د. عنتر حسن: لبن الحمير والعلاج النوبي
تاريخ النشر: 14th, December 2023 GMT
النوبة في شمال السودان لهم اعشاب وعلاجات شعبية تخصهم من قديم الزمان واثبت نجاعتها وعلاجها لكثير من الامراض، يقول الشاعر النوبي جلال عمر وهو يسرد بعض الادوية الشعبية الشائعة في بلاد النوبة: (هنو اجي قون كدكود كرم) .. اي ان النوبي يستخدم لبن الحمير لعلاج (السعال الديكي) وهذا المرض يعتبر مرض بكتيري شديد العدوى يُصيب الجهاز التنفسي.
وكانت الملكة كليوباترا، آخر ملوك الأسرة المقدونية في مصر، تستخدمه في علاج البشرة، واكتشف ان هذا حليب الحمير فيه خصائص مضادة للميكروبات والفيروسات. وفيه فيتامينات ومعادن وبروتين، ومن أغنى الالبان بفيتامين دال. لكن هنالك مشكلة في لبن الحمير في ان في شربه ينطوي على خطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالغذاء. وهناك دائما خطر احتواء الحليب الخام على البكتيريا أو السموم الضارة الأخرى.
لذلك نجد ان الاسلام حرم شرب لبن الحمير وحرم استعماله تبعاً لحرمة لحمه، لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) رواه البخاري. وقال الإمام النووي رحمه الله: “لحم الحمر الأهلية حرام عندنا، وبه قال جماهير العلماء من السلف والخلف، ويعتبر لبنها نجساً كذلك تبعاً لحكم أكلها، قال الخطابي: هو قول عامة العلماء”. [المجموع شرح المهذب 9 /16].
هذا الامر متعلق بشرب لبن الحمير مباشرة بغرض التغذية، وأمّا التداوي به؛ فقد أجاز العلماء التداوي بالنجس غير الخمر عند الحاجة، بشرط أن لا يوجد بديل طاهر للعلاج، جاء في [مغني المحتاج 5 / 518]، اما التداوي بها بِصرفِها، كمعجون وكريمات ونحوها مما تستهلك فيه، فيجوز التداوي به عند فقد ما يقوم مقامه ممّا يحصل به التداوي من الطاهرات، ويمكن أن يستدل أيضاً لإباحة استعمال هذا المنتج من الكريمات والحبوب وادوية الشراب، فقهاء الحنفية قالوا بأن الأعيان النجسة إذا استحالت إلى أعيان أخرى طاهرة بحيث تفقد صفاتها فتعدّ طاهرة، وهذه العملية تسمى في الفقه الإسلامي بالاستحالة.
د. عنتر حسن
المصدر: موقع النيلين
إقرأ أيضاً:
رمضان كريم وكل عام وانتم بخير
في المعارك التي تدور في الخرطوم واحياءها العريقة وبين أهلها الطيبين اليوم، تتم الإشارة من وقت إلى آخر إلى حلة كوكو، وفي هذه المقالة الشيقة التي تسلط الضوء على اناس لم ينصفهم التاريخ وابطال من ايقونات التاريخ المنسية.
نحن اليوم نحتاج إلى احياء روابط الوطنية السودانية والوقوف ضد الذاكرة المثقوبة وضد خطاب الكراهية واليكم هذه المقالة التي تحمل شعاعا لوحدة الوجدان السوداني.
وسلاما على احياء الخرطوم والبيوت المهدمة وسلام على اهلها وسلام على الشهداء والجرحى ونعم للمواطنة بلا تمييز.
ياسر عرمان
كوكو كبانقو
(حلة كوكو الخرطوم بحري)
من سلسلة مقالات للدكتور / خالد مصطفى ، من الجبال الشرقية _ العباسية تقلي : -
جريدة فويس الإلكترونية، عدد اليوم الأول من مارس ٢٠٢٥ م
المك (كوكو كبانقو) - قصة ثائر من (الليري) إلى (حلة كوكو) بالخرطوم بحري.
في إطار سعينا لتسليط الضوء على شخصيات لم ينصفها التاريخ، نتحدث اليوم عن واحد من أبطال الدولة السودانية، الذي زلزل عرش المستعمر بالرغم من محدودية أدواته مقارنة بالتفوق الكبير للمستعمرين في مجال التسليح والتقنية.
بطلنا اليوم هو (المك كوكو كبانقو) مك جبل الليري بجبال النوبة، الذي سمّيت عليه (حلة كوكو) بالخرطوم بحري.
جاء في كتاب (أضواء على جبال النوبة) للأستاذ محمد علي جيلي: (كانت الليري تتبع إدارياً إلى تالودي، وهي تقع جغرافياً على حدود جبال النوبة و"تونجا"، وتتوسطها منطقة "البيضا" إحدى مستوطنات الزراعة الآلية، ويعتبر موقعها استراتيجياً لقربها من جنوب السودان، وتعتبر أكبر سوق للمحاصيل، وسكانها النوبة هم (الليري) و(اللبيرا) و(تكيم) و(لفوفا) و(طلسة)، طلسة هم في الأصل "تيرا"، هربوا من موطنهم الأصلي بسبب حملات ضدهم حين رفضوا دفع الضرائب، وفي قول آخر إن (طلسة) هم "كيقا" لغتهم مع مجموعة (كيقا)"، وبعض القبائل تنتسب إلى الحوازمة إلا أنَّ جذورها من النوبة، وأصلهم يرجع إلى "كيقا" بحسب ما يقوله الرواة ويقولونه عن أنفسهم.
يتمتع (كوكو كبانقو) بسلطاتٍ روحية وسياسية وإدارية، وبداية المشكلة التي أدت إلى اندلاع ثورته، هي الخلاف الذي نشأ بينه ومأمور المركز، حيث أبدى المك (كوكو كبانقو) بعض الملاحظات حول تصرفات المأمور العنصرية، ذلك بأنَّه كان يأخذ أبناء العرب إلى المدارس ويترك أبناء النوبة. أخذ "كوكو كبانقو" يردد ويكرر ذلك الموضوع كلما وجد فرصة اجتماع مع المأمور، إلا أنَّه لم يبدِ أي اهتمام لهذه المسألة، إلى أن دار نقاش حاد جداً بينهما في هذا الموضوع، ولم تكن هناك نتيجة إيجابية، فلذلك قرر ألا يدفع الجزية أو الضريبة السنوية، وبالرغم من إصرار المستعمر على دفعها إلا أنَّه لم يستجب لهم، استمر ذلك الحال حتى عام ١٩٢٠م، بعد ذلك أرسلت الحكومة قوة من الشرطة إلى مركز (الليري) لإجبار "كبانقو" على دفع الضرائب، فقبض على القوة وأوسعهم ضرباً ثمَّ أطلق سراحهم، بعد ذلك دعته الحكومة لحضور مؤتمر "بحيرة الأبيض"- الذي يحضره عادة رؤساء الإدارات الأهلية للقبائل في مناطق التماس - لوضع الحلول وفض النزاعات التي تحدث بين القبائل من حين إلى آخر، أو بين الحكومة والقبائل من ناحية أخرى.
استطاع مستر "جيلان" مدير مديرية كردفان إقناعه بدفع الضرائب، وذلك بعد ضم مديرية جبال النوبة إلى مديرية كردفان.
الموقف تبدل فى عام ١٩٢٩م، حينما تراجع المك (كبانقو) عن التزامه، ورفض دفع الضرائب، وعندما زار تالودي قابل المفتش الذي فرض عليه غرامة قدرها خمسة بنادق، وأمر بحبسه لحين السداد، وقد أُطلق سراحه بعد أن سدّد أتباعه الغرامة المفروضة ومتأخرات الضرائب، وظل تحت الرقابة إلى أن تمكن من الهرب وأعلن ثورته وخروجه ضد سلطة المستعمر.
اتخذت الحكومة الاستعمارية الخيار العسكري لحسم المك (كوكو كبانقو)، فتحركت قوة في نوفمبر ١٩٢٩ بقيادة مستر "أوكلي"، الذي أجرى اتصالات عدة بالمك، طالباً منه عدم مقاومة السلطة، ونصحه بأنَّ خيار التفاوض هو الأفضل في حل المشاكل، إلا أنَّ المك وأتباعه لم تكن لديهم ثقة في المستعمر، ورفضوا دفع الضرائب المقررة، مما دفع السلطات في تالودي إلى التوصية للسكرتير الإداري في كردفان باختيار العمل العسكري، ورفع الأمر للحاكم العام بضرورة قيام عمليات عسكرية في الليري بعد الفوضى التى سببها المك وأتباعه في المنطقة، والتشديد بضرورة استخدام القوة.
بدأت العمليات العسكرية في ١٦ ديسمبر ١٩٢٩م، بهجوم كاسح لتحقيق نصر سريع واعتقال المك (كوكو)، إلا أنَّ القتال ازداد شدة وضراوة، واستخدمت فيه قوات المستعمر المدفعية والطيران الحربي.
تذكر "دراسة السياسات الاستعمارية السالبة ومقاومة أبناء النوبة وجنوب السودان" الآتي: استمرت المعركة، وفي يوم ٢٣ ديسمبر ١٩٢٩م بدأ القصف الجوي بإلقاء القنابل، وتم إلقاء اثنتي عشرة قنبلة من طراز (١١٢ ل ب)، وست عشرة قنبلة من طراز (١٢٠ ل ب)، ولكن القصف الجوي لم يؤدِ إلى حسم المعركة، واستمرت المعارك وعملية القصف الجوي لعدة أيام، مركزة ضرباتها على مصادر المياه والكهوف التى لجأ إليها الأهالي للاحتماء بها.
لقد علّق المرافق السياسي للحملة قائلاً: إنَّ هؤلاء الأهالي كلما كثفنا عليهم القصف شعروا بأنَّهم مازالوا أقوياء جداً، وأنَّهم لا ينبغي أن يستسلموا أبداً.
وصلت قوات إضافية إلى (الدمبلو)، واستمرت المعارك لمدة عام كامل - من بداية شهر يناير عام ١٩٣٠م، إلى ٢ يناير عام ١٩٣١م- ولم تستطع قوات الإنجليز السيطرة على جبل "لفوفا"، بالرغم من أسلحتها المتطورة مقارنة مع أسلحة المك "كوكو" وأتباعه البدائية، وقد اهتمت الصحف البريطانية بهذه المعارك وأبرزتها في الصفحات الأولى.
قُبض على المك (كوكو كبانقو)، وحُكم عليه وعلى بعض أعوانه بالإعدام، ولم ينفَّذ عليه الحكم لكبر سنه ولكن نُفّذ على الباقين، وحكم على بعضهم بالسجن ونقلوا إلى سجن كوبر، ونفي المك "كوكو" من جبال النوبة إلى الخرطوم؛ حيث أسكن في مساحة شرق سجن كوبر بالخرطوم بحري، في المكان الذي يعرف الآن بـ "حلة كوكو"). الكتاب المصدر ص ٨٥
ف ( كوكو) الذي سميت عليه هذه المنطقة (حلة كوكو) هو هذا البطل السوداني المك كوكو كبانقو، وبدلاً عن كتابة سيرته الذاتية وبطولاته عند مدخل حلة كوكو من كل الجهات، ظل مجهولاً لا يذكره أحد، نتمنى أن يعاد له جزء من حقه، ويتم تكريمه، وذلك بتعريف الأجيال ببطولاته. والسلام.
مركز دراسات جبال النوبه