"رقمت أنامل صانعي ديباجي          من بعد ما نظمت جواهر تاجي

وحكيت كرسي العروس وزدته        أني ضمنت سعادة الأزواج".

الرباط – كانت هذه أبيات الشاعر والوزير الأندلسي لسان الدين بن الخطيب منقوشة على جدران قصر الحمراء بغرناطة، وهي تخلد لحظات إبداعية توجت بولادة مَعلمة معمارية مزخرفة جدرانها ونافوراتها وأقواسها بما سمي "شعر النقوش" بخطوط عربية مثل النسخ والكوفي.

وعملت المخرجة والكاتبة الإسبانية إيسابيل فيرنانديث في فيلمها الوثائقي "بناة الحمراء" على نقل المُشاهد إلى منتصف القرن الـ13 زمن حكم الأسرة النصرية في غرناطة، وتقريبه من أجواء إنسانية وروحية كانت وراء بناء أحد أهم معالم العمارة الإسلامية في الأندلس.

وعرضت المخرجة فيلمها -الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية واستمر تصويره 7 سنوات- في معهد "ثيربانتس" بالرباط، حيث تفاعل الجمهور المغربي مع الفيلم وغاص مع مخرجته في نقاش حول خلفيات خروج هذا العمل إلى الوجود.

يمضي الفيلم الوثائقي في خطين متوازيين، إذ يعرض قصة بناء قصر الحمراء، وسيرة شخصية أندلسية مثيرة للاهتمام هي لسان الدين بن الخطيب الملقب بـ"ذي الوزارتين"؛ القلم والسيف والذي قدمه على الشاشة الممثل المصري عمرو واكد.

حكاية إنسانية

كانت مخرجة الفيلم ومؤلفته الإسبانية إيسابيل فرنانديث، تبحث عن شخصية تساعدها على بناء نص من وجهة نظر إنسانية.

وتقول للجزيرة نت إن اختيارها وقع على لسان الدين بن الخطيب رغم أن المرحلة التاريخية غنية بشخصيات مثيرة للاهتمام، فهو بالإضافة إلى أنه كان من أهم المؤثرين في البلاط النصري في تلك المرحلة، كان أيضا مؤرخ السلالة النصرية.

وخلال بحثها ودراستها لتلك الفترة التاريخية -تضيف فيرنانديث- وجهها جميع المؤرخين الذي تحدثت معهم بالاعتماد على حوليات ابن الخطيب وهو ما جعلها تقرر جعله الراوي في الفيلم.

وتوضح "جعلت ابن الخطيب شخصية الراوي، كان فرصة فريدة لأكون وفية لتلك المرحلة، ولبناء حكاية تاريخية من جهة وإنسانية من جهة أخرى، تنبع من صوت ابن الخطيب نفسه ومن طريقته في النظر وفهم الزمن الذي عاش فيه".

وتؤكد المخرجة أن فيلم "بناة غرناطة" يجعل المشاهد يكتشف "قصر الحمراء" بطريقة مختلفة حيث يعتمد أولا على القصد الإبداعي لأولئك الذين شاركوا في تصميمه وبنائه، وربط ذلك القصد الإبداعي أو تلك المهمة، بطريقة تشييد المبنى، والمعنى الذي يحمله كل واحد من تفاصيله بالنسبة لأولئك الذين قاموا ببنائه.

المخرجة والمؤلفة إيسابيل فيرنانديث خلال عرضها الفيلم في معهد ثيربانتس (الجزيرة)

وتضيف "أعتقد أن راوي مثل ابن الخطيب، الذي هو شاهد بضمير المتكلم، يمثل فرصة فريدة للقيام بتلك الرحلة الحميمية والشاعرية نحو الروح التي تحيط بعمارة قصر الحمراء، وبالتالي ربط المشاهد بالمبنى بطريقة فريدة ومثيرة وإنسانية للغاية. ومن ناحية أخرى، نكتشف شخصية سامية في تاريخ غرناطة تستحق أن تُعرف، والتي كانت لها حياة رائعة".

وتصف فيرنانديث ردود فعل الجمهور العربي والإسلامي إزاء فيلمها بأنها "قوية ومثيرة للغاية" وتتابع "باعتباري مؤلفة الفيلم، كنت أشتغل دائما وأنا أفكر في هذا الجمهور، أردت أن يشعر المسلمون عندما يشاهدون الفيلم وكأنهم يشاهدون تاريخهم الخاص".

وتمضي بالقول "لهذا السبب أشعر بسعادة غامرة في كل مرة أحضر فيها عرضا للفيلم في بلد مسلم، وأختبر تأثير الفيلم على الجمهور. أعتقد أن هذا دليل آخر على وجود تواصل ثقافي كبير بيننا".

شخصية غنية ومحورية

تعتبر شخصية لسان الدين بن الخطيب شخصية محورية في تاريخ الأندلس نظرا للدور الذي قام به خلال فترة حكم الأسرة النصرية وإشرافه المباشر على اختيار زخارف قصر الحمراء، وأيضا بالنظر لمواهبه المتعددة فهو كان وزيرا وأديبا وفيلسوفا وفقيها وطبيبا ومؤرخا وشاعرا، وكانت حياته التي قضاها بين بلاط غرناطة والمغرب خلال العصر المريني غنية بالتجارب.

أنتجت أفلام ونشرت روايات بين المغرب وإسبانيا تتناول سيرة ابن الخطيب مثل رواية "وزير غرناطة" التي كتبها المؤرخ المغربي عبد الهادي بوطالب سنة 1950 وهي من أوائل الروايات التي تناولت سيرة هذا الرجل، ورواية "ابن الخطيب في روضة طه" سنة 2012 للروائي العرفاني المغربي عبد الإله بن عرفة، ورواية "أسير غرناطة" للروائي الإسباني مارسيليانو غاليانو 2013 وغيرها من الأعمال الروائية.

هذا الغنى جعل هذه الشخصية محط اهتمام المخرجين والروائيين، فأنتجت عنه أفلام ونشرت روايات بين المغرب وإسبانيا تتناول سيرته مثل رواية "وزير غرناطة" التي كتبها المؤرخ المغربي عبد الهادي بوطالب سنة 1950 وهي من أوائل الروايات التي تناولت سيرة هذا الرجل، ورواية "ابن الخطيب في روضة طه" سنة 2012 للروائي العرفاني المغربي عبد الإله بن عرفة، ورواية "أسير غرناطة" للروائي الإسباني مارسيليانو غاليانو 2013 وغيرها من الأعمال الروائية.

يعزو الأكاديمي الحسن محب، نائب رئيس مؤسسة لسان الدين بن الخطيب للدراسات والتعاون وحوار الثقافات بفاس، الاهتمام بشخصية ابن الخطيب حديثا إلى موسوعيته وتنوع اهتماماته وإلى مكانته السياسية في صناعة الأحداث ولا سيما في مرحلة تاريخية مهمة في تاريخ المسلمين بالأندلس وهي مرحلة الصراع من أجل البقاء والهجمة الشرسة الصليبية على ما تبقى من وجود إسلامي في الأندلس.

وأشار محب -في حديث للجزيرة نت- إلى أن ابن الخطيب عاش قسطا مهما من حياته بالمغرب حيث ألف فيها معظم كتبه، لذلك اهتم المغاربة كثيرا بهذه الشخصية.

وأسس نشطاء في مدينة فاس، مؤسسة "لسان الدين بن الخطيب للدراسات والتعاون وحوار الثقافات" في المدينة عام 2005، وهي جمعية ثقافية اتخذت من هذه الشخصية رمزا لعملها، باعتباره علامة على ماض من الحوار والتفاهم المشتركين بين شمال البحر المتوسط وجنوبه.

نقوش شعرية على جدران قصر غرناطة (الجزيرة) من نشأة الملوك إلى النكبة

يقول الحسن محب، إن ابن الخطيب نشأ نشأة ملوكية حيث ترعرع في القصر وتربى فيه.

وتواجده الدائم في الوزارة منذ صباه جعله حاضرا في كل أحداث العصر، كما شهد كل مجالس القصر وجالس العلماء والفقهاء والأدباء ورجال السياسة والنبلاء.

وأضاف "لما شب ابن الخطيب واستوى على سوقه، كان فارس الحلبة في الأدب شعرا وترسيلا، بل كان مشاركا في كل فنون المعرفة حتى الطب. ولعل غزارة كتاباته وتنوعها والتي وصلنا منها الكثير وعلى رأسها موسوعته الإحاطة في أخبار غرناطة شاهد حي على ذلك".

كما أن ابن الخطيب بلغ مكانة سامية في دولة بني نصر؛ إذ كانت له اليد الطولى في صناعة الأحداث وتدبيرها، فجمع بين الكتابة والوزارة والسفارة.

وإذا كان ابن الخطيب قد عرف الحظوة وعلو المكانة والسلطة، فقد تعرض أيضا لمكائد ودسائس ونكبات.

يشير الأكاديمي الحسن محب، إلى أن النكبة الأولى كانت خلال الانقلاب على السلطان أبي الحجاج يوسف حيث نكل به وصودرت ممتلكاته ونفي إلى المغرب مع سلطانه، ثم النكبة الثانية حين فر ناجيا بنفسه إلى المغرب مرة ثانية بسبب دسائس البلاط.

وبالنسبة لمحب، فإن كتابات ابن الخطيب لا تتميز فقط بالكثرة والتنوع، ولكن بجدتها وجرأة صاحبها في طرح القضايا الفكرية والدينية.

هذه الجرأة والجدة -يوضح محب- استعدت عليه مناوئيه ليتهموه بالزندقة والخروج عن الملة، ويلقى حتفه في نهاية المطاف.

وكانت هذه النهاية بشعة؛ حيث إنه سجن بفاس بطلب من السلطان الغرناطي وشنق داخل زنزانته قبل أن يُحرق جسده ويدفن بجوار باب المحروق.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: قصر الحمراء المغربی عبد

إقرأ أيضاً:

بعد وفاته.. 5 معلومات عن الدكتور طه عبد العليم رئيس هيئة الاستعلامات الأسبق

كتب- عمرو صالح:

رحل عن عالمنا اليوم الكاتب الصحفي والمفكر السياسي الدكتور طه عبد العليم، نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام ورئيس الهيئة المصرية العامة للاستعلامات الأسبق، عن عمر ناهز 75 عامًا.

ويستعرض مصراوي خلال السطور التالية أبرز المعلومات عن الدكتور طه عبد العليم:

1- ولد في 2 يناير 1950.

2- حصل على بكالوريوس الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة القاهرة عام 1972.

3- حصل على الدكتوراه في الاقتصاد السياسي من جامعة موسكو الحكومية عام 1985.

4- شغل منصب نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ورئيس تحرير كراسات استراتيجية الصادرة عنها.

5- عين رئيسًا للهيئة المصرية العامة للاستعلامات 1 نوفمبر 2003.

اقرأ أيضًا:

تغير جديد في الطقس خلال الساعات المقبلة.. والأرصاد: أجواء مائلة للحرارة

مجهول اقتحم الكنيسة وأشعل النار.. تفاصيل الاعتداء على مقر أسقف سيدني في أستراليا

40 ألف شقة في 14 مدينة.. تفاصيل مشروع ظلال لمتوسطي الدخل

وزير الري: ضخ مياه إضافية لمواجهة الطلب المتزايد بسبب ارتفاع الحرارة

لمعرفة حالة الطقس الآن اضغط هنا

لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا

الدكتور طه عبد العليم وفاة الدكتور طه عبد العليم رئيس هيئة الاستعلامات الأسبق

تابع صفحتنا على أخبار جوجل

تابع صفحتنا على فيسبوك

تابع صفحتنا على يوتيوب

فيديو قد يعجبك:

إعلان

هَلَّ هِلاَلُهُ

المزيد نصائح طبية ماذا يحدث لمعدتك عند الإفراط في تناول الترمس؟ زووم حدث بالفن | ميار الببلاوي تفجر مفاجأة عن غُسل إيناس النجار وسامح حسين يرد أخبار هل يجوز الجمع بين نية صيام الست البيض وقضاء أيام رمضان؟.. أمينة الفتوى تجيب نصائح طبية لماذا يشعر البعض بالجوع فور استيقاظهم في الصباح؟ زووم يارا السكري بفستان طويل وهنا الزاهد جريئة.. 10 لقطات لنجوم الفن خلال 24

إعلان

أخبار

بعد وفاته.. 5 معلومات عن الدكتور طه عبد العليم رئيس هيئة الاستعلامات الأسبق

أخبار رياضة لايف ستايل فنون وثقافة سيارات إسلاميات

© 2021 جميع الحقوق محفوظة لدى

إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك تغير جديد في الطقس خلال الساعات المقبلة.. والأرصاد: أجواء مائلة للحرارة 27

القاهرة - مصر

27 14 الرطوبة: 17% الرياح: شمال شرق المزيد أخبار أخبار الرئيسية أخبار مصر أخبار العرب والعالم حوادث المحافظات أخبار التعليم مقالات فيديوهات إخبارية أخبار BBC وظائف اقتصاد أسعار الذهب أخبار التعليم فيديوهات تعليمية رمضانك مصراوي رياضة رياضة الرئيسية مواعيد ونتائج المباريات رياضة محلية كرة نسائية مصراوي ستوري رياضة عربية وعالمية فانتازي لايف ستايل لايف ستايل الرئيسية علاقات الموضة و الجمال مطبخ مصراوي نصائح طبية الحمل والأمومة الرجل سفر وسياحة أخبار البنوك فنون وثقافة فنون الرئيسية فيديوهات فنية موسيقى مسرح وتليفزيون سينما زووم أجنبي حكايات الناس ملفات Cross Media مؤشر مصراوي منوعات عقارات فيديوهات صور وفيديوهات الرئيسية مصراوي TV صور وألبومات فيديوهات إخبارية صور وفيديوهات سيارات صور وفيديوهات فنية صور وفيديوهات رياضية صور وفيديوهات منوعات صور وفيديوهات إسلامية صور وفيديوهات وصفات سيارات سيارات رئيسية أخبار السيارات ألبوم صور فيديوهات سيارات سباقات نصائح علوم وتكنولوجيا تبرعات إسلاميات إسلاميات رئيسية ليطمئن قلبك فتاوى مقالات السيرة النبوية القرآن الكريم أخرى قصص وعبر فيديوهات إسلامية مواقيت الصلاة أرشيف مصراوي إتصل بنا سياسة الخصوصية إحجز إعلانك خدمة الإشعارات تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي لاحقا اشترك

مقالات مشابهة

  • ملتقى الفنانين والأدباء يُحيي عيد الفطر المبارك بفعالية ثقافية وفنية جماهيرية في مأرب
  • لاعب يحضر مباراة في بلغاريا بعد أسبوعين من إعلان وفاته!
  • بعد وفاته.. 5 معلومات عن الدكتور طه عبد العليم رئيس هيئة الاستعلامات الأسبق
  • الخطيب استقبل وفوداً مهنئة بعيد الفطر
  • نجل شقيق الفريق أحمد شفيق يكشف حقيقة وفاته
  • رحلوا لنفس السبب.. إيناس النجار والطوخي |والسر في المرارة
  • موسم جدة يكشف عن بوستر ليلة “دايم السيف” بتصميم مستوحى من إبداعات خالد الفيصل
  • ملتقى الفنانين والأدباء يُحيي عيد الفطر المبارك بفعالية ثقافية وفنية بمحافطة مأرب
  • جاء من القاهرة.. وفاة مدرس أثناء صلاة العيد في المنوفية
  • الشيخ علي الخطيب: نثق بالعهد ومن حق لبنان تحرير أرضه