بيان هابرماس.. وازدواجية معايير حقوق الإنسان!
تاريخ النشر: 6th, December 2023 GMT
بالرغم من أن القيم الكونية، في التجريد النهائي، هي قيم لا تقبل التجزئة في سياقها الإنساني لكل البشر، كقيم العدالة والحرية، إلا أن التعبيرات التي تنعكس من خلالها تلك القيم في مواقف كثيرين من نخب الغرب تبدو تماما كما لو أنها تعبيرا عن قيم أشبه ما تكون قيما خاصة منها كقيم إنسانية عامة ولا تقبل التجزئة.
يتجلى ذلك بوضوح في سياق منعكسات الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين على مواقف الحكومات الغربية، وكذلك على كثير من مواقف المؤسسات الثقافية في الغرب وكثيرا من النخبة الفكرية والثقافية في ذلك الغرب.
وإذا كان مفهوما ذلك السياق الذي تقتضيه مصالح حكومات الغرب الأمريكي والأوروبي حيال إسرائيل، تلك التي تم التعبير عنها علنا كموقف الولايات المتحدة الداعم لإسرائيل بصور كان أكثر المعبرين عنها هو الرئيس الأمريكي جو بايدن ذاته، حين وصف ذلك الدعم الأمريكي لإسرائيل بأنه استثمار في مستقبل الأجيال الأمريكية القادمة، فإن ما هو غير مفهوم وغير مبرر مطلقا هو تلك الحالة التي يتم فيها تعاطف كثير من النخب في أوروبا -وخصوصا في ألمانيا- وأمريكا مع الظلم الذي تمارسه إسرائيل بحق الفلسطينيين المدنيين الأبرياء بطريقة تبدو معها أن قضية التعاطف مع إسرائيل -كيفما كان- من الثوابت الأخلاقية التي لا تقبل الجدل مطلقا، حتى بدت بعض التعبيرات الصارخة عن ذلك التعاطف غير المبرر في ألمانيا، مواقفَ لا يمكن فهمها ضمن أي سياق أخلاقي وإنساني مطلق، مثل منع مشاركة الروائية الفلسطينية التي تعيش في ألمانيا عدنية شلبي من المشاركة في إحدى ندوات معرض فرانكفورت التي كانت مجدولة في برنامج المعرض على خلفية ما حدث في غزة. وكذلك الاعتراض على الفيلسوف السولوفيني سلافيوي جيجك في إحدى ندواته بمعرض فرانكفورت فقط لمجرد ذكره اسم فلسطين والفلسطينيين في كلامه، الأمر الذي سيعكس لنا إلى أي مدى تلك القيم قيما كونية حقا في عقول أمثال هؤلاء المعترضين لمجرد ذكر اسم فلسطين في محاضرة لفيلسوف كبير؟
بلا شك ثمة سياق غربي ما يغلف تلك القيم الكونية ليمنحها معنى غريبا أقرب إلى التناقض في تمثلات كثير من النخب الغربية لتلك القيم حال التعبير عن بعض المواقف الأخلاقية التي لا تقبل الجدل.
ولعل أبرز ما حدث مؤخرا في هذا الصدد، البيان الذي أصدره الفيلسوف الألماني هابرماس مع عدد من زملائه وتلامذته في 15 أكتوبر في دعم الحرب الإسرائيلية على غزة. وهو البيان الذي لقي نقدا أخلاقيا لمثقفين وفلاسفة غربيين آخرين طالبوا فيه هابرماس بضرورة الالتزام بالمعايير العالمية للحقوق.
اليوم هناك في الغرب ثمة صوت لمثقفين غربيين -وهم أقلية على كل حال- يعلن إدانة ما يحدث في غزة من عدوان إسرائيلي غير مبرر وغير مسبوق عبر المجازر الدموية راح ضحيتها آلاف المدنيين من النساء والأطفال وكبار السن. ومن تلك الأصوات البيان الذي نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية يوم 22/11/2023 بتوقيع كل من آدم توز، وصموئيل موين، وآميا سرينيفاسان وآخرين، ردّا على البيان الذي كان وقعه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس إلى جانب نيكول ديتلهوف، وراينر فورست، والذي كان قد اتسم بالانحياز إلى إسرائيل وتجاهل الفلسطينيين.
لا تبدو ثمة سياقات عادلة لتحرير مواقف إنسانية غير قابلة للتجزئة في الغرب بين كثير من نخبه -إلا فيما ندر- وهو ما سيجعلنا نعيد تساؤلات كثيرة حيال هوية الالتزام بالمعايير الإنسانية والأخلاقية لتلك القيم في مواقف النخبة الغربية في بعض الحالات كالوضع الذي يحدث في غزة اليوم؟
هل يمكن القول إن السياق المادي لأوروبا والمحضن الذي نشأت فيه قيم الحداثة الغربية وسيرورتها هو سياق لا يمكنه أن يعكس هوية إنسانية في مواقف الالتزام بكونية تلك القيم إلا في سياق غربي بالضرورة؟
موقف الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس ورفاقه -في ذلك البيان المعبر عن وقوفهم مع إسرائيل في الدفاع عن نفسها مع تجاهل الجرائم الإنسانية الواضحة في بعض تجليات دفاع إسرائيل عن نفسها (كالمذابح التي ترتكبها اليوم في غزة بحق المدنيين الفلسطينيين) هو مأزق لا يمكن إلا أن يعكس تناقضا واضحا في الالتزام بالمعايير العالمية لحقوق الإنسان، ويمثل تطابقا غير مبرر مع موقف حكومات الغرب. وهو موقف معيب يفضحه تقدم موقف الشعوب الغربية عبر المظاهرات التي تنطلق باستمرار في عواصم العالم ضد ما ترتكبه إسرائيل من مذابح بحق المدنيين الفلسطينيين.
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: البیان الذی لا تقبل کثیر من فی غزة
إقرأ أيضاً:
«فومبي».. مرآة التاريخ التي تعكس وحشية الإنسان
صدرت رواية “فومبي” للكاتبة والشاعرة بدرية البدري عن دار الساقي في العام 2022، تعود بك “فومبي” إلى نهايات القرن التاسع عشر مع ظهور حركات الحقوق المدنية في عصر إعادة الإعمار.
تقدم لنا بدرية البدري عملاً أدبياً خارج حدود المألوف في إنتاج الرواية العمانية. “فومبي” كما تقول الكاتبة في مقدمة الرواية: "هي أشبه بقاعة محكمة، فيها ضحايا ومجرمون، يقدم كل منهم أدلته ويدافع عن نفسه، والقارئ هو القاضي الوحيد". وهذا ما انتهجته الكاتبة في الأسلوب السردي السلس الذي يجمع بين الفلسفة والسرد الأدبي التاريخي العميق.
تصور “فومبي” بشاعة الإنسانية الفجّة أمام نزعة السلطة والنفوذ "كمخلوق قبيح جُمّل كثيرا ليحتمل العالم رؤيته". حيث تعرّضنا لقضايا العدالة الانسانية وظلم الإنسان للإنسان. إستنادا إلى تجارب تاريخية مؤلمة. في عهد الملك ليوبولد الثاني، وهو ثاني ملوك بلجيكا، الذي دوّن عنه أنه فرض سيطرته الشخصية على منطقة واسعة في وسط أفريقيا عُرفت باسم "دولة الكونغو الحرة" خلال الفترة من 1885 إلى 1908. مستغلا ببشاعة مواردها الطبيعية الغنية كالمطاط والعاج، لتزخر خزينته المستعرَة بما لا يطفئها من أرباح طائلة من خلال نظام استعماري قاس.
تُكثّف “فومبي” الضوء على قضايا الظلم واستغلال النفوذ لتدسّ لنا بين سطورها ما يتناوله الواقع المعاصر عندما ذكرت بديرة البدري في مستهل الرواية: "... لكنك لو رفعت بصرك قليلا عن الورق ونظرت حولك لوجدت أبطالها يحيطون بك، ولا أظنك ستنصدم إن رأيت نفسك بينهم، تلبس أجسادهم، وتمارس أدوارهم، وربما -أقول ربما- ترفع يدك عاليا ليهبط الشيكوت على جسد أحدهم".
“فومبي”، سرد تاريخي يصوّر تشويه السلطة المطلقة للهوية الإنسانية. فقد تناولت الانتهاكات الجسيمة لملك بلجيكا ليوبولد الثاني ضد المستعمرة التي أقامها في الكونغو. وهنا تكمن أهمية الرواية التي توثّق حدثا تاريخيا مهما في الذاكرة الجمعية في شكل سردي يستنهض ما غفى في قلوبنا من جراء إعتياد المشاهد والأحداث الوحشية.
في “فومبي”، التي تعني الروح الهاربة أو الشبح في بعض لغات الكونغو. والتي استخدمتها الكاتبة بفطنة مستحضرة بذلك أسطورة أفريقية تشير إلى أن الرجل الأبيض هو “فومبي” بعد أن نجح في خطف لون الروح. توظيف بدرية البدري لهذا المفموم في روايتها يثير الدهشة والفضول معا. حيث تكتشف في طياتها أنها تتناول مفهوم الأوراح الهاربة من قبضة الشيطان لتبيان قسوة الظلم حول العالم. والجشع الذي يأكل بعضه بعضا. مستعينة بأحداث قضية الاستعمار البلجيكي الفظ للكونغو.
الأصوات في “فومبي” غزيرة ومتداخلة. حيث تستخدم بدرية البدري تقنية السرد المتعدد، فتتداخل الأصوات والشخصيات بطريقة تحمِل القارئ إلى عوالم متباينة ودرجات متكاثفة من الفضول، أمام استكشاف تعدد التجارب القاسية والتشويه الكبير للهوية الإنسانية التي عاشها سكان الكونغو تحت حكم ليوبولد الثاني.
مؤكد أن الكاتبة استعانت بهذه التقنية لتعزز من عمق الرواية، حيث تقدم كل شخصية منظورها بصوتها الخاص، وقد نجحت الكاتبة تماما من خلال هذا الأسلوب السردي في إظهار الأبعاد المختلفة للموضوعات المطروحة. لا سيما في توظيف لغة تتخللها الفصاحة الشعرية، مما يجعل النص يتسم بالعمق والقدرة على تداول مشاعر متلوّنه في في ظل الظروف الاجتماعية والسياسية للرواية. مما يمنح القارئ إحساسًا بالزمن والمكان. مناوبة في سردها بين الحكايات الشخصية والأحداث التاريخية.
رواية “فومبي” للكاتبة بدرية البدري، هي تأريخ سردي للظلم ودوافعه، ونبش عميق في النفس البشرية، ودعوة من قلب عربي عماني إلى التفكّر في تقلّب مراتب الإنسان وتلوّن غرائزه تبعا لمقاماته. هذه الرواية ما وجدتها إلا دعوة مستترة بأحداث واقعية لكيفية مواجهة وتعزيز قيم الإنسانية في عالم سلطوي يعاني الاستغلال. ودعوة لاستحضار الأسئلة الوجودية حول الغريزة الوحشية للذات البشرية. لاسيما عندما تعرّضك لمشاهد العنف التي اتُبعت في الكونغو تحت حكم ليوبولد الثاني. كبتر الأطراف التي كانت تمثّل العقوبة الشائعة والتي تُفرض على السكان المحليين في الكونغو لعدم تحقيقهم الحصص المطلوبة في جمع المطاط. والإصطياد العشوائي في شِباك الاختطاف لسكان البشرة السوداء لتغريبهم. في حقبة مخيفة تكاثفت فيها سلطة الرجل الأبيض على الرجل الأسود أثناء ازدهار تجارة العبيد. هذا الاختطاف ما كان إلا رفاهية وأمنية تجنب الضحية أساليب التعذيب فوق أرضه وموطنه.
تعكس تسلسل الأحداث في الرواية الأحداث التاريخية في الواقع، فقد إنتهت الإنتهاكات الشرسة في الكونغو إلى غضب دولي واسع بعد أن كشف المبشّرون والصحفيون، مثل إدموند دين موريل، عن الانتهاكات الجارية في الكونغو. ثم في نهاية مطاف الأحداث التاريخية التي تناولتها الرواية، وتحت الضغط الدولي الكبير، اضطرت بلجيكا إلى ضم الكونغو كمستعمرة رسمية تحت إدارتها في العام 1908، منهيةً بذلك الحكم الشخصي الشرس لليوبولد الثاني على المنطقة.
تحرّضك رواية فومبي لإعادة تعريفك لنفسك وللمفاهيم الأساسية في العدالة البشرية. وتفتح أمامك آفاقاً جديدة للتفكّر حول ماهية الإنسان، أبيضا كان أو أسود. وما يعنيه الانتماء للوطن، وكيف تؤثر سلطة المال والنفوذ على الفرد والجماعة. هذه الرواية تجربة فريدة للقارئ.