عربي21:
2025-04-03@02:03:56 GMT

لماذا لا يتكلّم تلاميذُنا العربيّة الفصحى؟ كتاب تجيب

تاريخ النشر: 15th, December 2023 GMT

لماذا لا يتكلّم تلاميذُنا العربيّة الفصحى؟ كتاب تجيب

الكتاب: السرد الشفوي وبناء المعارف عند الطفل
المؤلّف: نجيبة بوغندة
الناشر: دار يس للنشر
الطبعة الأولى: 2023
عدد الصفحات: 391


تقف نجيبة بوغندة، كاتبة وباحثة تونسيّة متخصصة في أدب الطّفل، على مشكلة عويصة تواجه تلاميذنا داخل فصولهم مع اللغة العربيّة رغم كونها اللغة الرسمية الأولى، ذلك أنهم لا يتقنون استعمالها عند كل استخدام يرومون منه بناء النصوص السردية شفويا خصوصا، "فتراهم يبدؤون سردهم باللسان الفصيح مع تأتأة تبيّن عدم تملكهم لها، ثم تنفجر ألسنتهم باللهجة العامّية، وبصورة تلقائية، مستعملين تلك اللهجة التي تعجز، رغم طلاقتها، عن تمكينهم من السرد بما تمليه ضوابط المدرسة".



وتضيف بوغندة مؤكدة أنّ هذه المشكلة لا تقف عند المستوى الشفوي فحسب، ذلك أنّ النتائج تظهر جليّة في السرد الكتابي ضمن الأنشطة اليومية للفصل أو من خلال الاختبارات التعديليّة أو الإشهاديّة.

هذه "الإعاقة" الشاملة في بناء النصوص السردية الفصحى وتوظيفاتها الشفوية والمكتوبة تجعل من تلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية وحتى المستويات الجامعيّة المتخصصة يتعاملون مع اللغة العربية الفصحى بوصفها لغة غريبة وأجنبية، شأنها في ذلك شأن باقي اللغات الأجنبيّة بيد أن هذه "الإعاقة" لا تعني أنّ تلاميذنا عاجزون عن الحكي بقدر شعورهم بالغربة عن خطابهم الأصلي و"هم بالتالي بحاجة لمن يعترف بهم ويساعدهم على التعرّف على أنفسهم حتى يقدروا على استعادة توازنهم، وهو ما نلاحظه داخل الأقسام، إذ يمتلك التلميذ الفكرة مثلما يمتلك طريقة حكيها، لكن خطابه يأتي بلغته الأم التي استمدها من محيطه الاجتماعي والثّقافي عامة ومن محيطه الصغير الذي تمثله أسرته باعتبارها النواة الأقرب إلى التّأثير فيه".

في هذا الإطار يتنزّل كتاب "السرد الشفوي وبناء المعارف عند الطفل"، لمؤلفته نجيبة بوغندة والصّادر حديثا عن دار يس للنشر، والذي يروم توظيب فنون السرد الشفوي، في اتجاه مساعدة تلاميذ المدارس في البلدان العربية على استعادة توازنهم وتجاوز الصعوبات التي يواجهونها عند الحكي والتخلي عن الخوف واكتساب الثقة في النفس في بناء تعلّماتهم.

وقد قامت نجيبة بوغندة بتحسّس ملامح هذا السرد من خلال الدّراسات الحديثة وكذلك الأدب العربي، في ثلاثة أبواب كبرى تبدأ بتبيان السرد الشفوي وعلاقته باللغة والمقدّس والمعرفة، ثمّ تفكيك علاقة المعرفة بالسرد الشفوي وأثره في بناء العلوم وتطورها (مدخل نفسي معرفي) وتنتهي بالوقوف على علاقة التعليم البنائي بالقدرة التواصليّة وتحديد منزلة السرد الشفوي ووظائفه في البرامج الرسمية؟ (مدخل تعليمي تعلّمي).

أهميّة المبحث

تجمل الكاتبة نجيبة بوغندة أهميّة الكتاب في كونه خطوة صادقة نحو البحث عن كلّ العوامل الإيجابيّة التي تكون خادمة للسّرد الشّفوي الذي تبدو ملامحه غائبة في معظم الأحيان عن تلميذ مدرستنا الابتدائيّة، في اتجاه تكوين أجيال تحقق القدرة على التّعرّف على ذواتها، ولا تعجز عن التّعبير عمّا يشغلها ويشبع حاجاتها. ومتى حققنا ذلك، نكون قد ضيّقنا اتّساع الهوّة بين الطّفل والمؤسسّة التربوية، وحسّنا من مستوى القدرة على التّواصل، وأعددنا جيلا قادرا على إدارة الحوار المدرسي والحوار المجتمعي عندما يكبر، كما يكون مساهما فاعلا في الإبداع الذي نتوق إليه.

مفهوم السرد الشفوي

تشير بوغندة إلى أنّ ما يمكن تبيّنه من كلمة "السرد"، أنّ الأمر يتعلّق بالاتّساق والتّرصيف الجيّد والنّسج الحسن وتشابك المعاني، من خلال قوّة بنائه وتتابع أحداثه، وفي ذلك ما يحيلنا على قدرة هائلة لصاحبه على مواصلة الكلام في أريحية تامّة ودون انقطاع نتيجة تراكم المكتسبات الدّاعمة للرصيد المعجمي المتين الذي يساهم في متانة المضمون وغزارته اللّغويّة والمعنويّة التي تشدّ السّامع إليه وتؤثّر فيه.

وترى بوغندة أنّه يمكن أن نتبيّن من بعض المعاني لكلمة "السرد" أنّها تعني اللسان، وهو ما يزيد التّأكيد على متانة ارتباط السّرد بالمجال الشفوي بالدّرجة الأولى. وهذه الأهمية تظهر آثارها في المجال الكتابي ولا تتوقّف عند حدود الشّفوي.

في هذا الإطار، تضيف نجيبة بوغندة أنّ القدرة المتحدّث عنها أعلاه في تعريف "السّرد"، واستنادا إلى "سيمون دوك"، فإنها: "ملكة ذهنيّة مسؤولة عن إنتاج اللغة واستعمالها للأهداف التّواصليّة. ومتى نجح التلميذ في إنتاج مقام تواصلي شفوي، فهو بالتّأكيد قد حقق قدرة على حسن استعمال اللغة المناسبة للمقام المقترح، متحكّما في زمانه ومكانه وشخصياته والأحداث المناسبة لكلّ واحدة منها.

والسّرد مصطلح نقدي حديث، يعني "نقل الحادثة من صورتها الواقعيّة إلى صورة لغويّة"، على حدّ تعريف آمنة يوسف في مؤلفها "تقنيات السّرد في النّظريّة والتّطبيق"، وهو الحكي الذي يقوم على دعامتين أساسيّتين أوّلهما أن يحتوي على قصّة ما، تضمّ أحداثا معيّنة. وثانيهما أن يعيّن الكيفيّة التي تُحكى بها، وتسمّى هذه الطّريقة سردا، ذلك أنّ قصّة واحدة يمكن أن تحكى بطرق متعدّدة، ولهذا السبب فإنّ السّرد هو الذي يعتمد عليه في تمييز أنماط الحكي بشكل أساسي، تضيف بوغندة.

المدرسة التونسيّة ونظام المحاكاة الشفوي القديم

تقول بوغندة إن المدرسة التونسية تقوم في بعض جزئيات العمل من خلال مادّة التواصل الشفوي مثلا، على عالم المحاكاة الشفوي القديم، إذ تشجع عند استخراج البنية على إعادة الصيغ بما يتيح للطفل التمكن منها. وترى ذلك جليا، بحسب تأكيدها، في مادّة الإنتاج الكتابي الذي يعتمد بعض المدرّسين فيه على تكرار القوالب الجاهزة كما وردت على لسان أصحابها "قاصدين من وراء ذلك إثراء العمل المنتج، فيطالبون تلاميذهم بحفظ مقاطع تخصّ الأعمال أو الأقوال والوصف، والحال أنّ الأخذ عن الآخر لا يكون بتبنيه كاملا وإنّما بتوظيفه بطريقة موجزة من خلال عبارة أو كلمة يكون مكانها منطقيّا في النّص وغير مسقط بطريقة سمجة، تلغي أحيانا شخصيّة السارد لتتلبّس فكرته بما قاله غيره، فيفقد قيمته الفنية الذّاتيّة".

عوائق تملّك مهارات السرد الشفوي ومقترحات حلولها

تواجه التلميذ العديد من التحديات أثناء السرد الشفوي، يقطع مع كون اللغة العربية هي اللغة الرسمية في المؤسسة التربوية ولكنّ الحقيقة أن هذه اللغة ليست سوى وهما فضحه الاستعمال اليومي للغة من قبل الطفل جعله يتعامل معها كلغة غريبة أو أجنبية في تواصل التلميذ مع غيره حتى داخل المؤسسة التربوية ذاتها.

في هذا السياق، تعدّد الكاتبة نجيبة بوغندة الأسباب التي تقف حائلا دون تملّك التلميذ لقدرة السرد الشفوي، والتي يأتي على رأسها ضعف المهارات اللغوية. فبحسب تجربتها الطويلة في مجال التدريس في المدارس الابتدائيّة، تشير بوغندة إلى أنّ التلميذ في مدرسة اليوم يواجه صعوبة في تنظيم الأفكار والتعبير عنها بوضوح وبطلاقة، كما يجد صعوبة في استخدام المفردات المناسبة وتركيب الجمل بشكل صحيح.

يحتاج الطّفل عامّة وتلميذ المرحلة الابتدائيّة خاصّة، العيّنة التي يتناولها الكتاب بالدّرس، إلى طرق معيّنة تمكّنه من تحقيق سرد شفاهي منتظر، له خصوصيته، ويعتمد على التدرّج في بناء المعنى وخصوصية كلّ فئة عمريّة وتنويع الأنشطة ودفع الطّفل إلى المشاركة الإيجابيّة في كلّ أنشطة الفصل، مع الحرص على إشعاره بالثقة في نفسه وتثمين ما يأتيه من سرد مهما كانت المحاولة بسيطة.في هذا السياق، تذكر بوغندة ما يشعر به بعض التلاميذ من قلق وخجل عند الكلام أمام الجمهور. وهو أمر له أسبابه الخفية، قد تكون الوضع الاجتماعي أو النفسي وأسباب ظاهرية كتنمّر أصدقائه عليه أو عدم ثقته بنفسه. وأيّا كانت الأسباب فإنّ المحصّلة واحدة: تراجع قدرتهم على التعبير والخوف من مواجهة الآخر في مختلف مقامات التّواصل الشّفوي (الحوار/ السّؤال/ طلب المساعدة/ الفعل التّشاركي/ الإفصاح عن التّمشّي...)، وهو ما يحدّ من قدرتهم التفاعلية ويؤخّر بناء شخصياتهم ويُضعف قدرتهم على تملك المعارف.

ولمعالجة هذا الضعف في تملّك المعارف اللغوية والتعابير الشفويّة تقترح بوغندة منح مساحة زمنية معتبرة للسرد الشفوي، ذلك أنّ ضيق الوقت الممنوح للتلميذعند الحكي قد يزيد من الضغط على التلميذ ويؤثر على قدرته على تنظيم الأفكار والتعبير عنها بشكل مناسب، مما يدفعه إلى اتّخاذ موقف المتفرّج المستقيل من عمليّة بناء المعارف ويكتفي بالفتات الذي بناه غيره.

من ناحية أخرى ترى بوغندة أنّ اكتظاظ الأقسام في بعض المدارس يقلّل من حظوظ الفرد من نسبة مشاركته التفاعلية الشفوية. كما أنّ التشتت وفقدان الانتباه لدى التلميذ، خاصّة مع انتشار وسائل التكنولوجيا التي تدفع التلميذ إلى الانطواء والاكتفاء بنفسه، عواملُ تقلّل فرص التواصل والنقاش والتحاور وفرص النقاش التي تقوي ملكة الشفوي.

كذلك تلفت الكاتبة نجيبة بوغندة إلى مسبّبات أخرى عمّقت الهوة بين التلميذ والجانب الشفوي الذي يكاد ينعدم خاصة إن كان بالفصحى، من ذلك قلة التدريب والتمرين وكثرة مواد التدريس وغياب دور العائلة الموسعة ونقصد بذلك غياب حضور الجدّة والجدة والأعمام والأخوال ممن قد ييسرون تلك التملكيات في ظل غياب الأبوين للعمل. طبعا هذا لا يعني أن التلميذ لا يتفاعل شفويا ولكنه يعجز عن تحويل تلك القدرة إذا كانت بالفصحى ويقف مرتبكا أمام لغة يراها غريبة عنه وهو عكس ما يحدث إن وافقنا أن يتحدّث بالعامية.

المطالعة الفريضة الغائبة

لمعالجة جملة هذه المعوقات، تقترح الكاتبة نجيبة بوغندة ضرورة عودة المتعلّم إلى المطالعة، وهي دعوة توجهها على وجه الخصوص إلى وزارة التربية والتعليم بإعادة النظر في هذه المادة التي اعتبرتها برامجنا الحالية رافدا من الروافد التي تغذي مجال اللغة العربية، لكن على أرض الواقع لا وجود لها وهو ما أثر سلبا في مادة الإنتاج الكتابي باللغات التي تعتمدها مناهج التدريس، ففاقد الشيء لا يعطيه. كما يجب على المُدرِّس تحفيز بناء مهارات الحكي عند التلميذ وأن يكون واعيا بالمراحل التي يفترض أن ينطلق منها، كإعداد المحامل المحفّزة والتدرّج بعرضها عليه وخلق وضعيات دالة تُنطق الطّفل آليّا.

ويحتاج الطّفل عامّة وتلميذ المرحلة الابتدائيّة خاصّة، العيّنة التي يتناولها الكتاب بالدّرس، إلى طرق معيّنة تمكّنه من تحقيق سرد شفاهي منتظر، له خصوصيته، ويعتمد على التدرّج في بناء المعنى وخصوصية كلّ فئة عمريّة وتنويع الأنشطة ودفع الطّفل إلى المشاركة الإيجابيّة في كلّ أنشطة الفصل، مع الحرص على إشعاره بالثقة في نفسه وتثمين ما يأتيه من سرد مهما كانت المحاولة بسيطة.

وزارة التربية قادرة على تحويل الدفّة وإنقاذ المتعلمين من هذا الفشل الصارخ بإصلاح حقيقي شامل يراعي حاجات الطفل الوجدانية والمعرفية وخلق مناخ للإبداع يشجّع المجدّدين داخل فصولهم ويثمن مبادراتهم الشّخصيّة، وهي مطالبة بإعادة النّظر في أهمية مادة المسرح الخادمة للشفوي والقاطعة مع الخوف والارتباك والدافعة على الإيمان بالذات وبالتالي الانخراط في عمل تفاعلي يمكّن الطفل من التّعبير عما يخالجه.

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير كتب الكتاب التونسية تونس كتاب عرض نشر كتب كتب كتب كتب كتب كتب أفكار أفكار أفكار سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الابتدائی ة على الت من خلال فی بناء ا کانت فی هذا ة التی وهو ما ذلک أن

إقرأ أيضاً:

في كتاب "العودة إلى للتصوف".. حسام الحداد يطرح الأسئلة الشائكة في توظيفه السياسي

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

الكتاب نفذ بعمق إلى جوهر الإشكالية وتجنب تقديم الإجابات السهلة.

كيف تلاعب الإخوان والسلفيون بجبة التصوف؟

ما بين البحث المعرفي والتفكيك الأيديولوجي، يطرح الباحث الكبير حسام الحداد في أحدث كتبه "العودة إلى التصوف" قضايا جوهرية، محورها مدى إمكانية اعتبار التصوف بديلًا لحركات الإسلام السياسي.

لم يتعامل حسام الحداد مع هذا التساؤل ببساطة، كما فعل آخرون وجدوا في ذلك حلًا سحريًا، بل تناوله بعمق الخبير، موضحًا كيفية معالجة العنف والتطرف في الفكر السياسي الإسلامي عبر العودة إلى التصوف كتيار روحي وفكري.

وأكد  أن التصوف ليس مجرد طقوس دينية أو تأملات فردية، بل يحمل أبعادًا فكرية وإنسانية عميقة، ويُقدَّم باعتباره نموذجًا للتعايش السلمي ومواجهة التشدد. فالتصوف بمفاهيمه التي تركز على قيم التسامح والمحبة والسلام، يسعى ليكون بديلًا إيجابيًا بعيدًا عن العنف والانتقام الذي اتسمت به بعض الحركات الإسلامية المعاصرة.

لكن هذه الرؤية ليست بهذه السطحية ولا تخلو من تساؤلات وتحديات حقيقية؛ طرحها الكاتب بذكاء شديد  فهل يمكن للتصوف فعلًا أن يواجه التشدد الديني؟ وهل يملك القدرة على احتواء التيارات السياسية المتطرفة؟ وهل له تأثير على مفاصل السلطة في المجتمعات التي تشهد نشاطًا للحركات السياسية المتشددة؟ هذه التساؤلات تنبع من واقع معقد في العديد من الدول الإسلامية، حيث تُلقي التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية بظلالها على إمكانية تحقيق أي إصلاح جذري. قلم حسام لم يري في التصوف يوتوبيا إنقاذ، فالتصوف يواجه تحديات واقعية كبيرة تتعلق بمدى قدرته على اختراق التيارات السياسية أو التأثير على مفاصل الدولة في بيئات تعاني من أزمات شديدة التعقيد.

الجدل حول التصوف كبديل لا يخلو من أهمية في سياقات الحاضر، فهو يمثل نوعًا من العودة إلى الأصول الروحية والتسامح، وهي قيمة ملحة في عصرنا. ومع ذلك، الكتاب  يثير أسئلة مشروعة حول مدى واقعية تطبيق هذا الطرح، خاصةً عندما يتعلق الأمر بتأثيره الفعلي في عالم السياسة والأمن. لذا فإن الكتاب لم يقدم إجابات معلبة تريح القارىء الكسول بل الكتاب يجعلنا نتساءل: هل يمكن للتصوف أن يقدم حلًا عمليًا ومستدامًا في ظل تعقيدات الواقع الحالي؟ وهل يستطيع هذا التيار الفكري أن يتجاوز الحدود الروحية ليصبح قوة فاعلة في تغيير البنية السياسية والمجتمعية؟

إن العبور إلى سطور حسام الحداد العميقة في كتابه المدهش يأخذنا بقوة إلى تاريخ توظيف التصوف ومدى قابليته للتوظيف في الوقت الحاضر.

كتب الحداد يقول:

نشطت الأفكار المطالبة بتسييس التكتلات الدينية على مر التاريخ؛ فمنها من التقط الخيط وتحول من صومعة الحركة الفكرية، إلى حلبة المصارعة السياسية، بل وتخطاها ليستخدم العنف باحثًا عن السلطة، مثل جماعة الإخوان، ومنها من لم يتقبل الأمر، مثل الصوفيين، ولكلٍّ تحوّل أدواته ودوافعه.

ومن وقت ليس بالقليل طرحت تقارير بحثية واستخباراتية فكرة استخدام «الحركات الدينية الإسلامية» لأغراض سياسية، وأحد البدائل التي طرحت حينها كانت «الصوفية»؛ خاصة مع صعود الفكر السلفي والمتطرف واستحواذه على أتباع حول العالم، والبحث عن بديل لتحسين صورة الإسلام، لكن سرعان ما عاد هذا الاقتراح حبيس الأدراج والأطروحات غير الجدية.

لكن مع إعادة تقديم الصوفية باعتبارها البديل الأنسب لتحسين صورة الإسلام، بعد أعوام دامية من الإرهاب المتطرف في دول العالم؛ يعاد هذا الطرح إلى الأذهان، وقبل الدخول في جدوى هذا الطرح نحاول في هذه القراءة التعرف على علاقات جماعات الإسلام السياسي بالتصوف بين استغلال الإخوان وعداء الإسلام الحركي.

وقدم "الحداد" حسن البنا ومحاولة التوظيف كنموذج فكتب يقول: 

تفاوتت التأويلات حول السبب الذي دفع مؤسس جماعة الإخوان، حسن البنّا (1906-1949) لوضع تعريف لجماعته، التي أسسها عام 1928، ينص على كونها «دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية،..»، فأحسن هذه التأويلات ظنًّا ذهب إلى أن «البنّا» كان يدرك متطلبات المرحلة التي أسس فيها جماعته، والتي كانت تشهد تداعيات سقوط الخلافة العثمانية، في 1924م، أي قبل تأسيس «الإخوان» بأربع سنوات فقط، ما يطرح حقيقة أن المسلمين يعيشون لأول مرة بدون خلافة، وهو ما دفع باتجاه التفكير في تكوين جماعة دينية توافقية، أما التأويل الثاني، فيقول: إن مؤسس جماعة الإخوان ومرشدها الأول سعى من خلال تعريفه هذا إلى زيادة أعضاء جماعته حتى لو كلفه ذلك ضم أصحاب تيارات فكرية تتعارض مع أفكار الجماعة.

ويشير تاريخ جماعة الإخوان إلى واقعية الرواية الثانية، التي تشكك في نوايا «البنّا»؛ إذ تبنت جماعته سياسات تهدف لاختراق الطرق الصوفية والتيارات السلفية لاستقطاب أفرادها، ومن ثم إدخالهم لـ«الإخوان»، ثم يأتي بعد ذلك التفكير في تطويع فكرهم بما يتلاءم مع أفكار الجماعة.

 ويؤكد حسام  أن  جماعة الإخوان تمكنت أكثر من مرة من زرع عناصر تابعة لها داخل طرق صوفية، وذلك بإقرار الطرق نفسها التي اشتكت من رصد مظاهر غير صوفية بين أتباعها.

وفي كتابه «حتى لا تضيع الهوية الصوفية بين الإخوان المسلمين والشيعة وبني أمية الجدد»، أقرَّ المفكّر الصوفي محمود صبيح بواقعةٍ انضم فيها شاب إخواني لطريقة صوفية في محافظة بني سويف، جنوب القاهرة، ونجح في إخراج 30 صوفيًّا من الطريقة وضمهم لجماعة الإخوان.

حتى لا تضيع الهوية الصوفية بين الإخوان المسلمين والشيعة وبني أمية الجدد

حتى لا تضيع الهوية الصوفية بين الإخوان المسلمين والشيعة وبني أمية الجدد

وتابع «صبيح»، أن الجماعة نجحت في طنطا (شمال القاهرة، مدينة تُعرف بتوجهها الصوفي لاحتضانها ضريح القطب الصوفي أحمد البدوي) في الدفع بعضو فيها داخل إحدى الطرق، وتدرج حتى أصبح نائب شيخ الطريقة، بالإضافة لمحاولات قال «صبيح» إن الجماعة تبذلها للسيطرة على نقابة الأشراف (نقابة تضم المنحدرين من نسل البيت النبوي).

وفي فصل عنونه بـ«كيف يدعو الإخوان أحدًا من المتصوفة؟»، تناول «صبيح» التبريرات التي تقدمها جماعة الإخوان عندما تحاول استقطاب أحد أبناء الصوفية.

وتعتمد الجماعة بالأساس في ذلك على تعريف «البنّا» لها بكونها «حقيقة صوفية»، مستدعية تجربة «البنا» الصوفية التي سردها في مذكراته «الدعوة والداعية»، وقال فيها: “إنه نشأ تنشئة صوفية، عندما تعلق في طفولته بالطريقة الحصافية وشيخها حتى كان يأتيه في المنام”.

كما تحاول الجماعة -بحسب «صبيح» الذي كانت له تجربة داخل «الإخوان»- احتواء أية أسباب يطرحها الصوفي، ويرفض من خلالها عروض الانضمام للجماعة، فمثلًا إذا قال إنه لن يلتحق بجماعة متسلفة، يكون الرد «ادخل معنا وأصلحها»، أو “ادخل معنا وابقَ في طريقتك”.

ويضيف حسام قائلا:

تبدّل موقف مؤسس الجماعة وأتباعه من الصوفية، بعد العام 1928، فلم يتوان الإخوان من وقتها عن الأسطوانة المشروخة، التي تفيد بأن شيخهم أخذ من الصوفية ما يتناسب مع الدين، فلم يزر القبور أو يتبرك بالموتى، ولو قرأوا فيما خطَّه البنّا بيده في سيرته الذاتية لتساقطت مزاعمهم كالغبار.

جعلت الجماعة من مرشديها حَمَلَةً لمشاعل التنوير؛ فكتب البنّا مقالات ملأ بها مجلة الإخوان المنبثقة عن الجماعة، يطالب الطرق الصوفية بالإصلاح، وجاء المحتوى مناقضًا لموقفه القديم من الصوفية، فتساءل: “أيرضى النبي بهذه الخزعبلات التي ابتدعها القوم بعده، فجاءت مهزلة وأية مهزلة بهذه الجماعات الكسولة التي لا تجتمع في الميادين لتخيف العدو أو تنصر الدين، بل لتزعج السكان ليلًا بالصياح وقرع الطبول، فليجمع أهل الطرق رأيهم وليخططوا هذه الخطوة الصائبة، ولينظموا صفوفهم ويهذبوا نشيدهم أو يخلقوه خلقًا جديدًا”.

وعن السلفية والتصوف كتب الحداد يقول: 

بين الحين والآخر، تتجدد المعارك الكلامية، والفتاوى الدينية، ما بين التحريم والتجريم والتكفير تارة أخري، بين مشايخ الدعوة السلفية وقياداتها، وبين أنصار وأبناء الطرق الصوفية ومشايخها، فى حرب فتاوى ومعارك، الخاسر الوحيد فيها، هو الدين الإسلامي الحنيف، ووسطيته.

ويروج «السلفيون» إلى أن عددا من كبار المتصوفة، أمثال، الصيرفي، والغزالي، والزجاجي، والنساج، والقصار، والوراق، والخراز، والحلاج، ومن بعدهم المريدين، هم أصحاب بدع وشركيات ومنكرات ترتكب، جهارا نهارا باسم التصوف وباسم الأولياء، وباسم المرجعية وباسم الهوية، وتخالف الدين بل وتحاربه أيضا، بأن جعلت الشرك مكان التوحيد، والبدعة مكان السنة، والمنكر مكان المعروف، وحولت الناس إلى الجهل والخرافة، مما يُخرج المنتمين للطرق الصوفية من الإيمان للكفر، وبالتالي يستحل أعراضهم وأموالهم ودماءهم.

وتقوم «السلفية» بتقسيم «الصوفية» إلى ثلاث طبقات: الأولي، يغلب على أكثرهم الاستقامة فى العقيدة، والإكثار من دعاوى التزام السنة ونهج السلف، ومن أشهر رموز هذا التيار، أبو القاسم الخراز المعروف بـ«الجنيد»، ويلقبه الصوفية بـ«سيد الطائفة»، ومن أهم سماتهم كثرة الوعظ، والقصص مع قلة العلم والفقه والتحذير من تحصيلهما فى الوقت الذى اقتدى أكثرهم بسلوكيات رهبان أهل الكتاب ونساكهم حيث حدث الالتقاء ببعضهم.

مما زاد فى البُعد عن سمات الصحابة وأئمة التابعين، ونتج عن ذلك اتخاذ دورٍ للعبادة غير المساجد، يلتقون فيها للاستماع للقصائد الزهدية أو قصائد ظاهرها الغزل بقصد مدح النبي الكريم، مما سبب العداء الشديد بينهم وبين السلف، كما ظهرت فيهم ادعاءات الكشف والخوارق.

أما الطبقة الثانية، فهي التي خلطت الزهد بعبارات الباطنية، وانتقل فيها الزهد من الممارسة العملية والسلوك التطبيقي إلى مستوى التأمل التجريدي والكلام النظري؛ ولذلك ظهر فى كلامهم مصطلحات: «الوحدة، والفناء، والاتحاد، والحلول، والسكر، والصحو، والكشف، والبقاء، والمريد، والعارف، والأحوال، والمقامات»، وشاع بينهم التفرقة بين الشريعة والحقيقة، وتسمية أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن، وسموا غيرهم من الفقهاء أهل الظاهر والرسوم، وغير ذلك مما كان غير معروف عند السلف الصالح من أصحاب القرون المفضلة ولا عند الطبقة الأولى من المنتسبين إلى الصوفية، ومن أهم أعلام هذه الطبقة، أبو اليزيد البسطامي، ذو النون المصري، الحلاج، الترمذي.

والطبقة الثالثة، فيها اختلط التصوف بالفلسفة اليونانية، وظهرت أفكار الحلول والاتحاد ووحدة الوجود موافقة لقول الفلاسفة، كما أثرت فى ظهور نظريات الفيض والإشراق على يد الغزالي والسهروردي، ويعتبر «السلفيون» هذه الطبقة من أخطر الطبقات والمراحل التي مر بها التصوف، والتي تعدت مرحلة البدع العملية، إلى البدع العلمية، التي بها يخرج التصوف عن الإسلام بالكلية، ومن أشهر رموز هذه الطبقة، السهروردي، ابن عربي، ابن الفارض، وابن سبعين.

هذا التقسيم جعل «السلفيين» ينظرون إلى «الصوفية» و«التصوف»، بازدراء بل ويصل الأمر إلى التكفير والقتل، كما حدث في العديد من الوقائع، وآخرها حادث مسجد «الروضة» فى شبه جزيرة سيناء، وهو الذى يدفعنا إلى التساؤل عن أسباب هذا العداء بين فصيلين كلاهما يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

ولفهم هذا العداء يجب أن نتعرف على الاتهامات التي يوجهها السلفيون للصوفية، والتي يأتي فى مقدمتها «التقية»؛ فالسلفيون يعتبرون «الصوفية» تمارس «التقية الشيعية» وأنها مجرد «مخرج» من مخرجات التشيع، وأن فكرهم يعتمد على الكذب على الخصوم وعدم الرغبة فى الحوار والمصارعة بالألفاظ بعيدًا عن الحجة بالدليل والبرهان كالكتاب والسنة.

كما يتهم أصحاب الفكر السلفي دائما، أهل التصوف بـ«الخنوع» و«الجبن» تحت دعوى التكيف والعيش في مجتمع مدني، وأنهم لا يبغون التسيد على المشهد السياسي والاجتماعي على خلاف التيار السلفي، الذى يسعى بشكل دائم إلى تكريس خطابهم وإعلاء كلمة «السلفية» التي يجب أن تنازع الملك في السيطرة على قلوب وعقول المواطنين.

كما يعتبر السلفيون أن حياة التصوف لا تليق بالمسلم الحق الذى يجب أن يكون عالي الهمة وليس ذليلا وضعيفا وزاهدا في الحياة، ويعيش داخل المجتمع يعانى الانطواء والاستبعاد الاجتماعي، وكراهية الحياة، وحب الخمول والكسل حتى يصل إلى التسول.

ويعتبر السلفيون «الصوفية» وأنصارهم قوة كبيرة معطَّلة، ويريدون استغلالها أو القضاء عليها حتى يحتلوا المشهد الديني وحدهم، ليتفرغوا لمواجهة الدولة وتحقيق أهدافهم السياسية، وهو ما حدث فى عهد المعزول محمد مرسى.

وحول الصراع بين السلفية والصوفية كتب الحداد يقول لا يقف عند القضايا الفقهية العقائدية، بل كلا الطرفين يسعى كل منهما لاستقطاب أكبر عدد من الأتباع، ويرى كل طرف منهما أن لديه القوة لابتلاع الآخر وإلغائه وإنهاء وجوده إلى الأبد من خلال تكثيف الدعوة ومحاولة اجتذاب أتباع جدد.

فالسلفية والصوفية لديهما إحساس بالاصطفاء، فالسلفيون يعتبرون أفكارهم ومنهجهم الدعويّ، قائم على صحيح الدعوة الإسلامية ويركزون على إطلاق اللحى وتقصير الثوب للرجال ولبس النقاب للسيدات، وهو الأمر الذى يرى الصوفيون أنه تركيز على الشكل والمظهر دون الجوهر، وأن السلفية هي شكل بلا روح، وأنهم جماعات متشددة ومتجهمة تحتفل وتحتفى بالطقوس على حساب الحقيقة الدينية، وتتعامل مع الإسلام بشكل لا يقوم على الحب بقدر ما يقوم على المنفعة، كما يتهم الصوفية السلفيين بأنهم مصابون بمرض التعالي على المجتمع الذى يعيشون فيه ولديهم شعور زائف.

وهناك خلاف محتدم بين السلفية والصوفية لم يتوقف حول «ابن تيمية» الذى انتقد الصوفية، وما سماها بـ«البدع»، وشن عليهم حملة شعواء لا هوادة فيها، واتهمهم بالتآمر مع التتار، فى إسقاط الخلافة العباسية، وهو ما رد عليه الصوفية بتأليب الناس ضده واتهام أتباعه بالتطرف، واتهامه بالنصب والنفاق.

وفيما يتعلق بإثبات صفة الله، اعتمدت الصوفية على العقل فى تأويل الآيات القرآنية التى تفيد التشبيه والتجسيم وغيرها من الصفات التي لم يروها تليق بذات الله، وهو ما يرفضه السلفيون رفضا قاطعا، ونتيجة لموقف هؤلاء القاطع من عملية التأويل التي مارسها المتصوفة، يناصبونهم العداء، ويهاجمون ممارساتهم وطقوسهم وحتى عقائدهم، بل ويعتبرها بعضهم من تلابيس إبليس، وهو ما يعنى عدم وجود أية مساحة مشتركة للتلاقي مع المتصوفة.

دائما ما يتهم «السلفية» أتباع الطرق الصوفية، بممارسة الشرك الخفي، وأنهم يتبركون بالأضرحة ويلجأون للأولياء الصالحين لقضاء حاجاتهم، ويصل بهم الأمر إلى تقديم الولي على النبي، والإيمان بالحقيقة على حساب الشريعة، وعدم الالتزام بالفرائض المعلومة من الدين بالضرورة، كما يوجه السلفيون نقدًا حادًا للسلوكيات التي تحدث في موالد الأولياء الصالحين التي يرتادونها، ويحتفى بها الصوفيون، ويؤكد السلفيون أن الموالد يحدث بها اختلاط بين النساء والرجال، مما يترتب على ذلك شيوع أعمال الفسق والفجور في زحام الموالد، وأن حلقات الذكر تقوم على حساب الصلاة المفروضة

مقالات مشابهة

  • مجلة «كتاب» تتناول الجذور الثقافية العربية للإسباني غويتيسولو
  • العربي يعبر الساحل في كأس ولي العهد
  • الحياة البدوية في مرسى مطروح.. كتاب جديد للكاتب ابوبكر الصريحي
  • عيد الفطر في مصر طقسًا دينيًا لا يشبه سواه بالعالم العربي والإسلامي.. صور
  • تحقّق: هل تجبر بريطانيا فعلا تلاميذ المدارس على دراسة الإسلام؟
  • في كتاب "العودة إلى للتصوف".. حسام الحداد يطرح الأسئلة الشائكة في توظيفه السياسي
  • 1000 نسخة من كتاب «الأول» للقادمين إلى دبي
  • العيدية في التراث العربي.. من النشأة إلى الزمن الراهن
  • كتاب عمره 132 سنة يتنبأ بموعد العيد في 2025 .. صدفة أم عبقرية؟
  • احتفالاً بالعيد.. كتاب السيرة الذاتية لمحمد بن راشد هدية للقادمين عبر مطارات دبي