بؤس القيادة (نموذج ياسر العطا)!
تاريخ النشر: 4th, December 2023 GMT
abdullahaliabdullah1424@gmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد ذهاب البشير غير مأسوف عليه، لم يتوقع اكثر المتشائمين، ان يخلفه من يفوقه كذبا ونفاقا وجهلا واجراما، مجسدا في البرهان. ويبدو ان وجود البشير كشخصية غير مؤهلة وفاسدة واجرامية علي سدة السلطة لمدة ثلاثة عقود، انتج معايير القيادة تطابقه، والمتمثلة في عدم التاهيل والفساد والاجرام كمواصافات للقيادة.
اما من جهة القيم، فتجسدها المداهنة للقيادات العليا، والاستعداد لارتكاب اشنع الفظائع لشراء رضا تلك القيادات. اي كلما كنت اقل كفاءة مهنية واكثر طاعة تنظيمية، كنت الانسب لشغل اعلي المراتب وتسنم اوسم الرتب. وهو ما يجعل مردود هكذا منظومة وطريقة عمل تندرج في مقولة بروف بكري الجاك (التسابق نحو الحضيض) وان ذكرها في سياق مغاير.
وغالبا اصطدام الثورة وحكومتها بهكذا قيادات عسكرية منحرفة، هو ما شكل عقبة امام حكومة الثورة، وعجل باجهاض حلم الثورة في التغيير. وكل ما يلي ذلك مجرد تفاصيل سواء ضعف قحت او طوباوية الجذريين. وبتعبير آخر الاستيلاء علي السلطة بقوة السلاح واجهاض مشروع التحول الديمقراطي وبناء الدولة الحديثة، هو وفاء لثقافة الاستعلاء وقيم التعدي وسلوك الاجرام التي تربي في كنفها العسكر المؤدلجين.
والحال كذلك، صعود حميدتي لم يكن مصادفة بعد ان اتقن اللعبة القذرة، واستفاد من تناقضات قيادة الجيش وجهاز الامن وكسب ثقة دولة الامارات (اسبرطة الصغري كما اطلق احدهم علي طموحاتها العدوانية). ولكن ما لم يكن متوقعا واسهم في تجاوز حميدتي لكل حدود المنطق والمعقول، لدرجة طموحه في ابتلاع الدولة، فمرده عكس العلاقة بينه وبين البشير سابقا والبرهان لاحقا، بعد ان اصبح الجنرالان الخائبان يبحثان عن رضا حميدتي ويتملاقانه، وهو مارفع الاخير ثمنه كثيرا!
بالرجوع للعطا، وكما سبق، الحديث عنه لا يختلف عن اي من اعضاء اللجنة الامنية، وضعفهم البنيوي في تكوين ومواصفات القيادة. ولكن الفارق ان العطا بقدر ما يطمع في شغل مكان البرهان، بقدرما ما يحتاج لشراء رضا البرهان للبقاء ضمن طاقم القيادة. وهذا ما جعله يراوح في هذه المساحة الملتبسة بتصريحاته العنترية، مرة لارضاء البرهان ومرة لارضاء الاسلامويين. وما يثير السخرية او الطموحات السرية، سعيه لارضاء قوي الحرية والتغيير علي عهد حكومتها، قبل ان يزجره البرهان ويزيحه من رئاسة لجنة التميكن، ثم يرجع لتوظيفه لمغازلة ذات قوي الحرية والتغيير لتمرير الانقلاب. بل حتي عندما تنحسر عنه الاضواء فترات طويلة بتدبير من البرهان او حميدتي الله اعلم، يرجع ويكيل المدح المتزلف للبرهان بطريقة مقززة. ولكن الملاحظ كلما انحسرت عنه الاضواء تصدر عنه تصريحات تُزايد لشراء رضا الاسلامويين. وهذه (المرمطة) التي ارتضاها العطا لنفسه، يغذيها احساس بانه اجدر من البرهان، وعليه الصبر وابتلاع المذلة والحفر حتي يحل محله! وهنا يشترك العطا مع بقية القيادات العسكرية، في بناء تصورات خاطئة عن قدراتهم وعن الواقع، وهذا بالضبط سبب الكوارث واعادة تكرارها بطريقة نمطية.
والمهم، اذا كان البرهان باداءه المخجل وفشله في كافة المجالات، شكل وصمة عار للقيادة باصراره علي التمسك بها مهما كان الثمن، وبما في ذلك ضياع البلاد وتقتيل اهلها! فياسر العطا ارتضي ان يكون الصورة الباهتة لهذه القيادة الفاشلة، بل والحرص علي تكرار نموذجها الكارثي (وهو يباري البرهان من كوشة لكوشة).
وما يلاحظ في قيادة ياسر العطا وبالطبع غيره من القيادت العسكرية والمليشياوية، انها تتصرف في البلاد ومصير شعبها كحق مطلق. فهي تتخذ القرارات المصيرية من غير مرجعية دستورية، وترتكب كل الاخطاء من غير محاسبة او مجرد مراجعة، ودونكم الحرب الدائرة الآن وطريقة ادارتها، والتي لا يعلم خفاياها احد (سوي المتقاتلين بالطبع)!
المهم، هؤلاء القاد العسكريون الذين افرزتهم الانقاذ، لا يكتفون بفشلهم العسكري الذي يفترض انه اختصاصهم، ولكنهم ادمنوا التطاول علي المدنيين وتجريم العمل السياسي والتدخل في شئون السلطة، وكل ذلك من غير دراية، لتنتج عن ذلك حالة التردي المطردة في كافة المجالات.
وحتي لا نلقي الكلام علي عواهنه، ولنتخذ نموذج ياسر العطا. فهذا الياسر الذي يتلبس لبوس كبار الجنرالات، وبحسب رواية قادة الحرية والتغيير، ومن خلال سعيهم المسؤول لنزع فتيل الازمة بين البرهان وحميدتي قبل اندلاع الحرب، اخبرهم ياسر بقدرة الجيش علي حسم المعركة اذا نشبت في ظرف بضع ساعات! وما يؤكد صحة رواية قادة الحرية والتغيير، ان ذات الجنرال ظل يظهر في فديوهات بعد الحرب، متحدثا عن تنظيف ام درمان واقتراب الحسم العسكري وطرد مرتزقة الدعم السريع الي خارج الديار! ومؤكد تصريحات ومواقف هذا النموذج النموذجي يقول الكثير عن حقيقة هؤلاء الجنرالات المزيفيين الذين ابتلينا بهم!
فمن جهة عسكرية، يدل علي عدم علم كبار الجنرالات لا بحقيقة قوة جيشهم ومدي استعداده لخوض المعركة، ولا قوة مليشا الدعم السريع ومدي جاهيزتها للمعركة! فهل بعد ذلك ننتظر منهم حسم للمعركة؟ والسؤال اذا كان لياسر عطا استراتيجية جديدة لحسم المعركة كما يبشرنا بها، هل من الحصافة كشفها للعدو اعلاميا؟ ام هي نوع من البروباغندا المكشوفة التي تنم عن غباء فطري وامتهان للكذب؟
ومن جانب القياة، التي يفترض ان تتحلي بالرؤية الشاملة وتفضيل الخيارات المناسبة متوخية مراعاة المصلحة العامة، والاهم مسؤولية تحمل الاخطاء والمكاشفة والصراحة. إلا اننا نجد نموذج قيادة قائدنا الهمام (هذا الياسر) فهي التصريح ذات اليمين وذات الشمال من غير اسس موضوعية، وتقديم الوعود المجانية تلو الوعود، ومن دون توضيح لماذا لم تتحق تلك الوعود، قبل ان يلحقها بوعود جديدة؟ والكارثة ان من يدفع ثمن عدم تحقيقها هم ملايين المواطنين المساكين، وعلي الاخص من هم في قلب المعارك؟ والسؤال الاهم في هذه الحرب المجنونة، ما هو معيار ياسر وغيره من كبار الجنرالات للانتصار في المعارك، والجيش يواصل خسران المواقع وسقوط الحاميات ويصر علي استراتيجية بقاءه في مقراته والدنيا تحترق من حوله، ويماطل في الذهاب للتفاوض بجدية؟ وطالما يمتلك الجيش سلاح طيران فعَّال، لماذا تتحرك مليشيا الدعم السريع بكل حرية في دارفور وهي منطقة شاسعة وشبه مكشوفة حتي سقطت جل الحاميات؟ والسؤال المؤلم، الا يوجد في قاموس هذه القيادات الاعتراف بالخطأ والفشل وقبول المحاسبة والاقالة او تقديم الاستقالة؟ واذا لم يحدث ذلك وعواقب الفشل والاخطاء تغرق الابرياء في بحور الدماء والوطن في لجة الحرب الاهلية والتذرر والضياع، فمتي يحدث ذلك؟ وهل الطمع في السلطة يبرر دمار البلاد وتشريد اهلها؟ والحال كذلك ما قيمة تلك السلطة من غير دولة وشعب؟ المهم سلسلة الاسئلة ذات الطابع العسكري لا تنتهي في هذه الحرب الغامضة؟ وصحيح لا نتحدث من موقع معرفة عسكرية، وقد تكون خاطئة او في غير زمانها ومكانها، ولكن ما سلف من اسئلة وغيرها، اعتقد انها تؤرق كل من تشغله هذه الحرب اللعينة، بكلفتها الباهظة انسانيا وعمرانيا ومستقبليا.
اما تصريحات ياسر العطا الاخيرة التي يكيل فيها التهم لدول الجوار والامارات بصفة خاصة وكانه اكتشف فجاة معلومات مجهولة؟ فهي تندرج في خانة القياد العسكرية، التي تتوهم مهارة القيادة في شحن الجنود وشراء رضا البسطاء والتنفيس عن الغضب، كما كان يفعل قائدهم البشير (رب العوارة)، الذي اشتهر بمجاراة اجواء الحماسة واطلاق العنان لرغباته المكبوتة (التصريحات الرعناء والتهديدات الجوفاء، غض النظر عن عواقبها الكارثية، وللمفارقة بعضها طاله شخصيا واحاله لقائد منبوذ، ولكنه كعناد العسكريين كل ذلك لم يردعه). في حين ان المطلوب ليس ذكر المعلومة بانفعال مراهقين، ولكن كيفية التعامل معها، والحد من خطورة تاثيرها في سير المعارك. مع العلم ان الدعم الامارتي غير سير المعارك من شدة كثافته وقوة نفوذ هذه الدولة الشريرة، وهو ما يتطلب مرونة في التعاطي، طالما هنالك عجز في كبح تاثيرها ونفوذها.
وبتعبير آخر، القيادة العسكرية المتضخمة مكتفية بذاتها، وتاليا لا تضع اعتبار للقنوات الدبلوماسية وتوازن القوي والمصلحة العامة! ولكن ذلك لا يمنعها من اراقة ماء وجهها وبلدها خلف الكواليس وتزلف اقوياء الخارج ليرضو عنهم (هنالك حديث يدور عن زيارة سرية قام بها الكباشي للامارات، اي ما يهم القيادات مصلحتها وليس ملصحة البلاد).
اما من الوجهة السياسية، فقد اتاحت الثورة وبسالة الثوار لكبار الجنرالات ومن ضمنهم ياسر العطا فرصة تاريخية، تحررهم من اخطاءهم وتكفر جرائمهم وتخلد اسماءهم، فقط لو انحازو بصدق للثورة، وحاربو الدولة العميقة، وتخلصو بحكمة من كارثة مليشيا الدعم السريع، وتصدوا بحزم لاطماع الدول الخارجية. وبكلمة واحدة اعلاء المصلحة العامة (ترك ما للمدنيين للمدنيين) وهزيمة المطامح والاطماع الخاصة (تجاوز الاختصاص والتعدي علي الحق العام وحقوق الغير)، وهو ما يميز القيادة الحقة في كافة المجالات. ولكن ما حدث هو عكس ذلك تماما، لا لشئ إلا لانها قيادة مزورة وغير مؤهلة ورهينة تاريخ اجرامي وعلاقات مشبوهة داخليا وخارجيا. وبسبب فقرها المعرفي والقيادي والقيمي كانت حساباتها خاطئة او مصلحية ضيقة، وهي تراهن علي الاسلاميين والمليشيات والمصريين والاماراتيين والاسرائليين (كل اعداء الثورة)، والمحصلة هذه الحرب القذرة، التي لم تُفقدهم السلطة فحسب، ولكن البلاد برمتها، بدلالة تركهم العاصمة مركز السلطة ورموز السلطات وهروبهم الي بورتسودان كاقصي مكان آمن، وممارسة سلطة شكلية يعزَّون بها انفسهم.
والحال ان القادة العسكريين المزيفون كياسر العطا لا يخوضون الحروب كالابطال، إلا اذا كانت حروب كلامية، ولا يتفاوضون كالشجعان من اجل اوطانهم ومواطنيهم. كما ان معاركهم الاصلية ليست في ساحة المعارك، ولكنها حرب مغالطات داخلية لحقيقة خواءهم وعدم تاهيلهم واجرامهم وفسادهم واصرارهم علي الاستيلاء علي السلطة بطريقة غير شرعية. وعموما لا يمكن للقادة الحقيقيين ان يكونوا (شُخشيخة) في يد غيرهم، فهكذا مهانة تليق بالقادة المزيفين.
ولكن ما يثير الحزن والاسي ان كل هذه الكوارث التي حلت بالشعب السوداني ودولته لم تعظ قادة العسكر، وما زال مسلسل فصولها يتوالي من غير افق للحل السلمي علي ايديهم. والمقصود انه ومن اجل اطماع صغيرة، كحرصهم علي سلطة لا يستحقونها، اُفسح المجال للتفريط في الامن القومي، لتستغله مليشيا همجية تنشر الانتهاكات والخراب اينما حلت. وكل ذلك بدل مراجعة النفس والاخطاء والاعتراف بحقيقة الواقع والاوضاع العسكرية، وإدراك ما يمكن ادراكه (طالما يؤمنون بالانسحابات) من بلاد تتسرب من بين ايديهم وشعب يتعرض للهلاك يوميا. وهو ما لن يتم إلا بالتحرر من عبء الاطماع غير الشرعية، واعلان ايقاف الحرب من قبل الجيش، وقبول التفاوض غير المشروط، والخروج نهائيا من السلطة والاقتصاد والاعتذار عن كل الانقلابات السابقة. وليس هنالك تاكيد علي ان هكذا قرارات ليست مناورة، من استقالة طاقم قيادة الجيش، فهي بكل المقاييس ليس اهم من الدولة وشعبها. وهكذا توضع مليشيا الدعم السريع وقادتها امام الامر الواقع وكشف نواياها للجميع، وعندها اذا لم ترعوِ تصبح الحرب حرب وجود ضد هذه المليشيات الهمجية.
وصحيح لم نحظَ كغيرنا من الشعوب المحظوظة بقادة عظام، يقودون بلادهم لمرافئ التنمية والتطور. وحتي لو صدف توافر امثال هذه العملة النادرة من القادة، لن تسمح لها الانقلابات العسكرية بالتواجد، ناهيك عن افساح المجال لانجازاتها. ولكن دخول نظام الانقاذ الاسلاموي علي خط الانقلابات العسكرية، انحط بكل شئ وعلي وجه الخصوص شريحة القيادات، لنصل مرحلة ان يتولي زمام الامور القتلة واللصوص والرباطة والجهلة والانتهازية من كل شكل ولون. اما نتاج هذا التردي، فهو اشعال هذه الحرب الكارثية والعجز عن التحكم في دنمياتها ومآلاتها.
واخيرا
الفيك اتعرفت يا مجلس الامن وانت تخلي مسؤلياتك لذات الزول المتسبب في المصائب، وليس هنالك اسوا حظا ممن يراهن عليك. وصحيح كما يقول ستيفان زفايغ (الفقير (ونضيف الضعيف من دول وافراد) في هذا العالم هو الضحية دائما). ويبدو ان المؤامرة علي البلاد من الضخامة بمكان بحيث يشارك فيها الجميع ضد الشعب وتطلعاته. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: الحریة والتغییر یاسر العطا هذه الحرب ولکن ما وهو ما من غیر
إقرأ أيضاً:
عبد الفتاح البرهان: بين التحالفات المتعددة والعداوات المتجددة (1)
المقدمة
سعادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لم يكن جزءًا من الثورة ضد نظام عمر البشير. إلا أنه، بعد اندلاع الثورة، وجد نفسه ملزم بأن يقوم بأدوار رئيسية داخل المشهد السياسي السوداني اختارته ولم يختارها. بعد عزل الرئيس عمر البشير، كلف كبار الضباط الذين نفذوا الانقلاب, كلفوا البرهان بان يبلغ الرئيس البشير بقرار عزله من الحكم. بعد أسبوع من تلك الحادثة، تم اختيار البرهان نفسه لأن يكون الرئيس البديل لابن عوف، الذي كان قد تولى السلطة مؤقتًا بعد الإطاحة بالبشير.
تم التوافق على ترشح البرهان لمنصب الرئيس بواسطة ثلاثة أطراف رئيسية هي: قائد الانقلاب ابن عوف، قوى الحرية والتغيير (قحت)، قائد الدعم السريع. وعليه، وجد البرهان نفسه رئيسًا للجمهورية دون أن يسعى إليها، ووجد نفسه ملتزمًا بالتعامل و التوافق مع هذه القوى التي رشحته وممثلًا للثورة في الداخل والخارج، و ملتزما بتنفيذ برنامجها مثل محاربة الإسلاميين. هذه الديناميكيات كانت ضرورية لفهم كيفية تعامل البرهان مع هذه الأطراف المختلفة وكيف تحولت علاقته مع كل جهة منها. يظل البرهان هو الشخصية المحورية في تحديد حاضر ومستقبل السودان الا ان مساره السياسي مليء بالتحولات والانعطافات، ومن المهم أن نفهم كيف تعامل البرهان من خلال هذه التحولات مع مختلف القوى السياسية والعسكرية في السودان، بما في ذلك قوى الحرية والتغيير (قحت)، الدعم السريع، والإسلاميين، وصولًا إلى تحولات الحرب الأخيرة التي أظهرت جوانب جديدة في شخصيته السياسية والعسكرية.
*أولا الصفات الشخصية للبرهان:*
يتمتع الفريق اول عبد الفتاح البرهان بعدة صفات شخصية معقدة ومرنة وهي محل اجماع بين مؤيديه و معارضيه معا. احاول ان اقدم بعض هذه الصفات و مدى تاثيرها على طريقته في الحكم.
1/ الخداع الاستراتيجي: بهذه الصفة أظهر البرهان قدرة فائقة على التعامل مع مختلف الجبهات وتحقيق أهدافه بعيدًا عن الأنظار، مما قد يكون مفيدًا في بيئة سياسية معقدة. ولكن نظر اليها البعض على أنها سلبية تؤدي إلى فقدان الثقة و ان الشخص لا يُظهر حقيقته للآخرين.
2/ الغموض والكتومة: بهذه الصفة استطاع البرهان الحفاظ على مسافة مع الآخرين، واحتفظ بيقدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية او الادلاء بتصريحات هامة بعيدًا عن التأثيرات الخارجية مهما كانت الانتقادات مثل غياب الشفافية او غيرها.
3/ التعامل مع المتناقضات بهدوء وذكاء: يُعتبر البرهان قادرًا على التكيف مع الظروف المتغيرة و الموازنة بين المواقف المتناقضة برونة تامة، وهذه مهارة شخصية ساعدته على التعامل مع بيئة مليئة بالصراعات و التعامل مع المجموعات المختلفة أو التغيرات المفاجئة.
4/ القدرة على اللعب بـ “البيضة والحجر”: اي للبرهان للقدرة على اتخاذ مواقف مزدوجة أو متوازية، و البقاء في منطقة الوسط حتى وان كان في حالة صراع علني. مم امكنه من الحافظ على تحالفات متعددة او حتى امكانية العودة لتحالفاته السابقة او انهاء او تغيير او تبديل كل التحالفات. قد يؤدي هذا التكتيك إلى عدم الوفاء الكامل للمبادئ أو الوعود.
/ الفطنة، الذكاء، الصبر، التخطيط، والشجاعة: هذه مجموعة من الصفات القيادية الهامة، التي ساعدت البرهان على التفكير بعيدًا عن اللحظة الراهنة والتخطيط في قضايا معقدة خاصة حرب الكرامة التي اكسبت البرهان ثقل جماهيري نادر و اجعلته في مصاف الابطال الوطنيين الذين حققوا الانتصارات لشعوبهم رغم التحديات الكبيرة. وليس اعتمادا على المعايير المادية وحدها لكن بسب الصفات الشخصية للقائد خاصة الصبر و الشجاعة والذكاء و التخطيط.
بشكل عام، يجمع الراي العام على أن البرهان شخصٌ ذكي، استراتيجي، وواقعي في تعامله مع الظروف المتغيرة. ولكن، يمكن أن تكون هذه الصفات من وجهة نظر اخرى سيفًا ذا حدين. فبينما تمنحه القدرة على النجاح في بيئة مليئة بالصراعات، قد يؤدي تكرار هذه التكتيكات إلى فقدان الثقة أو استياء حتى من الأطراف المتحالفة باحساسها بالخادع أو عدم الشفافة.
المفتاح في تقييم شخصيته يكمن في مدى قدرة هذه الصفات على تحقيق الأهداف الوطنية والتعامل مع الضغوط المحلية والدولية بنجاح, كما ظهر ذلك جليا في حرب الكرامة و لكنه اخفق في تحقيق الاهداف الوطنية في حالة التحالفات السياسية. فهل تكرر التجربة نفسها بعد حرب الكرامة؟
*ثانيا علاقة البرهان مع قحت من التحالف الى العداء*
بدأت علاقة البرهان مع قوى الحرية والتغيير (قحت) عندما اختارت قحت البرهان ليكون رئيسًا للسودان بديلًا عن الرئيس البشير وابن عوف. وتوجت هذه العلاقة بتوقيع تحالف بين الطرفين تحت برنامج “الوثيقة الدستورية”.
استمر هذا التحالف لمدة ثلاث سنوات، لكن فشل في تحقيق أهدافه ليس لأي سبب يتعلق بالبرهان، بل بسبب سياسات قحت نفسها، وتحديدًا عدائها للإسلاميين الذي بدد طاقتها الذهنية والنفسية والاقتصادية والسياسية, مما جعلها مطية للقوى الخارجية علها تكيبها شرعية او نجاحات اقتصادية دون أن تحقق أي مكاسب بل كانت فترة حكمها كلها اخفاقات. مما افقدها مع مرور الوقت مكانتها وسمعتها وشعبيتها، وكل رصيدها السياسي. ولهذا السبب أصبح تحالف قحت مع البرهان عبئًا على البرهان نفسه، مما أدى إلى توتر العلاقة بين الطرفين عبر تبادل الاتهامات والضغوط، حتى وصلت العلاقة إلى طريق مسدود في 21 أكتوبر 2021، اتخذ البرهان قرارات وصفتها قحت بالانقلاب، بينما اعتبرها البرهان قرارات تصحيحية.
هنا تظهر الصفات التكتيكية للبرهان في تحالفاته, حيث قام بتغيير جزئي يتمثل في إخراج قحت من التحالف واستبدالها بحركات دارفور الموقعة على اتفاقية سلام جوبا، مع الالتزام ببرنامج ثورة ديسمبر والوثيقة الدستورية, دون ان يعلن عن حكومة جديدة او برنامج جديد او مرحلة جديدة مع وعود متكررة بتشكيل حكومة تكنوقراط بعيدا عن المحاصصة الحزبية. مرت السنوات وحتى كتابة هذا المقال لم يتم الاعلان عن تكوين هذه الحكومة مما ترك المشهد السياسي في حالة فراغ إلى حين تشكيل حكومة تكنوقراط
استمر هذا الفراغ السياسي، ومع نشاط المخابرات الدولية قادت لجنة السفراء الرباعية للسفراء, مبادرة لإعادة التحالف بين قحت والبرهان. وهنا تظهر ذات الصفات التكتيكية ووقع البرهان اتفاقا جديدا مع قحت تحت اسم الاتفاق الإطاري، رغم العديد من الألغام السياسية التي يحملها مثل إعادة لجنة التفكيك وإعادة قحت إلى سدة الحكم. و مرة اخرى فشل هذا الاتفاق ولم يرى النور والسبب ايضا لا يتعلق بالبرهان اي البرهان وقع وكان على استعداد للمضيء قدما في الاتفاق ولكن السبب الذي افشله يعود الى طمع كل من قحت واللجنة الرباعية في تحقيق المزيد من المكاسب السياسية و تحجيم دور البرهان و مؤسسة الجيش، بل حاولوا ابتزاز البرهان ومحاسبته باأثر رجعي على قرارات 21 اكتوبر بعدا أن ضمنوا توقيعه على الاتفاق الإطاري،بل تجاوزا البرهان نفسه وشرعوا في اجراءات تفكيك الجيش أو إعادة هيكلته.
هنا، وجد البرهان نفسه تحت ضغط مزدوج: من جهة، ضغوط قحت واللجنة الرباعية للمضيء قدما في الاتفاق، ومن جهة أخرى، ضغوط الجيش والرأي العام الرافض مطلقا للاتفاق الاطاري من حيث المبدا المحتج على توقيع البرهان عليه. هذا الضغط المتزايد أدى بقحت و الرباعية السفراء بان يستخدموا الدعم السريع كأداة لاخضاع الرهان و صرح نائب ثاني الدعم السريع مخاطبا البرهان: (سلم السلطة دون لف او دوران) مما ادى إلى اندلاع الحرب التي صرح حميديت في يومها الاول ان هدفه هو قتل البرهان.
الخلاصة في علاقة البرهان مع قحت هي أن البرهان وقع مع قحت تحالفين: الأول “الوثيقة الدستورية” والثاني “الاتفاق الإطاري”. من حيث المبدأ، قد يكون البرهان مستعدًا في أي لحظة لتوقيع تحالف مع قحت، مهما كانت التحديات او الىعتراضات التي قد يواجهها من الجيش أو الرأي العام أو حتى من الإسلاميين او حتى و ان كان هذا التحالف عاجزا عن تحقيق اي انجاز ماموس. السبب في ذلك هي اسباب تكتيكية. يعتقد البرهان أن تحالفه مع قحت قد يمنحه الشرعية الدولية التي ظلت هاجسه الاساسي على الدوام عله من خلالها قد يتمكن من إيجاد حلول للأوضاع الداخلية اعتمادا على أدواته المحلية وصفاته الشخصية كما ظل يفعل.
*ثالثا التحالف بين البرهان و الدعم السريع*
قدم البرهان العديد من التنازلات القاسية جدا و المغريات الكبيرة جدا في سبيل ان يكسب هو ثقة قائد الدعم السريع وان يخلق معه تحالفا استراتيجيا متينا لا تهزه المغريات الاخرى ولا تخترقه المخابرات ولا تتخلله الشكوك. وقد ظلت هذه التنازلات مثار جدل كثيف في الراي العام المحلي و الدولي. نتناول هذه العلاقة وتقلباتها المختلفة في هذه الجزء من المقال
النازلات من جانب البرهان
التنازل الاكبر هو ان البرهان قد ضحى بوحدة القوات النظاميةع بالغاء المادة التي تجعل الدعم السريع تابعا للجيش مما فتح الباب لقائد الدعم السريع للتفكير والتصرف باستغلال امكاناته العسكرية والمادية وعلاقاته لتحقيق طموحه السياسي و بناء تحالفات داخلية وخارجية باستقلالية تامة. كما قام البرهان بحل هيئة العمليات القوة لجهاز الأمن، وكذلك احال عددا كبيرا من كبار الضباط في الجيش فقط بسبب اعتراضهم على تمدد الدعم السريع وتنبؤهم بخطورته على مستقبل البلاد. تعرضت سمعتة البرهان ومكانته داخل الجيش وفي الرأي العام للاهتزاز دون ان يغير سياساته او يحد من تنازلاته تجاه الدعم السريع. ولكن مهما كانت المزايا اثبتت الايام خطا تقديرات البرهان في علاقته مع الدعم السريع و التنازلات التي قدمها لقائده.
المزايا والعيوب لتحالف البرهان مع الدعم السريع:
من ناحية، كان تحالف البرهان مع الدعم السريع خطوة استراتيجية ذكية وضرورية، حيث أتاح له وجود طرف ثالث بينه وبين قحت, وموثوق فيه بين الطرفين، وهو ما ظن انه يمكن أن يعزز به سلطته العسكرية والسياسية فلصالح استقرار البلاد و صالح تحالف مستقر مع قحت و شرعية ممنوحة من الخارج. لكنه في نفس الوقت كان يشكل مخاطرة، حيث يضعف هذا التحالف من وحدة الجيش السوداني ويحوله إلى جيشين متوازيين يمكن استغلال التوترات بينهما، من قبل القوى الدولية, مما قد يؤدي في النهاية إلى تهديد الاستقرار الوطني.
نقض التحالف من قبل الدعم السريع:
وضع الدعم السريع البرهان في موضع صعب للغالية حينما قرر نقض التحالف بينهما وتبني برنامج قوى الحرية والتغيير الذي يدعو إلى تفكيك الجيش وإعادة هيكلته. هذا التحول يعكس خطأ رهانات البرهان في تحالفه مع الدعم السريع.
الصراع المفتوح مع البرهان:
قرار الدعم السريع بشن الحرب على البرهان في صراع مفتوح تم استغلاله و تغذيته من جهات اخرى وتطويره الى حرب مفتوحة ضد المجتمع وضد الدولة لتحقيق اهداف خارجية بحتة بعيدة كل البعد عن كل ما كان يدور على الساحة من تحالفات سابقة.
الاستنتاج:
تقييم العلاقة بين البرهان والدعم السريع يظهر أن التحالف كان يحمل في طياته مخاطر كبيرة، بالنظر إلى طبيعة الدعم السريع كقوة عسكرية شبه مستقلة. من جانب البرهان، كانت التضحيات التي قدمها تهدف إلى ضمان استقرار التحالف، لكن عدم استقرار العلاقة مع الدعم السريع، وعدم وضوح أهداف الأخير، جعل التحالف كارثة يدفع ثمنها الجميع. مما يبرز سؤال مهم عن مدى مقدرة البرهان على بناء تحالفات مفيدة و محصنة وقادرة على الوصول الى بر الامان، خاصة في ظل التوازنات السياسية والعرقية والعسكرية المعقدة للغاية. وهو سؤال يتعلق بالمستقبل بناءا على تجربة الماضي و الحاضر.
د. محمد عثمان عوض الله
إنضم لقناة النيلين على واتساب