فوبيا السنوار.. كيف أصبح قائد حماس في غزة كابوساً لـ الاحتلال الصهيوني؟.. تقرير
تاريخ النشر: 11th, December 2023 GMT
لم تكن تعرف دولة الاحتلال الإسرائيلي بأن الرجل الذي ستفرج عنه في أواخر عام 2011، سيصبح غريمَها الأول، والشخص الذي أقض مضاجع ملايين الإسرائيليين، وقلب أجندة الاحتلال رأساً على عقب.
يحيى السنوار، ذو الـ61 عاماً، يعتقد الإسرائيليون أنه مهندس هجوم الـ7 من أكتوبر، أو ما يسميه الإسرائيليون هجوم "السبت الأسود"، تعبيراً عن ثقل ودموية ذلك اليوم، الذي مثّل صدمة لا يبدو أن الاحتلال سيتعافى منها.
قضى السنوار أكثر من 23 عاماً خلف قضبان الاحتلال، وهناك تعلّم اللغة العبرية حتى أجادها، وأصبح خبيراً في التعامل مع العقلية الإسرائيلية، ليمنحه ذلك قدرة على التلاعب بأجهزة استخبارات "تل أبيب"، وإرباكها طيلة عقود.
من هو السنوار؟
وُلد السنوار عام 1962، في مخيم خان يونس الذي تعتبره "إسرائيل" معقل حركة حماس، لأسرة لاجئة، من مدينة المجدل قرب مستوطنة عسقلان، حصل على البكالوريوس في الجامعة الإسلامية بغزة، وفيها تشرب قيم المقاومة والنضال ضد الاحتلال حتى أصبح من صفوة شباب الحركة لاحقاً.
خطط لتأسيس جهاز عسكري، عُرف لاحقاً باسم "المجاهدون الفلسطينيون"، واعتقل في يناير 1988، وحكم عليه بالمؤبد أربع مرات وثلاثين عاماً، وداخل السجن التقى الشيخَ أحمد ياسين، الذي رأى فيه سمة القادة.
عُرف السنوار بشخصيته الصارمة الكتومة، والقيادية، وهذا ربما ما جعله لاحقاً أحد أهم المطلوبين للاحتلال، بل الأول على رأس القائمة.
وفقاً للتقارير، ساعد السنوار في إنشاء كتائب القسام -الجناح العسكري لـ"حماس"- ثم أصبح مسؤولاً عن جهاز الأمن الداخلي في غزة، المعروف بـ"مجد"، وكانت لديه استراتيجية مهمة للقضاء على عملاء الاحتلال في قطاع غزة؛ وهو ما تسبب في حالة من العمى لـ"إسرائيل".
انعكس دور السنوار على مجمل الأحداث التي أعقبت خروجه من السجن، فكانت بصماته واضحة في حرب عام 2014، و2021، وأسهم في تعزيز موقف المقاومة داخل القطاع، وتعرض لمحاولة اغتيال فاشلة عام 2021، وظل على قائمة الاغتيال جنباً إلى جنب مع القائد العام لـ"القسام" محمد الضيف.
انتخب في 2017، رئيساً لحركة حماس في غزة خلفاً لإسماعيل هنية، ومنذ ذلك الحين، يمكن القول إنه أصبح رجل حماس الأول في القطاع المحاصر.
قراءة إسرائيلية خاطئة
اعتقل الاحتلال القيادي يحيى السنوار عام 1988، وحُكم عليه بأكثر من 400 عام، ثم أُفرج عنه ضمن صفقة الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط، مع أكثر من 1000 فلسطيني.
لكن السنوار لم يكن كأي أسير آخر، ولا كأي قيادي آخر يعتقله الاحتلال، ويحكم عليه، بل كان رجلاً كتوماً ذكياً قادراً على الاستفادة من ظروف محبسه، واكتساب مهارات تُمكنه من قراءة عدوه جيداً.
تعلَّم السنوار اللغة العبرية، وكان حريصاً على مطالعة الصحف العبرية، وقرأ كثيراً من الدراسات التي تتعلق بالشأن الداخلي الإسرائيلي، وهذا منحه قدرة على سبر أغوار عدوه، وخداعه.
أوهم السنوار سجانيه بأنه بات مقتنعاً بأن السلام هو ما ينتظر الجميع في نهاية المطاف، ومنح أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية شعوراً بالرضى والارتياح، بعد أن اعتقدت أنها سبرت أغوار نفسه، لكنها فشلت.
وفقاً لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، فإن القراءة الخاطئة لشخصية السنوار من قبل "إسرائيل"، شكّلت مقدمة لأكبر فشل استخباراتي في تاريخ تل أبيب".
وأضافت أن "الخبرة الإسرائيلية في التعامل مع السنوار، لم تؤدِّ إلا إلى تهدئة قادة الأمن الإسرائيليين ومنحهم شعوراً زائفاً بالرضى عن النفس"، في حين اعتبر ضابط مخابرات إسرائيلي يدعى مايكل ميلشتاين، أنهم "لم يفهموا السنوار إطلاقاً".
قدرة الرجل على خِداع "إسرائيل" جعلت الاحتلال يتجاهل كل المعلومات والتقارير التي وصلت إليه عن التحضيرات لعملية "طوفان الأقصى"، لدرجة أنه في 2022، أنتجت قناة الأقصى مسلسلاً اسمه "في قبضة الأحرار"، رأى فيه المراقبون تطبيقاً حرفياً لهجوم 7 أكتوبر، وهو المسلسل الذي كرّم السنوار أبطاله، كل ذلك تحت سمع وبصر الاحتلال.
"رجل ميت يمشي"
هوس إسرائيل بالسنوار جعلها تضعه على رأس قائمة الأهداف في غزة، حتى لو تطلَّب الأمر تدمير القطاع ودك أحياء كاملة على رؤوس ساكنيها؛ لاعتقادها أنه مهندس هجوم السبت الدامي على مستوطنات وثكنات غلاف غزة.
ويبدو أن "إسرائيل" تشعر بالمرارة إزاء الخديعة التي تعرضت لها، بسبب سوء تقييمها لخطر السنوار، وما شكَّله لاحقاً من تهديد وجودي على "إسرائيل".
ويجمع القادة السياسيون والعسكريون والاستخباراتيون في "إسرائيل" على أن السنوار "رجل ميت يمشي"، في إشارة إلى حتمية الوصول إليه وتصفيته، فهو بالنسبة لهم المخطط الأول لذلك الهجوم.
ووفقاً لشبكة "سي إن إن"، فإن السنوار بالنسبة لـ"إسرائيل" مثل "أسامة بن لادن بالنسبة لأمريكا"، مشيرةً إلى أن الاحتلال سيواصل ملاحقة السنوار، حتى يتمكنوا منه، وأن الحرب لن تتوقف إلا بذلك.
لكن يبدو حتى اللحظة أن "إسرائيل" لم تقترب حتى من السنوار، ويبدو أن التكلفة الباهظة التي يدفعها جنودها، قد تجعلها تخفض سقف أهدافها، بعد أن حولت غزة إلى مقبرة لعشرات آلاف المدنيين، دون تأثير واضح على قدرات المقاومة، ورجال السنوار.
وفي هذا السياق قال رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، تساحي هنغبي، إنه في حال تلقي معلومات حول مكان السنوار "ونعرف أنه محاط بمخطوفين (أسرى) إسرائيليين، فسيضعنا ذلك في حيرة تُمزق القلب"، في إشارة إلى عدم اكتراث الاحتلال لمصير أسراه في غزة.
وأوضح في حديث للقناة 12 العبرية: "سيكون هذا الاختيار مؤلماً، ولكن هذا يعني أننا وصلنا إليه (السنوار)، وإذا وصلنا إليه فهذا إنجاز عظيم".
وتابع: "إذا قتلنا السنوار فربما تدرك القيادة التي ستخلفه أنه يتعين عليها مغادرة غزة (..) لإنقاذ حياتها. قتل السنوار هو مفتاح لتحقيق أهداف الحرب: القضاء على حماس وتحرير المختطفين"، على حد تعبيره.
حالة الفزع من السنوار لم تقتصر على "إسرائيل" وحدها، بل أصبحت الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى ترى فيه خطراً يستوجب العقوبة، ومن هنا شرعت عديد من تلك الدول في فرض عقوبات عليه.
ففي منتصف نوفمبر الماضي، أعلنت بريطانيا والولايات المتحدة فرض عقوبات على السنوار وخمسة من قيادات "حماس" ومموليها، تتضمن حظر السفر وتجميد الأصول وحظر الأسلحة.
ومطلع ديسمبر الحالي، فرضت فرنسا عقوبات على السنوار تتضمن تجميد أصول وممتلكات، إلى جانب قيادات أخرى من قيادات "حماس" في غزة.
أضاع هيبة "إسرائيل"
السنوار من وجهة النظر الإسرائيلية بات رمزاً مهماً من القادة الفلسطينيين بعد السابع من أكتوبر والحرب على غزة، والأضرار التي تسبب فيها السنوار وكتائب القسام في الهجوم المفاجئ على "غلاف غزة" وبلدات إسرائيلية بالجنوب والنقب لم تحدثها الجيوش العربية في مختلف حروبها مع "إسرائيل"، وفقاً للصحفي المهتم بالشأن الإسرائيلي، محمد محسن وتد.
وأضاف وتد في تصريح لـ"الخليج أونلاين": "ومن ثم، فالسنوار أصبح يرمز إلى الشخص الذي تسبب بانتكاسة (إسرائيل) في طوفان الأقصى وغيَّر صورتها سواء داخلياً أو عالمياً وكذلك إقليمياً".
ويشير الصحفي وتد إلى أن المؤسسة الإسرائيلية بمختلف أذرعها، تجمع على أن "رئيس حركة حماس في قطاع غزة، يحيى السنوار، هو العقل المدبر والمخطط لمعركة "طوفان الأقصى" بالسابع من أكتوبر، وهو الهجوم المفاجئ الذي لم تشهده (إسرائيل) منذ نكبة 1948 أو ما تسميها تل أبيب بـ"حرب الاستقلال".
ولفت إلى أن السنوار "يجيد اللغة العبرية ويفهم العقلية الإسرائيلية، وكيف تفكر (إسرائيل) وإلام تخطط، ولذا تراه (إسرائيل) خطراً عليها، وأعلنت على لسان رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، أن السنوار هدف وسيتم اغتياله".
واستطرد وتد قائلاً: "بعيداً عن الماضي والسجال حول خطأ (إسرائيل) بالإفراج عن السنوار، فإن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن حماس لديها كثيرون على شاكلة السنوار، ولذا تصر المؤسسة العسكرية على تقويض قوة حماس عسكرياً، واستنزاف قدراتها الصاروخية وترسانتها خلال الحرب".
وأضاف موضحاً: "المستوى السياسي يصر على تقويض الحكم المدني لحماس في غزة، وهي أهداف تكون مهمة مستحيلة ويصعب تحقيقها بفترة زمنية قصيرة، بحسب التقديرات الإسرائيلية".
وأشار إلى أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ومن خلال معرفتها بالسنوار الذي أُخضع للتحقيق لديها خلال وجوده بالأسر "تجمع على أنه لن يستسلم، ولن يقدم أية تنازلات حتى في ملف الرهائن (الأسرى) وصفقة التبادل المستقبلية، وسيبذل قصارى جهده حتى اللحظة الأخيرة لإيذاء (إسرائيل) قدر الإمكان".
المصدر: مأرب برس
إقرأ أيضاً:
تقرير: حماس "تحت الحصار"
يتصاعد الضغط على حركة حماس في غزة، حيث تحولت النزاعات إلى العنف، في وقت توسع إسرائيل عملياتها البرية في القطاع.
عززت إسرائيل قواتها حول المناطق الاستراتيجية في القطاع وحولها
وكتبت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، أن العمليات البرية الإسرائيلية أتت بينما تواجه حماس تفجراً متصاعداً في الغضب الشعبي، بسبب دورها في الحرب المستمرة منذ 18 شهراً.
والثلاثاء، قتل أفراد من عائلة أبو سمرا ذات النفوذ شرطياً من حماس، بعد مطاردته وإطلاق النار عليه، بزعم أنه قتل أحد أبناء العائلة، ويدعى عبدالرحمن.
Members of an influential Gaza family killed a Hamas police officer, highlighting how the militant group is being squeezed by rising anger and Israel’s growing offensive https://t.co/W4r8timA4g
— The Wall Street Journal (@WSJ) April 2, 2025وقالت العائلة إن الشرطي قتل عبدالرحمن بينما كان ينتظر في طابور من أجل الحصول على كيس من الطحين في مركز لتوزيع الغذاء. وانتشر فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لعملية القتل الانتقامية في مدينة دير البلح بوسط القطاع، الثلاثاء.
وفي وضح النهار، أمر مسلحون الرجل بالركوع في مواجهة جدار، ثم أطلقوا النار من خلف ظهره، واستمروا في إطلاق النار على جثته بعد سقوطه، ولم يكن أي من المسلحين يضع قناعاً على وجهه.
وقالت عائلة عبدالرحمن في منشور على فيسبوك: "لسنا مُحرِّضين على الفتنة، ورد الفعل كان غير مُدبَّر. قُتل عبدالرحمن غدراً برصاصة مباشرة. كان يتيماً وشاباً خلوقاً".
أما حماس فوصفت مقتل ضابط شرطتها، بأنه "جريمة شنيعة، يجب مواجهتها بعقوبة حازمة وحاسمة"، وقالت إن الصراعات بين سكان غزة والحركة تضعف موقف الفلسطينيين في المواجهة مع إسرائيل.
Immediate blood vengeance: A Hamas officer has been executed following the fatal shooting of a young man from Gaza.
In Deir al-Balah, central Gaza, the Abu Samrah clan has executed Hamas officer Ibrahim Sheldan for taking the life of a family member.
Hamas is now turning… pic.twitter.com/CdB18NMa4j
وبعدما سمحت حماس أول الأمر للاحتجاجات الصغيرة بالظهور، شنت حملة قمع عقب دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم تظاهرات كبرى الجمعة الماضي، مستهدفة الناشطين والأنصار المفترضين لحركة فتح المنافسة، وهي الحركة التي تدعم السلطة الفلسطينية التي تحكم معظم الضفة الغربية.
وأفاد سكان غزة، أن مقاتلي حماس أمروهم بالبقاء داخل منازلهم، وقتل عناصر حماس ناشطاً، وفقاً لعائلته، وأرسلوا تهديدات بالقتل إلى آخر.
وتوقفت الاحتجاجات في الشارع. ومع ذلك، فإن ظهور المعارضة إلى العلن واندلاع العنف، يثبتان أن سكان غزة باتوا يمتلكون الجرأة على مقاومة حماس، التي أضعفتها الغارات الجوية والعمليات البرية الإسرائيلية. واستمر الكثير من الأشخاص في التحدث عبر مقابلات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، على رغم الخطر على حياتهم.
وفقدت الحركة، التي سيطرت على غزة عام 2007، قادة رئيسيين وزعماء سياسيين. وهي حتى الآن، تبدي ميلاً محدوداً للقيام بعملية قمع واسعة للمعارضين. وبالمقارنة مع عام 2019، تعرض مئات الفلسطينيين الذين احتجوا على الأوضاع الاقتصادية المتردية، للتعذيب والضرب والتوقيف، وفق منظمات حقوق الإنسان.
ووضع المسؤولون الإسرائيليون خطة لزيادة الضغوط على حماس، والتي قد تؤدي إلى غزو كامل لقطاع غزة، حيث تسيطر القوات الإسرائيلية على الأراضي وتسيطر على تسليم المساعدات.
وعززت إسرائيل قواتها حول المناطق الاستراتيجية في القطاع وحولها، وأمرت المدنيين بإخلاء المزيد من المناطق والتوجه إلى مناطق محددة على طول الساحل. وفي وقت سابق من مارس، أغلقت إسرائيل كل المعابر المؤدية إلى غزة، مانعةً دخول المواد الغذائية وغيرها من الإمدادات.
ونشرت إسرائيل أيضاً قوات برية في الشطر الشمالي من غزة، وتشن غارات جوية يومية في أنحاء القطاع منذ استئناف القتال، وركزت إسرائيل بشكل خاص على قتل عناصر الجناح السياسي لحماس، سعياً منها لتقويض قبضة الحركة على السلطة.
ويأمل مسؤولون إسرائيليون في أن يؤدي مزيج من الضغط العسكري والاحتجاجات من قبل السكان المدنيين، على دفع الحركة إلى القبول بالمطالب الإسرائيلية والأمريكية بإطلاق الرهائن الإسرائيليين الذين لا يزالون محتجزين في غزة.
وأعرب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ومسؤولون إسرائيليون آخرون بارزون، علناً عن تأييدهم لمحتجين، وهم يدفعون المدنيين في غزة إلى إسقاط حماس.