من سيحكم غزة بعد الحرب؟ واشنطن بوست: أميركا تبحث عن أفضل الخيارات السيئة
تاريخ النشر: 4th, December 2023 GMT
قالت صحيفة واشنطن بوست، إن إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ترغب في أن تتولى السلطة الوطنية الفلسطينية "بعد تنشيطها" حكم قطاع غزة عقب انتهاء الحرب.
لكن هذه الفكرة -وفق تقرير الصحيفة الأميركية- لا تحظى بشعبية كبيرة في إسرائيل، وحتى وسط العديد من الفلسطينيين، فالإسرائيليون لا يرغبون في تولي المهمة، والدول العربية تقاوم الفكرة.
وتفيد الصحيفة أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد يتطوع لتولي المهمة، "لكن الشعب الفلسطيني ربما لا يريده".
وفي الوقت الذي تشرع فيه إدارة بايدن في التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب في غزة –مع ما يعترضها من أسئلة إشكالية مثل: من يدير القطاع بمجرد أن تصمت المدافع، وكيف يتسنى إعادة بنائه، وربما كيف يصبح جزءا من دولة فلسطينية مستقلة في نهاية المطاف؟- يواجه أصحاب المصلحة مجموعة من الخيارات "غير الجذابة".
وطبقا لتقرير الصحيفة، فقد سعى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن لدفع تلك النقاشات إلى الأمام، لكن لم تكن هناك سوى القليل من الأجوبة السهلة عن تلك الأسئلة. وتضغط إدارة بايدن من أجل "تنصيب" السلطة الفلسطينية "بعد تنشيط" دورها لإدارة غزة، إلا أن فكرة كهذه لا تحظى بشعبية لدى الحكومة الإسرائيلية، ولا حتى بين العديد من الفلسطينيين.
ويقر المسؤولون الأميركيون بأنهم يواجهون هذا التحدي، لكنهم يقولون، إن السلطة هي الحل الأفضل -ولربما الوحيد- من بين قائمة من الخيارات "السيئة"، ومن ضمنها عودة الاحتلال الإسرائيلي المباشر لقطاع غزة، كما جاء في تقرير واشنطن بوست.
ونقلت عن بلينكن قوله للصحفيين أثناء زيارته الأخيرة لتل أبيب "لا تساورنا أي أوهام بأن (الحل) سيكون سهلا. سنعاني بلا شك من خلافات على طول الطريق"، مضيفا أن "البديل -وهو كثير من العنف وزيادة من معاناة الأبرياء-"، غير مقبول".
وأعادت الصحيفة التذكير بأن إسرائيل تعهدت -عقب هجوم حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) في السابع من أكتوبر/تشرين الأول المنصرم- بالقضاء على حركة حماس ككيان عسكري حاكم.
غير أن حركة حماس قد ترسخت عميقا -برأي الصحيفة الأميركية- في قطاع غزة على مدى أكثر من 15 عاما في كل قطاعات المجتمع، ليس في الوزارات الحكومية فقط، بل وفي الجمعيات الخيرية والمحاكم والمساجد والفرق الرياضية والسجون والبلديات والشباب.
وظلت حماس منذ ذلك الوقت تشرف على الاقتصاد والرعاية الصحية والمياه والكهرباء والتجارة والبنية التحتية والأمن، "ولا تزال تحظى بشعبية كبيرة بين العديد من الفلسطينيين بعد الهجوم".
وتتابع الصحيفة القول، إن جهود الإدارة الأميركية الحالية والسابقة تركزت على التوسط في تحسين علاقات إسرائيل بجيرانها العرب، على حساب الفلسطينيين الذين أصبحوا "مهمشين" هم وقضيتهم.
والآن -تقول واشنطن بوست- عاد الفلسطينيون مرة أخرى "بفضل حماس" إلى الواجهة، بل إن توقف الهجوم الإسرائيلي على غزة لمدة أسبوع جرى ترتيبه على نحو زاد من شعبيتها.
ومع أن المسؤولين الأميركيين يلومون حماس على تأزم الوضع الإنساني في غزة، إلا أنهم يعترفون بأن الرد الإسرائيلي القاسي أدى إلى تأجيج الغضب الفلسطيني، وعرقلة التقدم نحو سلام أكثر استدامة.
ويقول الإسرائيليون، إنهم لا يريدون العودة إلى احتلال غزة. لكنهم يناقشون التحسينات الأمنية؛ مثل: إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود مع إسرائيل، وإمكانية وصول القوات الإسرائيلية إلى المنطقة خلال فترة انتقالية من شأنها أن تلغي بعض عناصر الحكم الذاتي عن سكان غزة.
وتفيد الصحيفة أن إدارة بايدن تعارض "بشدة" أي قيود تتعلق بالطريقة التي يمكن لسكان غزة استخدام أراضيهم، وتتطلع إلى تسليم القوات الإسرائيلية المسؤولية، ربما إلى القوات الدولية التي تعهدت بها الدول العربية، من أجل أمن القطاع.
غير أن المراقبين يرون أن وضع خطط للمستقبل ستكتنفه تعقيدات جراء ما يحدث في ظل استمرار الصراع. ويصف خبراء نقلت عنهم الصحيفة، أن مسألة من سيحافظ على القانون والنظام بعد الصراع "معقدة للغاية".
عملية انتقاليةوتقر السلطات الإسرائيلية بالحاجة إلى وضع مثل هذه الخطط، كما ينقل عنهم المسؤولون الأميركيون الذين التقوا بهم الأسبوع الماضي، لكن ليس لديهم مقترحات ملموسة، ويبدو أنهم يريدون من الآخرين أن يقرروا ذلك.
ومن جانبه، صرح دينيس روس المستشار السابق لرئيسين أميركيين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري -ويعمل باحثا في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى- أنه بعد انتهاء الصراع، ستحتاج عملية انتقالية مستقرة في غزة إلى إيجاد طريقة "للسماح بنزع السلاح، مع وجود آلية لضمان عدم إمكانية إعادة تسليح أي شخص".
وتضيف واشنطن بوست أن السلطة الفلسطينية تحتاج إلى تغيير "إذا أُريد لها أن تدير كل الأمور في غزة"، ناقلة عن روس قوله، إن المسألة "لا تتعلق بأن (المسؤولين في السلطة) لن يتمكنوا من المجيء على ظهر دبابات إسرائيلية، بقدر ما أنهم لا يستطيعون إدارة أنفسهم الآن".
فالإسرائيليون -حسب تقرير الصحيفة-لا يريدون قوات حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة، وذلك لأنهم لا يثقون في قدرة الأمم المتحدة على الاستجابة لمخاوفهم. وتنتاب الدول العربية شكوك عميقة بشأن إرسال قواتها الأمنية؛ لأنها تشعر بالقلق إزاء فكرة الاضطرار إلى فرض القوة على الفلسطينيين إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: واشنطن بوست فی غزة
إقرأ أيضاً:
هل تتحوّل الاحتجاجات ضد حماس إلى مسار حقيقي؟
قال جيسون دي غرينبلات، مبعوث البيت الأبيض السابق للشرق الأوسط في إدارة دونالد ترامب الأولى، إن غزة تشهد حدثاً استثنائياً حيث يخرج الفلسطينيون إلى الشوارع ليس للاحتجاج ضد إسرائيل، بل لمواجهة حماس، التي تسيطر على القطاع بقبضة من حديد منذ ما يقرب من عقدين.
رفض الفلسطينيين لحماس وإرهابها هو المسار الوحيد نحو مستقبل أفضل لغزة
وأضاف الكاتب في مقاله بموقع مجلة "نيوزويك" الأمريكية: رغم أن حماس اعتمدت طويلاً على سرقة المساعدات، وأبقت السكان في فقر مدقع، وقامت بتعذيب وقتل المعارضين، وتركيز اهتمامها على تدمير جارتها القوية إسرائيل، فإن هذه هي المرة الأولى التي تتصاعد فيها الاحتجاجات بشكل عفوي إلى تظاهرات أكبر. وتشير التقارير إلى أن عدد المحتجين يتراوح بين مئات وربما آلاف.
اختبار حقيقي لدعاة التحرير في الغرب
وتابع الكاتب: "يمثل هذا الحدث لحظة حقيقة للأصوات المؤيدة للفلسطينيين في الغرب. لسنوات، دأب النشطاء والإعلاميون والأكاديميون والسياسيون على إعلان التزامهم بتحريرالفلسطينيين وتقرير مصيرهم. غالباً ما كان ذلك يتخذ شكل إلقاء اللوم على إسرائيل في جميع مشكلات الفلسطينيين، دون الاعتراف بأن استراتيجية حماس تقوم على استثمار الموت، سواء كان إسرائيلياً أم فلسطينياً".
هذا أوان الحقيقة. يقول بعض سكان غزة "كفى" في وجه حماس لأنها فشلت في تلبية احتياجات شعبها، واستثمرت كل الموارد المتاحة لبناء آلة حرب، مع الإصرار على تدمير الدولة اليهودية بغض النظر عن العواقب. إن عدم رؤية داعمي فلسطين في أوروبا والولايات المتحدة لهذه الاحتجاجات تكشف لنا الكثير.
غياب الاحتجاجات بعد أحداث 7 أكتوبر
أين كانت هذه الاحتجاجات بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول)؟ في أعقاب ذلك اليوم المروع، شهدنا احتفالات في غزة، وليس إدانات. رأينا ابتهاجاً، وليس غضباً من الجرائم البشعة ضد المدنيين التي ارتكبتها حماس وفصائل غزاوية أخرى. التباين صارخ ومثير للقلق، ولا يوحي بأن سكان غزة سئموا من حماس للأسباب الصحيحة.
وأضاف الكاتب: ليس من غير العدل الإشارة إلى الخوف الشديد الذي طالما أسكت سكان غزة. فقد كان التعبير عن الرأي المعارض لحماس يعني المخاطرة بالحياة، وهو احتمال مرعب جعل معظم الفلسطينيين صامتين وممتثلين. ربما أضعفت إسرائيل حماس بما يكفي ليصبح الاحتجاج مخاطرة تستحق العناء.
هناك تقارير عن إطلاق حماس النار على بعض المحتجين وتعذيبهم. على سبيل المثال، أفادت تقارير أن حماس قامت بتعذيب الناشط الشاب عدي السعدي (22 عاماً) لساعات، قبل إلقاء جثته أمام منزل عائلته.
ومع ذلك، استشهد الكاتب بأن التاريخ قدم أمثلةً كثيرةً على الشجاعة الإنسانية، حتى في ظلّ أقسى الظروف. وثمة نقطةٌ يُقرّر فيها الناس أن ثمن الصمت أعظم من خطر الجهر بالرأي.
يبقى السؤال الجوهري، بحسب الكاتب،: هل تشير هذه الاحتجاجات إلى إدراك الفلسطينيين بأن أيديولوجية حماس التدميرية لم تجلب سوى الكوارث؟ أم أنها مجرد تعبير عن إرهاق تام من الوضع الراهن؟، هل يعارضون حماس لأنهم يتطلعون لمستقبل أفضل قد يشمل إنهاء الحرب مع إسرائيل، أم لأن حماس فشلت بشكل مريع؟.
رغم عقود من الرفض الفلسطيني، قد تكون هذه إحدى الإشارات الأولى لتحول محتمل. إذا كان سكان غزة قد ضاقوا ذرعاً بدوامة العنف المستمرة مع إسرائيل، فقد يتغير الوضع ولو قليلاً. ومع ذلك، ما يحرك هذه الاحتجاجات في الغالب هو الإرهاق من البؤس الذي جلبته حماس. ويبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا التحرك؟ وحده الزمن سيحدد مدى أهمية هذه الاحتجاجات.
طريق طويل نحو مستقبل أفضل
وأكد الكاتب أن رفض الفلسطينيين لحماس وإرهابها هو المسار الوحيد نحو مستقبل أفضل لغزة، وربما نحو حوار هادف وتعايش مع إسرائيل. لن يكون لغزة أي مستقبل دون قيادة جديدة بعد تفكيك وإقصاء حماس وأيديولوجيتها المدمرة.
علينا أن نأمل، رغم كل التحديات، أن تتحول هذه الاحتجاجات من حالة غضب عابرة إلى حركة تمثل طريقاً جديداً وحقيقياً، وسيظهر هذا الطريق جليًّا عندما تتوقف حماس عن محاولة تدمير دولة أخرى ويتعلم التعايش. الأمل ضعيف ولكنه قد يكون تحولياً.
تحديات أمام التحول
بالطبع، يبقى هذا الأمل مقيداً بحكمة مكتسبة بصعوبة. لن تتخلى حماس عن السلطة بسهولة، ولن تتسامح مع المعارضة. فقد أظهرت مراراً أن وجودها مرتبط بالسعي لتدمير إسرائيل، لذا فإن احتمالات التغيير تظل ضئيلة.
وأوضح الكاتب أنه إذا كانت هذه الاحتجاجات صادقة، وليست مجرد نتيجة لليأس، فيجب التفكير استراتيجياً في كيفية تحويل هذه الطاقة إلى بناء غزة جديدة، من أجل مستقبل أفضل لشعبها، ومنفصلة عن حربها الأبدية مع إسرائيل.
واختتم الكاتب مقاله بالقول: "المسار ضيق والعقبات هائلة، لكن لأول مرة منذ سنوات، يظهر بصيص أمل من غزة؛ إنه الأمل في أن يكون هناك ما يكفي من الشجاعة للتخلص من قيادة حماس التي تسببت في معاناة لا توصف على مدى سنوات طويلة. سيكون ذلك معجزة للمنطقة، وللفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء".