عين ليبيا:
2025-04-06@03:03:59 GMT

كيفَ يكون إيماننا فوق كل ابتلاء ومحنة؟

تاريخ النشر: 3rd, December 2023 GMT

إنّ الكلام عن الإيمان عظيمُ النفعِ والحاجةِ، بل الضرورةُ ماسّةٌ إلى معرفته والعناية به معرفةً واتصافاً، وذلك أنّ الإيمانَ بالله وحده هو كمالُ العبدِ، وبه ترتفعُ درجاته في الدنيا والآخرة، وهو السببُ والطريقُ لكلِّ خيرٍ عاجلٍ وآجل، ولا يحصلُ، ولا يقوى، ولا يتمُّ إلا بمعرفةِ ما منه يُسْتَمَدُّ، وإلى ينبوعه وأسبابه وطُرُقه.

والله تعالى قد جعلَ لكلِّ مطلوبٍ سبباً وطريقاً يوصِلُ إليه، والإيمانُ أعظمُ المطالِبِ وأهمُّها وأعمُّها، وقد جعل الله له مواد كثيرةً تجلبه وتقوّيه، كما كانت له أسبابٌ تضعفه وتوهّيه.

ومواده التي تجلبه وتقوِّيه أمران: مجملٌ ومفصّلٌ:

أما المجمل فهو: التدّبُر لآيات الله المتلوّةِ من الكتاب والسنة، والتأمل لآياته الكونية على اختلاف أنواعها، والحرص على معرفة الحق الذي خُلِقَ له العبد، والعمل بالحق، فجميعُ الأسبابِ مرجعُها إلى هذا الأصل العظيم. (الأمثال القرآنية، 1 / 418).

وأما التفصيل: فالإيمان يحصل ويقوى بأمورٍ كثيرةٍ، ومن بينها:

1 ـ معرفة أسماء الله الحسنى الواردة في الكتاب والسنة، والحرص على فهم معانيها، والتعبّد لله بها:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ للهِ تسعةً وتسعين اسماً، مئةً إلاّ واحداً، مَنْ أحصاها دخلَ الجنّة» أيْ مَنْ حفظَها، وفهمَ معانيها، واعتقدها، وتعبَّدَ اللهَ بها دخل الجنّةَ، والجنّةُ لا يدخلُها إلا المؤمنون، فعَلِمَ أنَّ ذلك أعظمُ ينبوعٍ ومادّةٍ لحصولِ الإيمان وقوّته وثباته. ومعرفةُ الأسماءالحسنى هي أصلُ الإيمانِ، والإيمانُ يرجِعُ إليها، فكلّما ازداد العبدُ معرفةً بأسماءِ الله وصفاته ازدادَ إيمانه، وقويَ يقينُه، فينبغي للمؤمن أن يبذلَ مقدروه ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وتكونَ هذه المعرفة متلقّاةً من الكتاب والسنة، وما روي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ، فهذه المعرفةُ النافعةُ تجعلُ المؤمنَ في زيادةٍ في إيمانه، وقوّةٍ في يقينه، وطمأنيةٍ في أحواله. (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ص 24).

2 ـ تدبّر القرآن الكريم على وَجْهِ العموم:

إنَّ المتدبّرَ لا يزالُ يستفيدُ من علوم القرآن ومعارفه ما يزدادُ به إيماناً، كما قال تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *} [الانفال :2] وهو العلاجُ الناجعُ لأمراضِ القلوبِ، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ *} [يونس :57] إنّه موعظةٌ من الله، وهل هناك أبلغُ من الموعظةِ الربانية؟! وأيسرُ منها؟! وأكثرُ نفاذاً إلى القلبِ والضميرِ؟! ففيه الشفاءُ لأمراضِ الشبهاتِ والشهواتِ، وأمراض الهوى والانحراف، وأمراض الشكِّ والشرك، وأمراضِ القلوبِ والنفوسِ، والجوارحِ، والحواسِ، ومشاكل السياسة والاقتصاد والأخلاق والاجتماع والحياة، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء :82] فهو غذاءٌ للروح، وعلاجٌ يشفي النفوسَ من عللِّها، ويكسبُها المناعةَ القويّةَ.

ومن ثمراتِ تدبُّرِ القرآن: أنّه وسيلةٌ لمعرفة ما يريدُ الله منا، وكيفيّةُ عبادَته تبارك وتعالى، ومعرفة ما أنزل الله إلينا، لأنّ القرآن الكريم منهجُ حياةِ أنزله الله عز وجل، وهو أساسُ التشريع الذي يجبُ على العبادِ أن يتدبّروه، ويلتزموا بأوامره، ويجتنبوا نواهيه ليحقّقوا عبادةَ اللهَ تعالى. (شجرة الإيمان، السعدي ص، 41).

وإذا نُظِرَ إلى انتظامِ القرآن الكريمِ وإحكامِهِ، وأنَّه يصدِّقُ بعضُه بعضاً، ويوافِقُ بعضُه بعضاً، ليس فيه تناقضٌ ولا اختلافٌ: تيقّنَ أنه {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ *} [فصلت :42] وأنّه لو كان مِنْ عندِ غيرِ الله لوُجِدَ فيه من التناقضِ والاختلافِ أمورٌ كثيرة، قال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا *} [النساء :82]. وهذا مِنْ أعظمِ مقوّيات الإيمان، ويقوّيه من وجوهٍ كثيرةٍ، فالمؤمنُ بمجرَّد ما يتلو آيات الله، ويعرف ما اشتمل عليه من الأخبار الصادقة والأحكام الحسنة، يحصل له من أمورِ الإيمانِ خيرٌ كبيرٌ، فكيف إذا أحسنَ تأمُّله، وفهمَ مقاصده وأسراره؟ ولهذا كان المؤمنون الكُمَّلُ يقولون: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} [ آل عمران: 193].

3 ـ معرفةُ سيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم وشمائله:

فإنَّ مَنْ عرفه حقَّ المعرفةِ لم يَرْتَبْ في صدقه، وصدقِ ما جاء به، قال تعالى: أي: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ *} صلى الله عليه وسلم توجِبُ للعبدِ المبادرةَ إلى الإيمانِ ممّن لم يؤمنْ، وزيادةَ الإيمانِ ممّن آمن به، وقال تعالى مشجِّعاً لهم على تدبّر أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم الداعية للإيمان: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ *} [سبأ :46].

وأقسمَ تعالى بكمال هذا الرسولِ، وعظمةِ أخلاقه، وأنّه أكملُ مخلوقٍ قال تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ *مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ *وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ *وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ *} [القلم :1 ـ 4] فهو (صلى الله عليه وسلم) أكبرُ داعٍ للإيمان في أوصافه الحميدة، وشمائِله الجميلةِ، وأقوالِهِ الصادقةِ النافعةِ، وأفعالِهِ الرشيدةِ، فهو الإمامُ الأعظمُ، والقدوةُ الأكملُ، وقد ذكرَ اللهُ عن أولي الألبابِ الذين هم خواصُّ الخَلْقِ أنّهم قالوا: وهو هذا الرسول الكريم بقوله {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ}، وعملِه ودينِه وجميعِ أحوالِه {أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} [ آل عمران: 193] أيّ: إيماناً لا يدخلُه ريبٌ، ولمّا كانَ هذا الإيمانُ مِنْ أعظمِ ما يقرِّبُ العبدَ إلى اللهِ، ومن أعظمِ الوسائلِ التي يحبُّها الله ـ توسُّلوا بإيمانهم أنْ يكفِّرَ عنهم السيئاتِ، وينيلهم المطالبِ العالياتِ قالوا: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ *} [ آل عمران: 193] ولهذا كان الرجلُ المنصِفُ الذي ليسَ له إرادةٌ إلاّ اتباع الحقِّ مجرّد ما يراه ويسمع كلامه يبادر إلى الإيمان به صلى الله عليه وسلم، ولا يرتابُ في رسالته، بل كثيرٌ منهم مجرَّد ما يرى وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم يعرف أنّه ليس وجه كذاب (الإيمان أولاً فكيف نبدأ به، د. الهدلي ص، 119).

4 ـ التفكّرُ في الكونِ والنظرُ في الأنفسِ:

إنَّ التفكُّرَ في الكونِ، وفي خَلْقِ السماواتِ والأرضِ وما فيهنَّ من المخلوقاتِ المتنوّعةِ، والنظرَ في الإنسان، وما هو عليه من الصفات: يقوِّي الإيمانَ، لما في هذه الموجوداتِ من عظمةِ الخَلْق الدّالِ على قدرة خالِقها وعظمته، وما فيها مِنَ الحُسْنِ والانتظام والإحكام الذي يحيِّرُ الألبابَ، الدالَّ على سَعَةِ علم الله، وشمول حكمته، وما فيها من أصنافِ المنافع والنعمِ الكثيرة التي لا تعدُّ ولا تحصى، الدالة على سَعَةِ رحمة الله وجودِه وبره، وذلك كلُّه يدعو إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره، واللهج بذكره، وإخلاص الدِّين له، وهذا هو روحُ الإيمان وسرُّه.

وكذلك النظر إلى فقرِ المخلوقاتِ كلِّها، واضطرارِها إلى ربها من كلِّ الوجوه، وأنها لا تستغني عنه طرفةَ عينٍ، خصوصاً ما تشاهِدُه في نفسِك، من أدلّةِ الافتقار، وقوّة الاضطرار، وذلك يوجِبُ للعبدِ كمالَ الخضوعِ، وكثرةَ الدعاءِ، والتضرّع إلى ربه، وكمالَ الثقةِ بوعده، وشدّةَ الطمع في برّه وإحسانه، وبهذا يتحقَّقُ الإيمانُ، ويقوى التعبّد، فإنَّ الدعاءَ مخُّ العبادةِ وخالصُها (هجر القران العظيم د. محمود الدوسري ص، 567).

وكذلك الفكُّر في كثرةِ نِعَمِ الله والائه العامّة والخاصة، التي لا يخلو منها مخلوقٌ طرفةَ عينٍ، فإنَّ هذا يدعو إلى الإيمان (شجرة الإيمان، السعدي، 48)، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيات لأُِولِي الأَلْبَابِ *الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ *} [ آل عمران: 190 ـ 191].

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

المصدر: عين ليبيا

كلمات دلالية: صلى الله علیه وسلم قال تعالى آل عمران

إقرأ أيضاً:

حكم جعل القرآن الكريم أو الأذان نغمات للهاتف المحمول.. الإفتاء توضح

قالت دار الإفتاء المصرية، إن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى الذي أنزله على أفضل رسله وخير خلقه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أُمِرنا باحترامه وتعظيمه وحسن التعامل معه بطريقة تختلف عن تعاملنا مع غيره، فلا يمس المصحف إلا طاهر من الحدثين الأكبر والأصغر كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ۝ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ۝ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 77-79].

وأضافت دار الإفتاء المصرية، في فتواها المنشورة عبر موقعها الإلكتروني، أنَّه لا يجوز وضع شيء من الكتب على المصحف؛ لأنه يعلو ولا يُعلَى عليه، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه، ولذلك فليس من اللائق ولا من كمال الأدب معه أن نجعله مكان رنَّة الهاتف المحمول؛ لأنَّ له من القدسية والتعظيم ما ينأى به عن مثل ذلك: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. 

هل تأخير إخراج الزكاة يبطل ثواب صيام رمضان؟.. الإفتاء تجيبصيام الست من شوال وإهداء ثوابه إلى الميت.. دار الإفتاء توضح الحكمحكم من فاتته صلاة الجمعة بسبب النوم.. الإفتاء توضحهل الزواج في شهر شوال مكروه؟.. دار الإفتاء تحسم الجدل

وأكدت الإفتاء، أن وضع آيات القرآن مكان رنات المحمول فيه عبث بقدسية القرآن الكريم الذي أنزله الله للذكر والتعبد بتلاوته، وليس لاستخدامه في أمور تحطُّ من شأن آيات القرآن الكريم، وتخرجها من إطارها الشرعي، فنحن مأمورون بتدبر آياته، وفهم المعاني التي تدل عليها ألفاظه، ومثل هذا الاستخدام فيه نقلٌ له من هذه الدلالة الشرعية إلى دلالة أخرى وضعية على حدوث مكالمة ما، مما يصرف الإنسان عن تدبره إلى الاهتمام بالرد على المكالمة، إضافةً إلى ما قد يؤدي إليه من قطع للآية وبتر للمعنى -بل وقلب له أحيانًا- عند إيقاف القراءة للرد على الهاتف.

وتابعت "كذلك الحال في الأذان لا يليق به أن يُجعَل رنَّةً للهاتف المحمول؛ لأنَّه شُرِع للإعلام بدخول وقت الصلاة، وفِي وضعه في رنَّة المَحمول إحداث للَّبس وإيهام بدخول الوقت، كما أن فيه استخدامًا له في غير موضعه اللائق به، ويمكن للإنسان أن يعتاض عن ذلك -لو أراد- بأناشيد إسلامية أو مدائح نبوية تتناسب مع قِصَر رنَّة الهاتف، أمَّا كلام الله تعالى فله قدسيته وتعامله الخاص اللائق به".

وأما عن قراءة القرآن الكريم أو الاستماع لتلاوته، فقالت دار الإفتاء، إن كليهما عبادة من أفضل العبادات، والسنة النبوية عامرة بالنصوص المؤكِّدة لفضلهما وثوابهما: ففي خصوص قراءته جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» رواه الترمذي.

وأوضحت أنه بخصوص الاستماع إليه جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ، وَمَنْ تَلَاهَا كانت لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه الإمام أحمد.

وتابعت "حث الله تعالى عباده المؤمنين على الاستماع إلى القرآن الكريم والإنصات له، فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]، فالله عز وجل أرشد المؤمنين به المصدقين بكتابه إلى أن يصغوا وينصتوا إلى القرآن إذا قرئ عليهم؛ ليتفهموه ويعقلوه ويعتبروا بمواعظه؛ إذ يكون ذلك سبيلًا لرحمة الله تعالى بهم.

وقال الإمام الطبري في تفسيره "جامع البيان" (10/ 658، ط. دار هجر): [يقول تعالى ذكره للمؤمنين به المصدقين بكتابه الذين القرآن لهم هدى ورحمة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ﴾ عليكم أيها المؤمنون، ﴿الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، يقول: أصغوا له سمعكم لتتفهموا آياته، وتعتبروا بمواعظه، وأنصتوا إليه لتعقلوه وتتدبروه، ولا تلغوا فيه فلا تعقلوه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول: ليرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعبره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آيه] اهـ.

وقال الإمام الليث: [يُقال: ما الرحمة إلى أحدٍ بأسرع منها إلى مستمع القرآن؛ لقول الله جل ذكره: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، و"لعل" من الله واجبةٌ] اهـ. يُنظر: "الجامع لأحكام القرآن" للإمام القرطبي (9/1، ط. دار الكتب المصرية).

استماع النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ لتلاوة القرآن من غيره

كان النبي صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ يحب أن يستمع لتلاوة القرآن من غيره، وهذا مما يؤكِّد سنية الاستماع والإصغاء لتلاوة القرآن الكريم واستحبابه؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قالَ: قال لي النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ: «اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: فإنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيرِي، فَقَرَأْتُ عليه سُورَةَ النِّسَاءِ، حتَّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، قالَ: أمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ» أخرجه الشيخان، واللفظ للبخاري.

قال الإمام ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (10/ 277، ط. مكتبة الرشد): [«إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» معنى استماعه القرآن من غيره -والله أعلم- ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون كي يتدبره ويفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسُه أخلى وأنشط من نفس القارئ؛ لأنه في شغل بالقراءة وأحكامها] اهـ.

وقال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم" (6/ 88، ط. دار إحياء التراث العربي): [وفي حديث ابن مسعود هذا فوائد، منها: استحباب استماع القراءة والإصغاء لها، والبكاء عندها، وتدبرها، واستحباب طلب القراءة من غيره ليستمع له، وهو أبلغ في التفهم والتدبر من قراءته بنفسه، وفيه تواضع أهل العلم والفضل ولو مع أتباعهم] اهـ.

مقالات مشابهة

  • الإخلاص والخير.. بيان المراد من حديث النبي عليه السلام «الدين النصيحة»
  • لمن ارتدت الحجاب في رمضان وخلعته بعده.. احذري 3 عقوبات
  • داعية يحذر من العودة إلى الذنوب بعد رمضان
  • هل الله يأمر ملك الموت بقبض الأرواح لهذه السنة في شوال؟.. انتبه
  • حكم جعل القرآن الكريم أو الأذان نغمات للهاتف المحمول.. الإفتاء توضح
  • حكم التجارة في المفرقعات واستعمالها.. دار الإفتاء تجيب
  • حكم من فاتته صلاة الجمعة بسبب النوم.. الإفتاء توضح
  • حكم تخصيص يوم الجمعة بالتذكير بالصلاة على النبي .. فيديو
  • سنن مستحب فعلها يوم الجمعة.. التبكير إلى الصلاة وقراءة سورة الكهف
  • هل تعب أهل غزة؟!