الخروج الأمريكي المستحيل من الشرق الأوسط
تاريخ النشر: 8th, December 2023 GMT
يبدو أن الولايات المتحدة باتت ترتبط بمنطقة الشرق الأوسط ارتباطا عضويا يصعب الفكاك منه، فقد كشفت أحداث المنطقة على مدار العامين الأخيرين أن الخروج الأمريكي من الشرق لا يعدو أن يكون أمنيات بعض التيارات في الإدارات الأمريكية، أو في أحسن الأحوال مجرد خطط نظرية لا تملك فرصا للتنفيذ ضمن الاستراتيجيات الأمريكية الفعلية.
لقد كشفت الحرب الإسرائيلية على غزة هذه الصورة الحقيقة بدرجة كبيرة، حيث أرسلت أهم أصولها العسكرية إلى المنطقة، وانشغل المستوى العسكري الأمريكي بكامل طاقته في إدارة الحرب والإشراف على مجرياتها. وقد ثبت ذلك بشكل لا لبس فيه من خلال تصريحات المستوى السياسي الأمريكي وتشكيل لأهداف الحرب الإسرائيلية على غزة والمتمثلة في الإصرار على القضاء على حماس وتزويد إسرائيل بمختلف صنوف الأسلحة.
ستجد أمريكا نفسها بعد فترة أسابيع أمام واقع صنعته بيدها، وسيشكّل لها مشكلة طويلة الأمد، فسيكون مطلوبا منها، باعتبارها الطرف الذي أدار الحرب، إدارة مرحلة الخروج من الأزمة، بما يعنيه ذلك من عملية إعمار لن يكون من السهل إقناع الأطراف الإقليمية والدولية في المساهمة بها بدون ضمانات سياسية، ذلك أن حجم الدمار كبير مما يرفع فاتورة إعادة الإعمار بدرجة كبيرة، وكلما ارتفع حجم الفاتورة ستقبل واشنطن مرغمة بتقديم بعض التنازلات للفاعلين الإقليميين والدوليين
لا يعني ذلك أن واشنطن في طريقها لتحقيق أهدافها، وعلى الأرجح أن عامل الوقت لن يسعفها في هذا المسعى، ذلك أن القضاء على حماس يحتاج لزمن طويل وبيئة استراتيجية مختلفة، فيما هناك محددات تفرض على أمريكا القبول بالحد الأدنى من تحقيق الأهداف. فالوقائع الجارية في أوكرانيا بدأت تدق ناقوس الخطر جراء نقص تزويد كييف بالأسلحة التي يتم إرسالها إلى إسرائيل، كما أن الأمور في بحر الصين قد تخرج من سيطرة واشنطن، فضلا عن الأوضاع غير المريحة التي باتت تواجهها في الشرق الأوسط جراء تلاقي مصالح إيران وروسيا وتركيا على الضغط على الوجود الأمريكي لإضعاف تأثيراته على مصالحهما في المنطقة.
في غزة، ستجد أمريكا نفسها بعد فترة أسابيع أمام واقع صنعته بيدها، وسيشكّل لها مشكلة طويلة الأمد، فسيكون مطلوبا منها، باعتبارها الطرف الذي أدار الحرب، إدارة مرحلة الخروج من الأزمة، بما يعنيه ذلك من عملية إعمار لن يكون من السهل إقناع الأطراف الإقليمية والدولية في المساهمة بها بدون ضمانات سياسية، ذلك أن حجم الدمار كبير مما يرفع فاتورة إعادة الإعمار بدرجة كبيرة، وكلما ارتفع حجم الفاتورة ستقبل واشنطن مرغمة بتقديم بعض التنازلات للفاعلين الإقليميين والدوليين.
وبالطبع هذه العملية لن تتم بدون عملية سياسية تؤطرها، وستكون واشنطن مجبرة على تجهيز طاولة للحل السياسي، حتى لو تطلب ذلك تغيير طاقم الحكم الإسرائيلي، والإتيان بطاقم جديد لإدارة مرحلة ما بعد الحرب. إذ إن استمرار النخبة الحالية يعني تعطيل الاستراتيجية الأمريكية في المرحلة المقبلة، وهو أمر دونه مخاطر كبيرة على سمعة الولايات المتحدة الأمريكية الدولية ومكانتها في المنطقة، فضلا عما ينطوي عليه من تعريض مصالحها للخطر، إذ ستظهر أمام الرأي العام العالمي بوصفها طرفا غير قادر على إدارة صراعات النظام الدولي الذي تدّعي أنها تتسيد فعالياته وتتحكم بتوجهاته، الأمر الذي قد يسرّع البحث عن نظام دولي جديد لا تسيطر فيه واشنطن وحدها عليه، وسيكون ذلك نوعا من البحث عن عالم أفضل وليس مجرد سياسة مناكفة لأمريكا.
الشرق الأوسط دخل وبقوة في قلب استراتيجيات الفاعلين الإقليميين والدوليين، كونه المنطقة الأسهل للصراع، بسبب تعدّد الوكلاء، وضعف قواعد الاشتباك فيها، وقابليتها الدائمة للاشتعال. وفي ظل هذه الديناميكيات تصبح فرص الخروج الأمريكي من المنطقة ضعيفة إلى حدود بعيدة
من الواضح أن إدارة بايدن تنبهت لكل هذه القضايا، وتدرك المخاطر والفرص التي ينطوي عليها ما يسمى اليوم التالي لحرب غزة، لذا بدأت تدعو إلى العودة إلى حل الدولتين في فلسطين التاريخية. ومن المعلوم أن هذه القضية المعقّدة تحتاج إلى جهد سياسي استثنائي من المستوى السياسي الأمريكي، أقله على مدار عامين قادمين، حتى تستطيع تحقيق حد أدنى من النتائج، أو الفشل في تحقيق أي نتيجة والعودة لتكتيكات واستراتيجيات قديمة.
والواقع، أن الولايات المتحدة لن تتمكن من تعديل قواعد اللعبة، أو إعادة ضبط أ ربطت مكانتها الدولية بالانتصار في هذين الحربين، بالإضافة إلى استنفارها الكبير والمكلف في بحر الصين الجنوبي في مواجهة الين وكوريا الشمالية.
المؤكد أن الشرق الأوسط دخل وبقوة في قلب استراتيجيات الفاعلين الإقليميين والدوليين، كونه المنطقة الأسهل للصراع، بسبب تعدّد الوكلاء، وضعف قواعد الاشتباك فيها، وقابليتها الدائمة للاشتعال. وفي ظل هذه الديناميكيات تصبح فرص الخروج الأمريكي من المنطقة ضعيفة إلى حدود بعيدة. والمرجح أن واشنطن ستعمل في المرحلة المقبلة على زيادة أصولها العسكرية في سوريا والعراق، بالإضافة إلى نشر المزيد من قطعها البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط، كما من المؤكد أن تشغل تفاعلات المنطقة المساحة الأكبر من جهود دبلوماسية واشنطن لمواكبة تطورات أحداثها.
twitter.com/ghazidahman1
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الشرق الأوسط الإسرائيلية غزة فلسطين إسرائيل الشرق الأوسط امريكا فلسطين غزة مقالات مقالات مقالات رياضة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الشرق الأوسط ذلک أن
إقرأ أيضاً:
الجيش الأمريكي ينقل صواريخ باتريوت من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط
4 أبريل، 2025
بغداد/المسلة: نقلت وكالة “يونهاب” الكورية الجنوبية عن مصادر قولها الجمعة إن سيئول وواشنطن اتفقتا مؤخرا على خطة لنقل بطاريات صواريخ “باتريوت” الأمريكية من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط مؤقتا.
وبحسب المصادر فقد “اتفق الحليفان الشهر الماضي على النشر الجزئي لمدة شهر لبطاريات باتريوت ذات القدرة المتقدمة-3، وهي أول حالة معروفة تتضمن نقل أصول القوات الأمريكية من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط”.
وتأتي هذه الخطوة النادرة بعد أن ذكرت قناة “إن بي سي نيوز” الأمريكية الأسبوع الماضي أن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قد أذن بنقل بطاريتين على الأقل من صواريخ “باتريوت” من آسيا إلى الشرق الأوسط، مع قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري ضد الحوثيين في اليمن.
نه يأتي أيضا وسط مخاوف متزايدة في كوريا الجنوبية من أن واشنطن قد تطالب سيئول بتحمل المزيد من تكاليف تمركز القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية، أو إعادة النظر في دور القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية، مع اتباع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مسلكا جديدا في تحالفات واشنطن.
ونقلت “يونهاب” عن المصادر قولها إن هذه الصواريخ التي سيتم نقلها، “تعمل إلى جانب أصول الدفاع الجوي الخاصة بكوريا الجنوبية في نظام دفاع صاروخي متعدد الطبقات ضد التهديدات الصاروخية والنووية لكوريا الشمالية”.
تجدر الإشارة إلى أنه منذ 15 مارس، أطلقت الولايات المتحدة عملية عسكرية ضد الحوثيين في اليمن.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حينها “سنستخدم القوة المميتة الساحقة حتى نحقق هدفنا”، متهما الحوثيين بتهديد حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر، وأضاف: “إلى جميع الإرهابيين الحوثيين، انتهى وقتكم، ويجب أن تتوقف هجماتكم، بدءا من اليوم”.
وتمثل هذه الضربات الأمريكية، الأولى على اليمن، منذ تولي ترامب منصبه في يناير، بعد توعد الحوثيين، باستئناف هجماتهم ضد السفن الإسرائيلية، في البحر الأحمر وبحر العرب، والتي قاموا بها خلال الأشهر الماضية دعما للفلسطينيين في حربهم مع إسرائيل في غزة.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post Author زينSee author's posts