حياته اليومية، والقدرة على النظر إلى الحياة بمقياس الدقة، والتبصر، والتنظيم، والنأي بعيدا عن المخاطر التي يقع فيها من لم يكتمل عنده هذا المكتسب من الوعي، فالوعي معناه القدرة، والقدرة هي التي تعطي الإنسان التحكم في وضع أقدامه، وأفكاره في المواضع المناسبة دون تهور، أو شطط، ويضاف إلى هذه القدرة؛ القراءة الاستشرافية لـ «ما وراء الأكمة؛ ما وراءها» كما هو المثل السائد، لكثير مما يتعلق بحياة الإنسان اليومية.

هناك من ينسب الوعي إلى المراحل المتقدمة من عمر الإنسان، بمعنى أنه كلما قطع الإنسان عمرا زمنيا تراكميا؛ كلما راكم ذلك عنده رصيد الوعي، بخلاف الآخرين من حوله ممن لا يزالون الأصغر سنا منه، ويربط ذلك بعدة معززات لنمو هذا الوعي، يأتي في مقدمتها مجموع الخبرات، والتجارب، والمواقف، والقناعات التي تمر على الإنسان طوال سنوات حياته، ومعنى هذا؛ ووفق هذا التقييم؛ أن الوعي يزداد كلما تراكم العمر، وكلما تحققت لهذا الإنسان كل هذه المعززات، وبصورتها المكثفة، وبدون توقف، وهذا التقييم يحتاج إلى كثير من التأني، في الأخذ به كقاعدة يمكن الاحتكام إلى مطلقيتها، لأن واقع حال كثير من الناس، لا يفي بهذا التقييم، فأفراد المجتمع؛ كبر هذا المجتمع؛ أو صغر؛ يظهر عندهم؛ ومن خلال ممارسات السلوكية الكثيرة؛ التفاوت الكبير بين أفراده في مسألة الوعي بالواقع، بل قد تجد هذا التفاوت حتى على مستوى الأسرة الواحدة بين أفرادها، مع أن أباهم واحد، وأمهم واحدة، إذن المسألة تخرج بصورة نسبية وليست مطلقة من هذا التقييم، على اعتبار أن هذه المعززات لا يمكن إسقاطها جملة من التأثير المباشر وغير المباشر في مسألة الوعي بالذات.

وهناك من ينظر في سياق هذا الحديث إلى القدرة الذهنية؛ ومدى تأثيرها في الأخذ بصاحبها إلى مدارج الكمال، ومن نتائجها ما يسمى بـ«الثقة» والتي كثيرا ما يشاد بقدرتها على الترقي بالإنسان إلى مدارج الكمال، أو النأي به عن الوقوع في المزالق، وفي تقييمي الخاص أن الثقة لن تأتي من فراغ، وإنما هي نتيجة طبيعية لمرحلة من مراحل الوعي بالذات، فهي ليست طائرا أسطوريا - بالمعنى التخيلي- وبما أن الثقة تلقى هذا القدر من التثمين من قبل المجتمع، وهي نتاج الوعي، فليتخيل أحدنا أهمية هذا الوعي في تنظيم الحياة اليومية لدى الإنسان على مستواه الفردي، وتنظيمها على المستوى الجمعي، ومحصلة ذلك كله لمستقبل أية أمة من الأمم عندما تتهيكل إلى مستوى الوعي العام الشامل؛ وإن كان ذلك صعب تحقيقه، ربما تكون الإشكالية هنا أن الوعي بالذات الاجتماعية، كما هو الحال الوعي بالذات الفردية ليس يسيرا تحققه بالصورة المتوقعة، فهي لا تخضع لموازين ميكانيكية، وهذه إشكالية معقدة، وتجاوزها ليس يسيرا، لأنها وإن أخضع بعض الأفراد لبرامج تدريبية أو محاكاة، فإن النتيجة لن تكون حسب التوقع، لأن هناك عمليات؛ شبيهة بعمليات الأيض؛ تختمر في النفس البشرية، ويكون أداؤها وفقا للطبيعة النفسية عند كل شخص على حدة، ومن هنا يأتي التفاوت النسبي، سواء في استيعاب البرامج والمغذيات التوعوية، أو سواء في توظيف الوعي على الواقع، ومعنى هذا أن لا عبرة للعمر (التراكم الزمني) ولا لخبرة الحياة (مجموعة التجارب والمواقف) ولا للمعرفة (ومغذياتها المختلفة) للتأكد من أي من هذه الأبعاد الثلاثة أو مجتمعة وقدرتها على تأصيل الوعي الذاتي للفرد، أو للجموع، أو للذات الوطنية؛ والتي هي الأخرى؛ تأخذ منحى آخر في التقييم، نظرا لتشابكها مع كل أنواع الوعي، ومن يخلص إلى هذه النتيجة يقيس ذلك على سلوكيات الأفراد على الواقع، ومدى التفاوت والتباين بين مجموع الأفراد في وسط معين، ومدى تفاعلهم لأمر ما، من أمور الحياة اليومية.

تثار بين الفينة والأخرى قضايا اجتماعية كثيرة، وإثارتها هنا في جانبها السلبي كنتيجة لسلوكيات الأفراد، ومجموعة التداعيات من أثر هذه السلوكيات السلبية الناتجة عن هذه القضايا، وفي كل مستويات النقاشات التي تدور يرجح جانب الوعي في المسألة، ويتهم الأفراد في وعيهم، وتتم المطالبات بتوفير وسائل يكون السعي من خلالها هو القيادة نحو تحقيق هذا الوعي، ولأن ثيمة الوعي غير مادية المبنى؛ بل هي معنوية المعنى، يبقى الوصول إليها ليس سهلا، فهي تحتاج إلى مساحة كبيرة لاستيعابها، وهضمها، وتطبيقها على الواقع، وهذا يؤكد من صحة من يرى أن الأكبر عمرا؛ أكثر وعيا، وهذا يستنزف الكثير من الجهد، ومن الزمن، ومن تولد القناعات، مع أن جل هؤلاء الناس الذين يرتكبون مخالفات تتصادم مع الوعي هم خريجو المراحل التعليمية، وهذه المراحل التعليمية؛ بها من معززات الوعي لا يمكن حصره، سواء عبر المناهج التعليمية، أو عبر البرامج التدريبية، أو عبر حالات التأثير والتأثر التي يعيشونها مع أقرانهم من الطلبة طوال مراحل الدراسة ، ويضاف إلى ذلك المساحة الممتدة عبر المجتمع الكبير؛ حيث الأسرة الأممية؛ إن يجوز التوصيف؛ ولأن الحال هكذا؛ فإن ذلك يؤكد أن منشأ الوعي ليس أمرا ميكانيكيا؛ إطلاقا؛ وإلا أصبح كما معياريا، كما هو الفهم الآن، عندما تقاس تصرفات الأفراد على مفهوم الوعي، وتأتي مجموعة السلوكيات خارجة عن هذا النطاق «المعيارية» بل هو معنوي بامتياز، وهو من الفطرة السليمة، ومقياس ذلك، العدد القليل ممن يعي مفهوم الوعي، ويطبقه بصورة فطرية في جميع تفاصيل حياته اليومية، حتى وإن تشابهت بيئة النشأة والتأثير، والواقع خير دليل على هذا التقييم، يحدث أن يكون هناك بؤر لتصدع الوعي، ويحدث هذا عندما تتصادم القناعات التي دامت سنين للذات الإنسانية، وأصبحت من المسلمات؛ فإذا بحدث ما، أو موقف، أو صدام ما، يقلب تلك القناعات، ويوسع من جديد مساحة الفراغ الذي قد ملأه الوعي منذ زمن بعيد، في هذه المرحلة من معاناة الوعي تحدث فجوة لا يكون الأمر سهلا لردمها، وهذا ما يؤكد من يذهب إلى أن بناء الوعي يمكن أن يكون تراكميا؛ عبر المعززات التي تكلمنا عنها ، وهذا النوع من الانشقاق النفسي يحدث؛ غالبا؛ في العلاقات العائلية، أو علاقات الصداقة، حيث الوعي المتأصل بالحميمية التراكمية، لا تقبل الكثير من النقاش، حيث أنها من المسلمات، فإذا بالمواقف الصادمة تنقض هذه المسلمات، وتعيد القناعات إلى مربعها الأول، وأتصور أن هذه؛ إن حدثت؛ فهي مشكلة وجودية، وقاتلة، ومؤلمة، وقد يحدث مثل ذلك للذات الوطنية، لظروف كثيرة، فيحدث الانشقاق نفسه، ولكن سرعان ما يلتئم؛ خاصة إذا تعرضت الأوطان لخطر جسيم؛ كحالات الاحتلال، فالأوطان لا تراهن إلا على أبنائها المخلصين بوعيهم للقضايا الوطنية، وإن تجاوزوا في حبهم لأوطانهم، وشعروا أنهم خارج دائرة الاهتمام، فالذوات الوطنية لا تموت، بل كلما حاول «الأفاكون» خربشة صفحاتها البيضاء، كلما مسحت الخربشات بجميل عطائها، وصدق انتمائها، وحقيقة إخلاصها، فالذوات الوطنية «ولاَّدَة» وتتناسخ أرواحها عبر الأجيال، ولذلك فالأوطان لا تموت، بل تزداد نموا، وإعمارا، كلمت قطعت زمنا تراكميا، وتظل الذات الوطنية خصبة مزدهرة، تشع النور بين جنبات حامليها؛ إلى أبد الآبدين.

أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفي عماني

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: هذا التقییم

إقرأ أيضاً:

حزب «الوعي» يطلق «وثيقة سند مصر» لدعم الوطن في مواجهة التحديات ورفض مخطط التهجير

أطلق حزب «الوعي» «وثيقة سند مصر» لتكون صوتًا موحدًا لكل من يؤمن بأن الوطن فوق الجميع والتعبير عن الصوت والإرادة الشعبية المصرية في دعم الوطن في مواجهة تحديات وتحركات دولية تهدد العدالة الإنسانية والأمن والسلام في المنطقة والعالم.

وقال الحزب، في بيان اليوم الإثنين، إن «مصر، بتاريخها العظيم وصمود شعبها، تقف دائمًا في مواجهة كل من يحاول النيل من كرامتها أو توجيه إرادتها والسيطرة علي مقدراتها، ونحن في «وثيقة سند مصر»، وباسم جموع المنضمين للوثيقة من كيانات مجتمع مدني، وأحزاب مصرية، ونقابات وأفراد الشعب وفئات الشباب، وبلا تردد، ندعم القيادة السياسية في مساعيها للحفاظ على أمن الوطن واستقراره، ونعمل على تعزيز الوحدة الوطنية ضد أي تهديد ونضع أنفسنا تحت إمرة الوطن كجبهة داخلية صامدة، قوية، وثابتة، ومدركة لما يحيط بها من الخارج من أعداء وداعميهم. وإنها لجبهة وطنية داخلية واعية وفاعلة، تقف في ظهر الدولة ضد كل خطر».

وأوضح أن «وثيقة سند مصر» تتخذ موقفًا حازمًا ضد كل أشكال التهجير القسري أو حتى الطوعي الذي تسبقه استحالة سبل العيش، والتي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، معربا عن رفضه، بحزم، أي محاولات لاقتلاع شعب من أرضه.. مؤكدا أن قضية فلسطين هي قضية كل مصري، «ورفضنا للظلم الذي يتعرض له شعبها ليس مجرد موقف، بل عقيدة ثابتة، ونرفض التهجير سواء للشعب الفلسطيني أو لأي شعب في العالم، ونرفض أن تكون وجهة التهجير لمصر أو لأي مكان آخر».

وشدد حزب «الوعي» على أن قوة مصر تكمن في شعبها، الذي كان دائمًا السيف الذي يذود عن الوطن والدرع الذي يتصدى لكل معتدٍ. وليس للوطن فقط درع وسيف، بل الشعب في ذاته هو درع الدروع وسيف السيوف.

وأكد الحزب أن الشعب المصري كله يقف في خندق واحد للدفاع عن الوطن، «وأن اختلافاتنا السياسية لا تعني أبدًا اختلافنا على حب مصر».. داعيا كل مصري، وكل كيان سياسي أو مدني، وكل نقابة مهنية أو عمالية، «للانضمام إلى «وثيقة سند مصر» ليكن صوتنا واحدًا، قويًا ومسموعًا، في وجه التحديات».

وأوضح حزب «الوعي» أن هذه الوثيقة ليست ملكًا لحزب أو شخص، بل هي نداء للوطن الواحد.. مشيرا إلى أنه سيفتح باب التواصل مع كافة الجهات الراغبة في الانضمام، وسيكون مقر حزب الوعي بيتًا لكل من يريد أن يشارك في دعم هذه الوثيقة بروح وطنية خالصة.. منوها بأنه خلال أيام سيعلن عن عقد مؤتمر «وثيقة سند مصر» التأسيسي، داعيين الجميع إلى المشاركة.

اقرأ أيضاًلمواجهة المخططات الإسرائيلية.. حزب الوعي يصدر ورقة سياسية للقمة العربية بالقاهرة

تناولت التصدي للتصعيد بغزة.. حزب الوعي يصدر ورقة سياسات ويوجهها إلى القمة العربية بالقاهرة

«أهمية الوعي المجتمعي في الحفاظ على الأمن القومي».. ندوة نظمها حزب مصر الحديثة بالشرقية

مقالات مشابهة

  • ترامب يفتح النار على العولمة.. هل تكون بداية حرب عالمية اقتصادية؟
  • الرئيس السوري: إذا كانت الشام قوية تكون كل المنطقة قوية
  • الخرطوم صراط جمال المؤمنين بآلاء الله فلن تكون لشيطان العرب
  • "العين للتوحّد" يعزّز الوعي والدمج المجتمعي بأنشطة وفعاليات تدريبية
  • «فومبي».. مرآة التاريخ التي تعكس وحشية الإنسان
  • عضو حزب الوعي: وثيقة سند مصر تعبر على الثوابت الوطنية المصرية
  • متى تكون الأيام البيض لشهر شوال 2025 - 1446 هـ
  • واشنطن: نأمل أن تكون الحكومة السورية الجديدة شاملة وتمثل للجميع
  • حزب «الوعي» يطلق «وثيقة سند مصر» لدعم الوطن في مواجهة التحديات ورفض مخطط التهجير
  • الدوريات الأوروبية.. «الدفاع الأقوى» لا يكفي للصدارة!