الإنتخابات المحلية في العراق والمعادلات الصعبة
تاريخ النشر: 6th, December 2023 GMT
رغم عدم التأكد من إجراء إنتخابات مجالس المحافظات في العراق في موعدها المحدد، ورغم إستبعاد تحقيق الإنتخابات المقبلة للنتائج المرجوة منها في ظل العلاقات المتوترة بين العراقيين وغياب الثقة المتزايد في نوايا بعض الأحزاب السياسية ونزعاتها المثيرة للتوتر والجدل والانقسام، يمارس السياسيون الذين يرون صناديق الاقتراع هدفاً للأستحواذ على السلطة وتأميناً للنفوذ والمصالح وذريعة للبقاء في تصدر المشهد السياسي، وإن كان على حساب الوطن وتوسيع الفجوات بين مكونات النسيج الاجتماعي، حقوقهم المكفولة وفق القانون، ويبدون تفاؤلاً مصحوباً بالخوف والقلق من جهة ورفعاً لسقوف طموحاتهم الشخصية والحزبية والفئوية من جهة أخرى، ويوعزون إلى مناصريهم ومؤيديهم ووسائل الإعلام التابعة لهم لتصفية الحسابات السياسية قبل الاستحقاق الانتخابي ولممارسة لغة التخوين والتنكيل بكل من يخالفهم، وتلفيق التهم لهم وزعزعة أوضاعهم الإنتخابية بين جماهيرهم، ومحاولة إسكاتهم بأي ثمن سواء كانوا من الشركاء أو ممن يعارضونهم في الرأي، وتكرار شعارات ووعود الخدمة الوطنية التي لا تخلوا من الكذب وحرف السين، لخلط الأوراق على الناخب لكي لا يفهم كل الأمور.
وفي مقابل هؤلاء، يعتبرها الذين يمتازون بالرؤية الشاملة للأحداث والذين يؤمنون بأن الإنتخابات من أساسيات ممارسة الديموقراطية، وسيلة لترسيخ التقاليد الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة وأعادة إنتاج لحكم سليم وشفاف بعيد عن التلاعب والتزوير. ويعتبرونها خطوة مهمة ومفصلية على طريق تصحيح الأخطاء والإنحرافات وإنهاء المعاناة والفساد المستشري في كل المفاصل والحد من الممارسات التي شوهت العملية السياسية والصراعات السياسية التي دفع العراقيون أثمانها وخطوة يؤمل أن تنهي التخبط والتناقض والإحباط واليأس الذي يلازم الكثيرين، ويرونها وسيلة لاجتياز التحدّيات وللتغلب على المصاعب ولسد الطريق أمام المغامرات الإنتهازية غير المحسوبة التي ظلت عاجزة عن تحقيق الحدّ الأدنى من طموحات المواطن، ويطرحون برامجهم ويطلبون مؤازرة الجماهير بكل هدوء، بعيداً عن المناكفات السياسية ولغة التشكيك بالآخرين.
هذه المعادلة الصعبة القائمة بين إتجاهين مختلفين، ليست المعضلة الوحيدة التي تواجه العراقيين في مرحلة التأزيم والإحتقان والترقب الحذر المقبلة التي (ربما) يمارسون فيها حقهم الدستوري، لأن التجارب الإنتخابية السابقة، على الرغم من الإشادات بها، أكدت وجود معادلات صعبة كثيرة، تظهر بعد إجراء الإنتخابات وإعلان نتائجها لتمنع نجاح صناديق الإقتراع في تسليم السلطة للفائزين، ولتؤكد أن الحديث عن الديمقراطية في العراق مجرد حبر على ورق، بمعنى آخر، في غالبية العمليات الإنتخابية السابقة، نتيجةً لتلك المعادلات وسياسات شد الحبل الداخلية والخارجية، وتصاعد الخلافات وإستسلام الكثير من السياسيين للأجندات والضغوطات الخارجية، تمت شرعنة آلية متناقضة لكلّ المعايير الديمقراطية، أدت الى تمكين الخاسر لفرض نزواته وعدم رضوخه لإملاءات القيم والمبادىء الديمقراطية، وخسارة الفائز وإجباره على الخضوع لإملاءات غير ديمقراطية، إما إستجابة للتهديات والآوامر والتعليمات الواردة من الخارج، أو عبر التناغم مع إملاءات شخصية وحزبية، أو عبر التوافق مع المناورات التي تطبخ في الكواليس.
المراقبون لنتائج الإنتخابات السابقة التي لم تحدد حتى الآن مسارات العملية الديمقراطية، يتذكرون الطريقة المريرة لإستيلاء نوري المالكي على الحكم في سنة 2010، رغم فوز الدكتور أيادي علاوي، وإسلوب تكليف حيدر العبادي بعد فوز نوري المالكي في 2014، وكيفية تسلم عادل عبد المهدي رئاسة الحكومة وهو لم يحصل على مقعد واحد في البرلمان العراقي، كما يتذكرون قصة تشكيل مصطفى الكاظمي للحكومة والقرارات المفاجئة التي أدت في عام 2022 الى ترك الكتلة الصدرية الفائزة في الإنتخابات الجمل بما حمل للإطار التنسيقي الذي تشبث بإختياراته ونجح في فرض قانون جديد للعبة سياسية مفتوحة على إحتمالات وتغييرات كثيرة وترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الحكومة. لذلك يتوقعون تكرار السيناريوهات السابقة، بصورة مصغرة، في مجالس المحافظات خلال ترشيحات رؤساء المجالس والمحافظين ورؤساء الوحدات الادارية والخدمية والأمنية.
المصدر: شفق نيوز
كلمات دلالية: العراق هاكان فيدان تركيا محمد شياع السوداني انتخابات مجالس المحافظات بغداد ديالى نينوى ذي قار ميسان اقليم كوردستان السليمانية اربيل نيجيرفان بارزاني إقليم كوردستان العراق بغداد اربيل تركيا اسعار الدولار روسيا ايران يفغيني بريغوجين اوكرانيا امريكا كرة اليد كرة القدم المنتخب الاولمبي العراقي المنتخب العراقي بطولة الجمهورية الكورد الفيليون الكورد الفيليون خانقين البطاقة الوطنية مطالبات العراق بغداد ذي قار ديالى حادث سير الكورد الفيليون مجلة فيلي عاشوراء شهر تموز مندلي
إقرأ أيضاً:
الإبادة السابقة على الإبادة!
ثمّة مفارقة تاريخية في مطالع حرب الإبادة الجماعية هذه الجارية على الشعب الفلسطيني، التي تتكثف وتأخذ شكلها الأقصى في قطاع غزّة، وتتمدّد بالتدريج في الضفّة الغربية، وتتلّون بين الإبادة المادية للوجود البشري الفلسطيني، والإبادة السياسية للفلسطينيين، وهي على الألوان كلّها إبادة قومية، تهدف إلى منع التحقق الكياني للقومية الفلسطينية على أرض فلسطين. يمكن أن ينتهي الأمر، بحسب الآمال الصهيونية إلى أعداد من غير اليهود على أرض فلسطين، لكن لا يمكنهم أن يمثلوا قوما آخر، ولا يمكن لهم، والحالة هذه، أن يملكوا تطلعات سياسية أو قومية، لأن الإمكان منعدم، ليكون الحال حينئذ صورة قريبة من الهنود الحمر!
كانت الإبادة السياسية قد قطعت شوطا واسعا قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، بالارتكاز إلى مشروع التسوية الذي خلق التحوّل الأكثر خطورة وغرابة وتشوّها في الحركة الوطنية الفلسطينية وفعلها السياسي، فبعدما انتهت اتفاقية أوسلو وتأسيس سلطة في ظلّ الاحتلال إلى لا شيء فلسطينيّا، صار هذا اللاشيء الذي يُعدِم فيه الاحتلال الإمكانات الفلسطينية الإنسانية والعمرانية والسياسية والاجتماعية والنضالية، ويكرّس فيه وقائعه الاستعمارية، هدفا في حدّ ذاته لأصحابه الفلسطينيين، كاد الموات أن يكون مطبقا، والشلل عاما، والمجال مفتوحا لـ"إسرائيل" أن تفعل ما تشاء. حاولت "طوفان الأقصى" أن تقول لا لهذه الحالة كلّهاويُدفَع في سبيل ذلك أيّ ثمن يتناقض جوهريّا مع أيّ تطلع سياسيّ حقيقيّ للفلسطينيين (كم يمكننا أن نلوم العرب وهذا حالنا نحن الفلسطينيين)، وقد امتدت هذه الإبادة السياسية إلى استدعاء الختم العربي للحكم على القضية الفلسطينية بالموت الأبدي، وقد كانت اتفاقات "أبراهام" التجلي الأوضح لذلك. هنا كانت المفارقة بالضبط.
أرادت عملية "طوفان الأقصى" التصدي لهذه الإبادة؛ لأنّ تلك الإبادة كانت ترتكز فيما ترتكز إليه، إلى أنه لا شيء يحصل بالفعل. الفلسطينيون لا يأخذون شيئا بالتسوية، والأقصى يُقتحم وتفعّل فيه إجراءات التقسيم الزماني والمكاني يوميّا، بلا أيّ ردّ فعل عربي أو إسلامي. تصريحات ترامب بعد نقل سفارة بلاده من "تل أبيب" إلى القدس تلخص ذلك: "قالوا لي لا تفعلها. فعلتها ولم يحصل شيء، لم تنظم حتى مظاهرات ضدّ هذه الخطوة". الذي حصل بالفعل هو "طوفان الأقصى". كاد الموات أن يكون مطبقا، والشلل عاما، والمجال مفتوحا لـ"إسرائيل" أن تفعل ما تشاء. حاولت "طوفان الأقصى" أن تقول لا لهذه الحالة كلّها.
المفارقة في أنّ "إسرائيل" وبالرغم من صدمة السابع من أكتوبر، لم تنس أنّ ثمّة إبادة كانت قائمة قبل هذا اليوم، وأنّ السبيل الأفضل للخروج من صدمة السابع من أكتوبر بإنجاز إسرائيلي هو الاستثمار في تلك الإبادة السابقة، التي حاولت "طوفان الأقصى" مواجهتها. ما يعنيه ذلك، هو أنّ الإبادة المادية الساعية إلى إفناء الوجود الفلسطيني في غزّة مؤسسة على الإبادة السابقة عليها، ولولا تلك الإبادة لما تمكنت "إسرائيل" من الاندفاع المحموم بالإبادة البشرية حتى اللحظة.
من أوجه اختلال موازين القوى هو الإبادة السياسية التي فُرِضت على القضية الفلسطينية في العقود الأخيرة، وهذه الإبادة كانت تتطلب مواجهة ما، ولكن هذه المواجهة ستكون بالضرورة محكومة إلى هذا الاختلال الذي لا يخدمها. وهذه عقدة اللحظة الراهنة، الممتدة في التاريخ النضالي الفلسطيني كله منذ فجر التاريخ، أي إنّ موازين القوى دائما كانت لصالح العدوّ، لكن اليوم تأخذ موازين القوى شكل الإبادة السياسية، مما يجعل خيارات الفلسطينية أقرب إلى الاستحالة
الإبادة السياسية للقضية الفلسطينية أوجدت متعاونين عربا معلنين مع الكيان الإسرائيلي، والمتعاونون هنا ليسوا أفرادا كما هو معلوم، بل أنظمة سياسية، وتبرع المال العربي منذ زمن بتشييد المؤسسات الدعائية التي تتكفل بتحطيم القضية الفلسطينية وصرف الجماهير العربية عنها، علاوة على ممارسة ما يتوفّر من النفوذ السياسي العربي لتركيع الفلسطينيين وتجريدهم من أيّ قوّة، حتى لو كانت ناعمة، وإذا زيد على ذلك عداء هذه الأنظمة المتعاونة لـ"إسرائيل" للمقاومة الفلسطينية، لا سيما في طبعتها الإسلامية، لأسباب كثيرة معلومة، فإنّ الإبادة البشرية ستجري بلا أيّ عائق. (هل يستطيع أحد أن يذكّرنا بأيّ خطوة سياسية عربية ضدّ الإبادة الإسرائيلية؟). وأمّا الحال الفلسطيني فقد سبق وصفه، وهو جزء من عملية الإبادة!
والحاصل، أنّ من أوجه اختلال موازين القوى هو الإبادة السياسية التي فُرِضت على القضية الفلسطينية في العقود الأخيرة، وهذه الإبادة كانت تتطلب مواجهة ما، ولكن هذه المواجهة ستكون بالضرورة محكومة إلى هذا الاختلال الذي لا يخدمها. وهذه عقدة اللحظة الراهنة، الممتدة في التاريخ النضالي الفلسطيني كله منذ فجر التاريخ، أي إنّ موازين القوى دائما كانت لصالح العدوّ، لكن اليوم تأخذ موازين القوى شكل الإبادة السياسية، مما يجعل خيارات الفلسطينية أقرب إلى الاستحالة.
من تجليات الإبادة السابقة على الإبادة الراهنة، الإبادة الأخلاقية، ففي ذروة عدوان الاحتلال، وتنصله من اتفاق وقعه مع حركة حماس، يجري تحميل الأخيرة المسؤولية، من عرب وفلسطينيين، بالرغم من الوضوح الشديد في الموقف، ولعلّ هذه الحالة غير مسبوقة بالكم والكيف، من حيث كثافة الهجوم على الطرف المعتدى عليه، وتحميله المسؤولية عن جريمة العدوّ، حتى بعد الانكشاف التام لنوايا الاحتلال وحقيقة الموقف، كما حصل بالفعل بعدما خرق الاحتلال الاتفاق.
x.com/sariorabi