يقظة العقل من فرش الملاية للتصورات الخلاقة
تاريخ النشر: 13th, December 2023 GMT
أن الأزمة السياسية التي تحدثت بعد ثورة ديسمبر 2018م، تؤكد حالة من التوهان تعيشها القوى السياسية، و انعكست بصورة تلقائية على النخب السياسية و المثقفة و حتى الذين يقع عيهم عبء التنوير في المجتمع، و تعود لضعف الثقافة الديمقراطية التي تسببت فيها طول فترة النظم الشمولية. يقول عنها المفكر السوداني محمد بشير " عبد العزيز حسين الصاوي" في كتابه "الديمقراطية المستحيلة" يقول ( أن تراجع ديمقراطي يؤدي لتراجع تنويري و يوضح ذلك استطالت أعمار النظم الاستبدادية.
أن ثقافة فرش الملاية السائدة الآن في الساحة السياسية السودانية، تبين أن الفئة التي يقع عيها عملية توعية الجماهير تعاني ن إشكالية عدم الإتزان. و "ثقافة فرش الملاية" هي ثقافة شعبية مصرية عندما يقع خلاف في المناطق الشعبية و تكون المرأة أحد أطرافة تفرش الملاية التي تتغطى بها في الأرض، و تبدأ تردح و تشتم في الجانب الأخر.. و لا يسمع المارة في الشارع غير صوتها فقط، و يغيب صوت الجانب الأخر. و بعد ما تنتهي لا تعرف نتيجة الذي حصل غير أنه كان خناق. بدأت هذه الحالة تتغير من خلال بعض نخب قادة الرأي في أعمال العقل، بأن ينقلوا حالة الصراع من الأفق المسدود إلي الفضاء المفتوح . و تقديم أفكار و تصورات يفكر فيها الراغبين في أن تسلك الأحداث طريق الحوار و العقل.
كتب الدكتور الواثق كمير مقالا نشره في جريدة " سودانيل" بعنوان " سودان ما بعد الحرب.. ملامح من رؤية" و المقال هو امتداد لمقال صوتي أخر أجاب فيه الكاتب على سؤالٍ مُهمٍ يطرحه كثيرون عن: كيفية وقف الحرب ومصير مليشيا الدعم السريع، وفي هذا المقال المكتوب يحاول الكاتب الإجابة على سؤالٍ: ما هي ملامح الروية للسودان بعد أن تضع الحرب أوزارها؟ و يقول الكاتب الإجابة على السؤال ( أن الرؤية لا يمكن فصلها أو فهمها بِمعزلٍ عن كيفية إيقاف الحرب ومستقبل الدعم السريع. فرؤيتي لسودان ما بعد الحرب، التي يُشاركني فيها كثيرون استأذنتهم في الحديثٍ عن ملامحها ، ولها ركيزتان، أولاهما: لا أحدٌ يريد لهذه الحرب أن تستمر، بإستثناء تجارها وسماسرتها، ونعم للتفاوض حول الترتيبات الأمنية الذي لا يعيد انتاج المليشيا الموازية للجيش، ويُنهي الحرب بمُخاطبةِ ومُعالجةِ مُسبباتها، ويُحسم قضية تشكيل الجيش الوطني الواحد والقيادة الموحدة، وتكوين جيش مهني يستبعد وجود أي تنظيم سياسي داخله.. الركيزة الثانية للرؤية تقوم على ضرورة مراجعة منهج القوى السياسية والمدنية في التعامل مع الفترات التي تعقُب الثورات (1954، 1985، 2018) وتغيير الهدف من "انتقال السلطة" إلى هدفِ "تأسيس الدولة) نأسف للإطالة؛ و الهدف منها التوضيح. أن الرؤية تحمل شقين كما هو مبين، أهم أعمدة الحل أن إنهاء الحرب إذا كانت عبر طريق التفاوض أو الحوار الجامع أو عسكريا يجب أن لا تكون هناك أي قوى عسكرية في البلاد غير الجيش الواحد الموحد بعد الحرب، و كما قال الدكتور الواثق أن محاولة إبقاء الميليشيا يعني الرجوع مرة أخرى للحرب، و التي سوف تكون أشرس من الدائرة الآن. القضية الثانية: تجاوز بدعة الحاضنة السياسية للفترة الانتقالية، و التي يجب أن تترك لحكومة يتم الاتفاق عليها في حوار شامل، حكومة تكون بعيدة عن المحاصصات و الانتماءات السياسية. بدلا عنها يفتح حوارا جامعا " مؤتمر دستوري" ليس فيه إقصاء لأي قوية سياسية بهدف صناعة الدستور الدائم للبلاد، و معالجة الجذور التاريخية للأزمة. و التي قال عنها الدكتور الواثق كمير في مقاله (ترجع الدوافع الرئيسة والأسباب الجوهرية لهذه الحروب إلى الاختلال الهيكلي في دولة ما بعد الاستقلال التى اخفقت في مخاطبة القضايا التأسيسية والمباديء الدستورية وأُسس بناء دولة المواطنة السودانية.) أن مشاركة كل السودانيين في كيفية وقف الحرب الدائرة الآن، و معالجة إختلالات الدولة و صناعة الدستور مسألة مهمة، لأنها تفتح أفاقا جديدة للحل، دون فرض الشروط المسبقة من أي قوى سياسية، إذا كان الكل بالفعل ساعي لبناء دولة موحدة و ديمقراطية، أما إذا كانت هناك قوى عندها أهداف أخرى غيرها، لا اعتقد أنها سوف تقف في الجانب الصواب من العملية السياسية.
معلوم هناك تغيرات جوهرية يجب أن تطال منظومة النظام السابق، مثل تفكيك دولة الحزب لمصلحة الدولة التعددية، و محاسبات قد توسعت دائرتها بعد الحرب، و يجب أن تطال كل الذين ارتكبوا جرائم ضد الدولة و مؤسساتها و ضد المواطنين في اعراضهم و ممتلكاتهم، و أيضا محاسبة المفسدين، و كلها يجب أن تكون عبر المؤسسات العدلية التي كتفل العدالة للجميع. أن عملية التحول الديمقراطي تتطلب؛ كلما كان هناك إصلاحا أو محاسبة يجب أن ترسى فيها القيم العدلية التي تعتبر من أهم ركائز الديمقراطية. و أن عملية التحول الديمقراطية تؤسس على ركيزتين؛ الأول الممارسة التي لا تتجاوز القانون و اللوائح و التي ينتج عنها ثقافة ديمقراطية تعزز تنوع ثقافة المجتمع و أعرافه. و الثاني إصدار تشريعات تتوافق مع الديمقراطية و لا تتعارض مع قيم المجتمع. إلي جانب أن إصلاح الجيش و المؤسسات الأمنية و الشرطة قضية وطنية يجب أن لا يتم تناولها في المنابر العامة، بل هي قضية يجب مناقشتها بين السلطة المدنية المنتخبة و قيادة هذه المؤسسات بعيدا عن السابلة.
أن القوى السياسية يجب أن تحدد أولوياتها و ترتب أجندتها وفقا للأولويات، إذا كان على رأس الأجندة عملية التحول الديمقراطي يجب أن لا يكون أختلافا البت، لآن شروط التحول الديمقراطي أن تفتح الأبواب لكل من يريد أن يكون جزءا من العملية السياسية التي تفضي إلي التحول الديمقراطي، و أصحاب هذه الرؤية دائما مرنين و متسامحين لأنهم يريدون جمع أكبرقاعدة اجتماعية داعمة للتحول الديمقراطي، و في نفس الوقت متمسكين بمبدأ و شروط التحول الديمقراطي.. أما إذا كان سعيهم من أجل السلطة هؤلاء دائما يضيقون الواسع بهدف تحقق أكبر مكاسب حزبية و شخصية، و ممارستهم سوف تفضح شعاراتهم. نسأل الله حسن البصيرة.
zainsalih@hotmail.com
/////////////////
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: بعد الحرب إذا کان یجب أن
إقرأ أيضاً:
الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
اليوم أعلن ترمب الحرب الأقتصادية علي جميع دول العالم وفرض جمارك باهظة علي صادراتها للولايات المتحدة، وهي أكبر سوق في العالم. هذه الجمارك تهز الأقتصاد العالمي، وتربك سلاسل الإمداد وتضرب أسواق أمال العالمية. واهم من ذلك إنها تهدد بتدمير معمار النظام الإقتصادي العالمي الذى ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وكل هذا ستترتب عليه تحولات جيوسياسية جديدة وتسريع لديناميات أخري ولدت قبل إعلان ترمب الحرب الأقتصادية علي الجميع.
ولكن سياسات ترمب أيضا سيكون لها أثار سلبية باهظة علي الإقتصاد الأمريكي مثل إرتفاع معدلات التضخم، وازدياد العزلة الدولية لأمريكا وتراجع أهمية الدولار حول العالم.
فيما يختص بالسودان، قرارات ترمب لا تاثير لها لانه فرض جمارك علي صادرات السودان جمارك بنسبة ١٠% ولن تؤثر هذه النسبة لا في حجم الصادرات ولا علي أسعارها لان تلك الصادرات أصلا قليلة القيمة في حدود ١٣،٤ مليون دولار في العام السابق، أكثر من ٩٠% منها صمغ لا بديل له والباقي حرابيش حبوب زيتية . كما أن السلع المصدرة لا توجد بدائل لها بسعر أرخص إذ أنها أصلا رخيصة ولا تتمتع بمرونة في السعر ولا الطلب.
كما أن إهتزاز أسواق المال والبورصات وقنوات التمويل الدولي لا تاثير لهم علي السودان لانه أصلا خارج هذه الأسواق وخارج سوق المعونات.
ولكن هذه ليست نهاية القصة لان توجهات ترمب الأقتصادية والسياسية تدفن النظام العالمي القديم وتسرع من وتائر تحولات جديدة في غاية الأهمية. وبلا شك فان موت النظام القديم وميلاد نظام جديد وفوضى الإنتقال سيكون لها تاثير سياسي وإقتصادي علي السودان بسبب تبدل البيئة الدولية التي يعمل فيها السودان السياسي والاقتصادي. ولكن هذه التحولات المضرة لن يتأذى منها السودان مباشرة بل ربما يستفيد منها لو أحسن قادته.
علي سبيل المثال النظام الجديد سيكون متعدد الأقطاب وستنتهي فيه الهيمنة الغربية الأحادية وستزداد مجموعة البريكس أهمية وستزداد أهمية تكتلات أقتصادية أخري أخري في الجنوب العالمي مثل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، وفي أمريكا اللاتينية السوق المشتركة الجنوبية (ميركوسور)، وفي المستقبل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية . وجود كل هذه البدائل كشركاء أقتصاديين/تجاريين/سياسيين محتملين يتيح للسودان هامش للمناورة وإمكانية الحصول علي شروط أفضل في تعاطيه الأقتصادي والسياسي مع العالم الخارجي.
ولكن الإستفادة من هذه التحولات يحتاج لرجال ونساء يجيدون صنعة الدولة ولا يقعون في فخاخ ألحس كوعك علي سنة البشير ولا الانبطاح غير المشروط كما حدث في الفترة الإنتقالية التي أعقبت سقوط نظام البشير.
معتصم اقرع
إنضم لقناة النيلين على واتساب