يقع مستقبل الوقود الأحفوري في قلب قمة الأمم المتحدة للمناخ في دبي، حيث يدعو العديد من الناشطين والخبراء والدول إلى اتفاق للتخلص التدريجي من النفط والغاز والفحم المسؤول عن ارتفاع درجة حرارة الكوكب.
لكن، على الجانب الآخر، تحتفظ شركات الطاقة والدول الغنية بالنفط بخططها لمواصلة الحفر في المستقبل، بالاعتماد على تقنية تعرف باسم " احتجاز الكربون" (Carbon Capture).
ويلجأ معظم المنجتين لتقنية احتجاز الكربون، للوفاء بتعهداتهم للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية، لكن المنتقدين لهذا المسار، يرون أنهم يلجؤون لهذه التكنولوجيا للحفاظ على الوضع الراهن، دون تنازلات كبيرة.
وقال فتيح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، قبل بدء مؤتمر المناخ في دبي "تحتاج الصناعة إلى الالتزام بمساعدة العالم بشكل حقيقي على تلبية احتياجاته من الطاقة وأهدافه المناخية - وهو ما يعني التخلي عن الوهم القائل بأن احتجاز كميات كبيرة بشكل غير معقول من الكربون هو الحل".
ما هو احتجاز الكربونتُعرّف شركة "أرامكو" السعودية، احتجاز الكربون على أنه "عملية استخلاص الكربون واحتجازه بأنها استخلاص مخلفات غاز ثاني أكسيد الكربون من مصادر كبرى، مثل محطات الطاقة الكهربائية، ثم احتجازه في باطن الأرض للحيلولة دون انبعاثه في الغلاف الجوي".
وتتسبب الكثير من المنشآت الصناعية مثل محطات الطاقة التي تعمل بالفحم ومصانع الإيثانول، في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
ولمنع تلك الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري من الوصول إلى الغلاف الجوي، تعمد الشركات المنتجة لتركيب معدات لفصل الكربون عن جميع الغازات الأخرى الخارجة من المداخن، ونقله إلى حيث يمكن تخزينه بشكل دائم تحت الأرض.
رغم ذلك، من المرجح أن يستمر انبعاث الكربون من مصانع أخرى، مثل شركات تصنيع الأسمنت التي تستخدم عملية كيميائية تؤدي إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون.
وفي حديث لوكالة أسوشيتد برس، قال كارل هاوسكر، الخبير في الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية في معهد الموارد العالمية، وهي منظمة غير ربحية تركز على المناخ وتدعم الوقود الأحفوري "نحن نطلق على ذلك تقنية التخفيف، وهي وسيلة لوقف زيادة تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي فقط وليس منعه بالكامل".
كيف تعمل هذه التقنية؟يتم تركيز الكربون المحتجز في شكل يمكن نقله في مركبة أو عبر خط أنابيب إلى مكان حيث يمكن حقنه تحت الأرض لتخزينه على المدى الطويل.
وتعتبر إزالة ثم احتجار الكربون أمرا ضروريا خلال التحول العالمي إلى الطاقة النظيفة الذي سيستغرق سنوات، إذ أن الكربون سيبقى هاجسا لأعوام أخرى.
على سبيل المثال، على الرغم من المكاسب الملحوظة التي حققتها السيارات الكهربائية في بعض البلدان، إلا أن السيارات التي تعمل بالغاز ستستمر في العمل في المستقبل، ما يعني استمرار الانبعاثات.
إلى ذلك، تواجه بعض الصناعات، مثل الشحن والطيران، تحديا كبيرا في إزالة الكربون بشكل كامل.
وقالت جينيفر بيت ريدج، التي تقود مبادرة الكربون التابعة لمختبر لورانس ليفرمور الوطني المدعوم فدراليا في الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات الغازات الدفيئة في العالم "علينا إزالة بعض ما يوجد في الغلاف الجوي بالإضافة إلى وقف الانبعاثات".
هل ذلك كافٍ؟يقول العديد من الخبراء الذين تحدثت إليهم "أسوشيتد برس" إن تكنولوجيا التقاط الكربون وتخزينه ناجحة، ولكنها مكلفة، وغير كافية.
هناك حوالي 40 مشروعا واسع النطاق لاحتجاز الكربون قيد التشغيل في جميع أنحاء العالم، حيث يلتقط ما يقرب من 45 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون كل عام، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية.
وهذه كمية ضئيلة -حوالي 0.1%- من 36.8 مليار طن متري منبعثة على مستوى العالم، وفقا لإحصاء مشروع الكربون العالمي.
وقامت وكالة الطاقة الدولية بتحليل كيف يمكن للعالم تحقيق صافي انبعاثات صفرية اعتمادا على خفض الانبعاثات بخفض استخدام الوقود الأحفوري، وقالت إن احتجاز الكربون هو مجرد جزء صغير من الحل، إذ يمثل أقل من 10% .
مشاريع جديدةتتسارع وتيرة المشاريع الجديدة، لكنها تواجه عقبات كبيرة. في الولايات المتحدة، هناك معارضة لخطوط أنابيب ثاني أكسيد الكربون التي تنقل الكربون إلى مواقع التخزين، إذ أن السلامة هي أحد الاهتمامات التي تؤرق المكلفين بالإنجاز والتسيير.
وفي عام 2020، انفجر خط أنابيب ثاني أكسيد الكربون في ولاية ميسيسيبي، ما أدى إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون الذي انتشر في الهواء بالقرب من الأرض "وأرسل عشرات الأشخاص إلى المستشفيات" وفق وكالة أسوشيت برس.
لذلك، تواجه الشركات أيضا صعوبة في الحصول على تصاريح لإنشاء مشاريع احتجاز جديدة.
ورفض المنظمون في داكوتا الجنوبية هذا العام تصريح بناء لشبكة بطول 1300 ميل من خطوط أنابيب ثاني أكسيد الكربون في الغرب الأوسط لنقل الكربون إلى موقع تخزين في إلينوي.
من يدعم احتجاز الكربون؟يقول معهد البترول الأميركي إن النفط والغاز سيظلان مصدران مهمان للطاقة لعقود من الزمن، ما يعني أنه لكي يتمكن العالم من تقليل انبعاثات الكربون، فإن التوسع السريع في تكنولوجيا احتجاز الكربون هو "مفتاح لاستخدام الطاقة النظيفة في جميع أنحاء الاقتصاد".
وبفحص خطط معظم شركات النفط للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية، نجد أيضا أن معظمها يعتمد على احتجاز الكربون بطريقة ما.
لذلك، تريد إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، المزيد من الاستثمار في احتجاز الكربون وإزالته، مما يفسر إنفاق أميركا الضخم في هذا المجال، مقارنة ببقية العالم.
والاستثمار في مجال احتجاز الكربون آخذ في الارتفاع، إذ تدرس وكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة عشرات الطلبات لآبار تخزين الكربون.
وفي أماكن مثل لويزيانا وداكوتا الشمالية، يكافح القادة المحليون من أجل جذب المشاريع والاستثمارات.
وحتى كاليفورنيا ذات الميول اليسارية لديها خطة مناخية طموحة تتضمن احتجاز الكربون وإزالة الكربون مباشرة من الهواء.
ويقول القادة إنه لا توجد طريقة أخرى لخفض الانبعاثات إلى الصفر.
من ضد الفكرة؟يجادل بعض علماء البيئة بأن شركات الوقود الأحفوري تحاول احتجاز الكربون لصرف الانتباه عن الحاجة إلى التخلص التدريجي من النفط والغاز والفحم بسرعة.
وقال شاي وولف، مدير علوم المناخ في مركز التنوع البيولوجي: "لقد أثبتت صناعة الوقود الأحفوري أنها خطيرة ومخادعة".
وبعض المشاريع لم تحقق أهدافها المتعلقة بإزالة الكربون، إذ ذكر تقرير مساءلة الحكومة الأميركية لعام 2021 أنه من بين ثمانية مشاريع تهدف إلى احتجاز وتخزين الكربون من محطات الفحم، بدأ مشروع واحد فقط العمل في وقت نشر التقرير على الرغم من التمويل بمئات الملايين من الدولارات.
ويشير المعارضون أيضا إلى أن احتجاز الكربون يمكن أن يعمل على إطالة عمر المحطة الملوثة التي كانت ستغلق أبوابها.
ويمكن أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بشكل خاص بالأقليات الفقيرة التي عاشت لفترة طويلة بالقرب من المرافق شديدة التلوث.
كما لاحظوا أيضا أن معظم الكربون المحتجز في الولايات المتحدة يتم الآن حقنه في النهاية في الأرض لاستخراج المزيد من النفط، وهي عملية تسمى الاستخلاص المعزز للنفط.
وقال هاوسكر إنه من الضروري أن تضع الحكومات سياسات تفرض استخداما أقل للوقود الأحفوري - والتي يمكن بعد ذلك استكمالها باحتجاز الكربون وإزالة الكربون.
المصدر: الحرة
كلمات دلالية: فی الولایات المتحدة صافی انبعاثات صفریة ثانی أکسید الکربون الوقود الأحفوری احتجاز الکربون الغلاف الجوی
إقرأ أيضاً:
علماء كاوست يقودون أول بعثة علمية سعودية إلى القارة القطبية الجنوبية
جدة
قاد علماء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية “كاوست” أول بعثة علمية سعودية إلى القارة القطبية الجنوبية منذ انضمام المملكة إلى معاهدة القطب الجنوبي في مايو 2024؛ التي امتدت من 11- 27 فبراير الماضي، حيث جمع الفريق البحثي عينات من القارة لدراسة كيفية مساهمة تعافي أعداد الحيتان في الحد من تغير المناخ من خلال تعزيز عملية احتجاز الكربون، والتي تؤدي الحيتان دورًا محوريًا في النظام البيئي البحري.
وتسهم حركة الحيتان عبر البحار، سواءً في المسافات أو في الأعماق في إعادة توزيع العناصر الغذائية الأساسية التي تغذي العوالق النباتية، التي بدورها تؤدي دورًا رئيسيًا في احتجاز الكربون، حيث تظل حتى بعد وفاتها جزءًا من دورة الكربون فتسقط أجسادها الضخمة إلى قاع المحيط، ما يؤدي إلى عزل كميات كبيرة من الكربون بعيدًا عن الغلاف الجوي لمئات أو حتى آلاف السنين، فقد قدر بعض الاقتصاديين، استنادًا إلى هذه العوامل وغيرها أن القيمة الاقتصادية للحيتان تتجاوز تريليون دولار فقط من حيث تأثيرها في إزالة الكربون.
وجمعت بعثة “كاوست” العلمية عينات من المحيط لتحليل التأثير الكمي للحيتان على احتجاز الكربون؛ مما سيساعد على تقييم الفوائد الاقتصادية للسياسات المتعلقة بصيد الحيتان والحفاظ عليها، إضافة إلى الأنشطة الأخرى التي تؤثر في الحياة البحرية, وتُعد القارة القطبية الجنوبية موقعًا مثاليًا لدراسة أعداد الحيتان، حيث تعرضت هذه الكائنات لصيد مكثف خلال القرن العشرين، مما أدى إلى تراجع أعدادها بشكل حاد.
ويرى الفريق الحثي أنه نظرًا لتراجع أعداد الحيتان في القارة القطبية الجنوبية إلى 10% من مستوياتها التاريخية بسبب الصيد الجائر، يتوقع أن تسمح لهم العينات التي ستحمل نظائر وكيمياء وحمض نووي غني بالمعلومات بإعادة بناء ديناميكيات أعداد الحيتان التاريخية على مدى الـ 400 عام الماضية، وسيساعد هذا البحث في الربط بين تراجع أعداد الحيتان وتعافيها، وتأثير ذلك على احتجاز الكربون، وكثافة الكريليات “المفصليات البحرية”، وإنتاجية المحيط خلال هذه الفترة، معتمدًا الفريق على صور الأقمار الاصطناعية، والنمذجة الحاسوبية، والدراسات الميدانية لفهم دور المحيطات في تنظيم مستويات الكربون.
يذكر أن جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية تعد المؤسسة الوحيدة من منطقة الشرق الأوسط وآسيا المشاركة في هذا المشروع العلمي الرائد، كما أصبحت المملكة في مايو 2024 الدولة رقم 57 التي تنضم إلى معاهدة القطب الجنوبي، وأُبرمت لأول مرة عام 1959 بمشاركة 12 دولة، كما تشترط المعاهدة على الدول الأعضاء تنفيذ أبحاث علمية كبيرة في هذه القارة الفريدة من نوعها، وتعدّ أبرد صحراء في العالم.