دمشق-سانا

تعتبر حرفة نفخ الزجاج من الحرف التراثية اليدوية الأصيلة ويعد الدمشقيون أول من عمل بها منذ مئات السنين وهم مستمرون حتى يومنا هذا.

الحرفي محمود الحلاق لا زال يحمل أمانة الحفاظ على مهنة أجداده التي يفتخر بها، حيث بين لـ سانا أنه يعمل بحرفة أجداده بحب وشغف كبيرين منذ أكثر من 35 عاماً في خان الزجاج بمنطقة باب شرقي.

الحلاق أوضح أنه يصنع جميع أشكال الزجاج المنفوخ التي تتضمن الكثير من المنتجات الشرقية من صحون وكاسات ومزهريات وبعض أعمال الديكور، إضافة إلى إدخال الزجاج مع الرخام في الأرضيات ونفخ الزجاج بالنحاس أو بالحديد لتشكيل الكؤوس والمزهريات وكلوبات الإضاءة جميعها تصنع في فرن صغير بفتحة واحدة.

وحول طريقة صناعة نفخ الزجاج يدويا قال الحرفي الحلاق: “إنه بعد الحصول على الزجاج الكسر يتم فرزه بحسب لونه ثم نضعه في مدخل الفرن لصهره بدرجة حرارة 1200 مئوية في حجرة مفصولة عن مخرج الفرن بفتحة من الأسفل ينزل منها الزجاج المنصهر من الحجرة ليتم أخذ جزء من الزجاج المنصهر بحسب حجم وشكل القطعة المطلوب ليتم نفخها وصنعها بطريقة يدوية بالكامل للوصول إلى الشكل النهائي”.

وأضاف الحرفي الحلاق: “إنه بعد الانتهاء من تشكيل القطعة يتم دمج الألوان المطلوبة مع بعضها للحصول على ألوان إضافية فعلى سبيل المثال تتم صباغة اللون الأزرق بإضافة أوكسيد الكوبالت ونضيف أوكسيد المنغنيز للحصول على لون التركواز”.

وأوضح الحرفي الحلاق أنه في المرحلة الأخيرة من العمل يتم وضع القطعة المشكلة في مشواية بجانب الفرن لتتخمر بحرارة 700 درجة مئوية، ويتم بعدها خفض درجة حرارة القطعة من خلال إخراجها تدريجياً حتى الوصول لدرجة حرارة الجو.

وعن الصعوبات التي تعترض حرفته أشار الحلاق إلى صعوبة تعليم الحرفة ونقلها للأجيال الشابة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات لتشغيل الفرن، حيث تكون الأولية لعدم هدر المواد خلال مرحلة التعليم وإنما استثمارها بالعمل، إضافة إلى كون هذه الحرفة تتطلب الصبر وحب العمل بها ويحتاج الحرفي إلى سنين عمل طويلة للوصول لمرحلة الاحتراف.

وأكد أن ارتفاع أسعار المحروقات انعكس على سعر القطعة وعدم القدرة على الالتزام بالوقت المحدد لتسليم المنتجات وفقاً لما هو مطلوب، حيث كانت العديد من المنشآت السياحية بدمشق تطلب مختلف المنتجات من مزهريات وكؤوس وثريات وأشكال للزينة واليوم لم يعد هناك إمكانية لتأمينها بسبب نقص مادة المازوت اللازم لعمل الفرن كونها تتطلب فرناً كبيراً لصنعها.

من جهته بين نور الدين محمود الحلاق 15 عاماً أن جده أحمد الحلاق يقوم بتعليمه هذه الحرفة التي يحتاج لعدة سنوات لإتقانها، وأنه بدأ منذ سنتين بتعلمها وتجريبها إلى جانب متابعته لدراسته، مؤكداً أن حبه لمهنة أجداده شكل له حافزاً كبيراً لتعلمها وإتقانها والحفاظ عليها من الاندثار.

أمجد الصباغ

المصدر: الوكالة العربية السورية للأنباء

إقرأ أيضاً:

عبد السلام فاروق يكتب: الانعزاليون في مصر.. المعركة مستمرة!

مصر ليست أرضا فقط، بل حكاية تتشكل بدم الأجيال وصخب الأفكار. في كتابه "الانعزاليون في مصر"، يغوص الناقد الكبير رجاء النقاش في أعماق تلك الحكاية، مسلطا الضوء على معركة ثقافية هزت جوهر الهوية المصرية في سبعينيات القرن الماضي. هذا الكتاب  وثيقة تاريخية و رحلة في عقول تصارعت مع سؤال ملح: من نحن؟ وأين مكاننا بين أمم العالم؟  
السؤال الملح الآن هو: هل كانت الانعزالية في مصر هروبا من الحياة، أم رد فعل على زمن مضطرب؟. يفكك  رجاء النقاش شفرة هذا التيار بما يحمله من تناقضات: هل هي رغبة في الحفاظ على نقاء الثقافة المصرية من تداخلات العالم العربي؟ أم خوف من اندثار الذات في محيط أكبر؟ ببراعة محلل قدير، يربط الكاتب بين جذور التيار الانعزالي وسياقه التاريخي، حيث كانت مصر تحاول أن تجد مسارها بين انتماءين: انتماء إلى أمة عربية تتشكل، وانتماء إلى حضارة فرعونية تتنفس من خلال رمالها.  
معارك السبعينيات:  
تحت سماء السبعينيات المحملة بأسئلة الهزيمة والانتصار، اشتعلت معارك الكتاب والقلم. يقدم  رجاء النقاش في كتابه مشهدا حيا لصراع بين عمالقة الفكر: لويس عوض الذي رأى في العربية قيدا، وتوفيق الحكيم الذي حاور الهوية بسخرية الفيلسوف، وحسين فوزي الذي تشبث بجذور مصرية خالصة. لم تكن هذه المعارك نزاعا على كلمات، بل حفر في أعماق الذاكرة الجماعية؛ فكل فكرة كانت مفتاحا لعالم محتمل.  
الرقى في الخصام...   
أجمل ما في الكتاب أنه يذكرنا بزمن كان الخصام فيه فنا. فالاختلافات بين الأدباء لم تتحول إلى حروب شخصية، إنما بقيت في مسارها الفكري: "يختلفون بشدة، ولكن كأنهم يعزفون على وتر واحد". هذا الرقى هو ما تفقده ساحاتنا الثقافية اليوم، حيث يغيب الحوار وتسطو اللغة الخشنة.  
ذاكرة الكتابة... نور للغد  
بإصدار هذا الكتاب، تحاول سلسلة "ذاكرة  الكتابة" بقصور الثقافة،   التي  يرأس  تحريرها  الدكتور  المؤرخ زكريا الشلق،  أن ترسخ حقيقة: أن الفكر ليس ترفا، بل سلاح لخلق الوعي. فهوية مصر لم تختزل قط في نهر واحد، بل هي نسيج متلون من أنهار الحضارات. وما أشبه مناظرات السبعينيات بما نعيشه اليوم: صراع بين الانكفاء على الذات وانفتاح يهدد بذوبانها.  
ففي زمن تتصاعد فيه أصوات العزلة والعنصرية، يظل كتاب رجاء النقاش مرآة نرى فيها أسئلة الأمس... وأجوبة الغد. لأن مصر، كما قال شاعرها، "لن تموت... ولن تنام".  
أسئلة الزمن المتصدع..  
مصر لا تتكسر على صخرة التاريخ، كلما ارتطمت بها أمواج الأسئلة الحائرة : هل نحن أبناء النيل أم أحفاد العرب؟ أم نحن كل ذلك وأكثر؟ في كتابه، يقتبس رجاء النقاش شعلة من معركة السبعينيات، ليضيء بها طريق الحاضر المعتم. ليست الانعزالية هنا انطواء على الذات، بل ردة فعل على خيانة الزمن: زمن الهزائم السياسية، والانتصارات الثقافية الزائفة.  
جروح الهوية!... 
يحاور النقاش أسطورة "التميز المصري" التي تتجدد كالفينيق كل قرن. فالانعزاليون لم يكفروا بالعربية لذاتها، لكنهم خافوا أن تذوب "الروح المصرية" في بحر القومية العربية الواسع. هل كان حسين فوزي محقا حين نادى بـ"مصر الفرعونية" ككيان منفصل؟ أم أن لويس عوض كان أقرب إلى الحقيقة حين رأى في العربية جسرا للخلاص من سجن التخلف؟ الكتاب يدعونا لنرى في هذه الجدليات لعبة مرآة: كل فكرة تكشف جانبا من أساساتنا الهشة.  
حين يخون الفكر الأمة !  
لم تكن معارك السبعينيات بريئة. فوراء جدل "الهوية" كانت  السلطة تحرك خيوط الدمى. يلقي النقاش بظل على هذا التواطؤ الخفي: كيف استخدمت السلطة الانعزالية كستار لتجذير شعور بالانفراد، بينما هي تحاول فتح الأبواب لسياسات الانفتاح الاقتصادي. هل كان الصراع الفكري مسرحية كبرى، أم أن الأدباء كانوا ضحايا لعقد أعمق؟  
الوله بالذات... أين الحد بين الفخر والنرجسية؟  
يتجاوز النقاش في تحليله حد الوصف إلى التشريح النفسي للانعزاليين: هل هم من يخشون على مصر من "الآخر"، أم أنهم يخشون أن تكشف عورات الذات؟ يقدم الكتاب مقاربة جريئة: الانعزال ليس إلا وهما لإحياء مجد ماض لم يكن بهذا البهاء. فمصر التي يتغنى بها الانعزاليون – بحضارتها العتيقة – لم تكن قط جزيرة منعزلة، بل ملتقى لشعوب الشرق والغرب.  
اليوم.. هل انتهت المعركة أم اتسعت؟  
الغطاء الأكثر إثارة في الكتاب هو حيوية الأسئلة. فما زلنا نجادل أنفسنا: هل نحن أفريقيون أم عرب؟ هل نلتفت إلى الشرق أم نندفع نحو الغرب؟ يشير النقاش إلى أن جذور الأزمة لم تذبُل؛ فكلما اشتدت أزمات الواقع، عادت الانعزالية كـ"رحم آمن" نلجئ إليها. لكن الخطر الحقيقي ليس في الانعزال، بل في تجزئة الهوية إلى قطع متضاربة: فرعونية هنا، عربية هناك، إسلامية في الوسط. 
الكتاب يصفعنا بحقيقة: لن تكتمل هوية مصر إلا إذا توقفنا عن تقطيعها إلى شظايا. فمصر ليست فرعونية ولا عربية فقط، بل هي وعاء يحتضن تناقضات التاريخ كله. وربما كان "الانعزاليون" – برغم انكفائهم – قد ساهموا في صنع هذه الهوية المركبة، لأنهم أثاروا السؤال الأصعب: كيف نكون نحن، بكل تعقيداتنا؟  
في زمن تتحول فيه الهويات إلى سلاح لقتل الآخر، يبقى كتاب رجاء النقاش دعوة لفهم الذات قبل حملها على الأكتاف. لأن مصر، كما علمتنا السبعينيات، لن تكون إلا بمثل هذه الحروب الفكرية: حروب تبني، لا تدمر.

مقالات مشابهة

  • التناك.. حرفة يدوية ورثها شاب وعمل على نقلها للأجيال الجديدة
  • على البوتاجاز وفي الفرن .. طريقة عمل الفطير المشلتت زى المحلات بـ 3 وصفات
  • كهرباء العراق.. حملة فك الاختناقات مستمرة استعداداً للصيف
  • عاجل | مراسل الجزيرة: 15 شهيدا في قصف إسرائيلي استهدف مدرسة دار الأرقم التي تؤوي نازحين في حي التفاح شرقي مدينة غزة
  • استمرار العمل في مخابز اللاذقية خلال عطلة العيد لتأمين مادة الخبز للمواطنين
  • جامعة طيبة التكنولوجية بالأقصر تقدم حلولاً مبتكرة لترميم الآثار الخشبية
  • إسرائيل تتراجع عن السماح بدخول العمال الدروز من سوريا
  • الأرصاد يكشف عن أعلى درجة حرارة سجلت على الدولة
  • عبد السلام فاروق يكتب: الانعزاليون في مصر.. المعركة مستمرة!
  • طقس العراق.. درجات حرارة معتدلة وأمطار متفاوتة الشدة