أقنعة المركزية والكونية المشتركة
تاريخ النشر: 3rd, December 2023 GMT
أقنعة المركزية والكونية المشتركة
ألا يوجد بديل للفكر العربي خارج لاهوت الظهور والتجسد من جهة ولاهوت الشتات والاختلاف من جهة أخرى؟
ضرورة التخلص من الصورة الأحادية للإنسان، سواء تعلق الأمر باعتبارات الوعي الذاتي أو بأنماط التشكل التاريخي والاجتماعي.
هل من المتاح تحرير العقل من سلطان نقاد الإمبراطورية من الداخل؟ وهل يمكن التخلص كلياً من أقنعة الكولونيالية الماكرة؟
ما عجز الفكرُ الغربي عن التفكير فيه ليس الوجودَ، ولا الآخرية otherness، بل المماثلة التي هي المعنى الحقيقي لوحدة الإنسانية أخلاقياً ومعيارياً.
الدراسات النقدية للكولونيالية تنطلق من رفض المركزية الغربية في سرديتها التاريخية وتشكُّلاتها المفهومية ونمط علاقاتها بالثقافات الأخرى.
إرادةَ الحقيقة في مسار الثقافة الغربية كانت أداةً للضبط والتحكم وأن العلوم الإنسانية لم تكن موجَّهة بالحياد الموضوعي، بل بغايات واستراتيجيات نفعية عملية.
بين إدوارد سعيد أن خطاب الهوية في الفكر الأوروبي لا ينفصل عن النزعة الإقصائية للثقافات الأخرى التي ليس لها بالضرورة موقع في الكونية الإنسانية التي هي براديغم الحداثة الغربية.
* * *
بعد أحداث غزة الأخيرة التي اصطف فيها بعض كبار مفكري الغرب وكتابه مع العدوان الإسرائيلي، تساءل صديقي الفيلسوف التونسي صالح مصباح:
هل من المتاح تحرير العقل من سلطان نقاد الإمبراطورية من الداخل؟ وهل يمكن التخلص كلياً من أقنعة الكولونيالية الماكرة؟
الصديق صالح مصباح من أوائل فلاسفة العرب اطلاعاً على الدراسات النقدية للكولونيالية، وقد خصص كثيراً من جهده لكتابات توني نغري ومايكل هاردت وجورجيو أغامبن.. وهي في عمومها تنطلق من رفض المركزية الغربية في سرديتها التاريخية وتشكُّلاتها المفهومية ونمط علاقاتها بالثقافات الأخرى. لقد بدأ هذا التوجه في الفلسفة الغربية المعاصرة مع ميشال فوكو وريتشارد رورتي.
أولهما فرنسي تمحورت دراساتُه حول العلاقة المركبة بين المعرفة والسلطة في الخطابات المعرفية وأنظمة العقاب والرغبة، مبيِّناً أن إرادةَ الحقيقة في مسار الثقافة الغربية كانت أداةً للضبط والتحكم وأن العلوم الإنسانية لم تكن موجَّهة بالحياد الموضوعي، بل بغايات واستراتيجيات نفعية عملية.
وثانيهما أميركي رفض بشدة التصور الموضوعي للوجود من منظور تداولي يكرس أولوية التضامن على الحقيقة الوجودية، بما يفسح المجال أمام أخلاقية مفتوحة للنقاش العمومي دون مرجعيات أنطولوجية ثابتة أو محددة.
ومع أن الفيلسوفين المذكورين لم يخرجا من مدونة الفكر الغربي، إلا أن أعمالهما وُظِّفت على نطاق واسع في الدراسات النقدية لما سماه الكاتب المصري سمير أمين «الكولونيالية الإبستمية»، وهو يعني بالعبارة الخلفيةَ الاستعمارية للمقولات والنظريات الفلسفية والعلمية التي تتناول الإنسان غير الغربي.
ولعل أهم ممارسة نظرية جدية للنقد الكولونيالي برزت في البداية في كتابي المفكر الفلسطيني الأميركي إدوارد سعيد «الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية».
لم يكن قصد سعيد كما يستشف من كتابه الأول نقد الدراسات الاستشراقية التي تعرضت للإسلام الوسيط والثقافة العربية الكلاسيكية، وإنما كان غرضه أن يبين كيف أن خطاب الهوية في الفكر الأوروبي لا يمكن أن ينفصل عن النزعة الإقصائية للثقافات الأخرى التي ليس لها بالضرورة موقع من منظور الكونية الإنسانية التي هي برادايم الحداثة الغربية.
لم يكن إدوارد سعيد فيلسوفاً، وإنما كان ناقداً وأديباً وناشطاً سياسياً ومدنياً فاعلاً، إلا أنه دشَّن مسلكاً منهجياً هاماً في الفكر الفلسفي والدراسات الإنسانية عرف بـ«ما بعد الكولونيالية» و«دراسات التابع» (subaltern studies).
وقد انتشر هذا المسلك لدى مفكرين بارزين من آسيا وأفريقيا وداخل الجامعات الأميركية. الإشكال الذي ظل مطروحاً بالنسبة لهؤلاء الباحثين هو إلى أي حد تمكن الاستعانة بمناهج وأدوات المفكرين الغربيين الذين نقدوا سردية الكونية الأوروبية في البحث عن ما سماه المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري، تبعاً لأنطونيو غرامشي، «الاستقلال الحضاري للذات»، أي بناء قاعدة صلبة للهوية المختلفة عن المركزية الغربية وسلطتها المطلقة؟
لقد بدا للبعض من مفكرينا أن الحل هو اعتماد فلسفات المغايرة والاختلاف بديلاً عن فلسفات الوعي والذات، لتأكيد حقوقنا في التميز والانفصال، بيد أن هذا الطريق قاد إلى أفق مسدود، بعد أن ظهر جلياً للعيان أن برادايم الاختلاف هو آخر قلاع المركزية الغربية وأصعبها على الاختراق والتجاوز.
لقد تساءل مرة الفيلسوف السوري غانم هنا: ألا يوجد بديل للفكر العربي خارج لاهوت الظهور والتجسد من جهة ولاهوت الشتات والاختلاف من جهة أخرى؟
لا محيد عن الإقرار بأن الذين راهنوا من بيننا على فلسفة الاختلاف والمغايرة بحثوا عن قاعدة نظرية صلبة لحقوق التميز الثقافي والحوار الحضاري المتكافئ، لكنهم لم يقيموا شأناً لما سماه كانط «سياسات الحقيقة» التي تحيل إلى رهانات قوة وهيمنة خارج الإطار المعرفي نفسه. وعلى العموم لا خطر على المركزية الغربية من تجاور لا أثر له على توازنات القوة، ومِن حقوقٍ شكلية مجردةٍ لا تأثيرَ لها في الواقع العملي.
وكما يقول الفيلسوف الكاميروني آشيل بمبة، فإن التحدي المطروح راهناً ليس الدفاع عن الاختلاف الذي هو في نهاية المطاف ضربٌ من الانكفاء والانعزال، بل الدفاع عن الكونية المشتركة المتكافئة التي تجمع بين متشابهين في الإنسانية.
ما عجز الفكرُ الغربي عن التفكير فيه ليس الوجودَ كما يقول هايدغر، ولا الآخرية كما يقول لفيناس، بل المماثلة التي هي المعنى الحقيقي لوحدة الإنسانية أخلاقياً ومعيارياً، بما يعني ضرورة التخلص من الصورة الأحادية للإنسان، سواء تعلق الأمر باعتبارات الوعي الذاتي أو بأنماط التشكل التاريخي والاجتماعي.
*د. السيد ولد أباه كاتب وأكاديمي موريتاني
المصدر | الاتحادالمصدر: الخليج الجديد
كلمات دلالية: الغرب المركزية غزة العدوان الإسرائيلي الدراسات النقدية المركزية الغربية الفكر الأوروبي المرکزیة الغربیة التی هی من جهة
إقرأ أيضاً:
زيادة ملحوظة في أعداد السيارات بالعراق تزيد التلوث ولا تتناسب مع السعة المرورية
2 أبريل، 2025
بغداد/المسلة: أفادت تقارير بأن أعداد السيارات في العراق شهدت نمواً ملحوظاً خلال السنوات الماضية مع تزايد ملحوظ في حركة المرور في المدن الكبرى خاصةً بغداد والبصرة.
وتمخضت البيانات الرسمية عن تسجيل ما يقارب مليوني مركبة على مستوى الدولة مع تسجيل معدل نمو سنوي يتراوح بين خمسة إلى سبعة بالمئة وفق تقديرات وزارة النقل المحلية.
وأفاد محللون اقتصاديون بأن هذا النمو يعكس زيادة الطلب على التنقل الشخصي في ظل ضعف شبكة المواصلات العامة فيما أعلنت وزارة التجارة عن قرب إصدار آلية تنظيم استيراد السيارات بناءً على ورقة العمل المقدمة إلى المجلس الوزاري للاقتصاد وتمخضت الإجراءات عن إعداد نموذج جديد يستند إلى بيانات حديثة وأبحاث ميدانية دقيقة تستهدف تحقيق توازن فعّال بين العرض والطلب في السوق المحلي
وأفادت الوزارة في بيان رسمي أنها استندت في إعداد الورقة إلى مجموعة من الدراسات التي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في نسب الاستيراد تجاوزت ثلاثين بالمئة خلال الأشهر الماضية واستخلصت من ذلك ضرورة التدخل التنظيمي لتفادي تأثيرات ارتفاع الأسعار على المستهلكين وتمخضت هذه الدراسات عن توصيات تُعزز من كفاءة الإجراءات الجمركية والإدارية
وأبدت الجهات المعنية في المجلس الوزاري للاقتصاد تأييدها للورقة ووجهت إلى مجلس الوزراء إحالة الآلية للنظر فيها وتطبيقها فور صدور التعليمات الحكومية المرتقبة مما أوجد أجواء من التفاؤل داخل القطاع الاقتصادي وعبّرت بعض الجهات الاقتصادية عن أملها في أن تسهم هذه الخطوة في تخفيف الازدحام الجمركي وتسهيل عملية الاستيراد معززةً بذلك الاستقرار الاقتصادي الوطني
وأفصحت تحليلات اقتصادية مبنية على بيانات ميدانية حديثة أن تنظيم استيراد السيارات قد يؤدي إلى زيادة الإيرادات الجمركية بنسبة تصل إلى خمسة عشر بالمئة خلال السنة القادمة واستنبط محللون أن ذلك سينعكس إيجاباً على مؤشرات النمو الاقتصادي ويوفر فرص عمل جديدة ، كما أظهرت تحليلات أن الخطوة ستسهم في تقليل الارتفاع الحاد في أسعار السيارات المستوردة.
وأوضحت الدراسات أن التضخم في عدد السيارات نسبتاً لحجم الشوارع يشكل تحدياً كبيراً للسلطات المحلية إذ أشار خبراء النقل إلى أن الكثافة المرورية قد تجاوزت الحدود الآمنة في بعض المناطق الحيوية مما أدى إلى تزايد الحوادث المرورية والاختناقات التي تؤثر سلباً على الحياة اليومية للمواطنين كما تمخضت التجارب الميدانية عن ضرورة إعادة النظر في خطط توزيع الطرق وتوسعتها لتستوعب الزيادة المتسارعة في المركبات
وأوردت آراء خبراء أن تنفيذ هذه الآلية سيخلق بيئة تنافسية صحية بين الوكلاء المحليين ويمنح المستهلك فرصة للحصول على سيارات بأسعار أكثر عدالة مما ينعكس إيجاباً على ثقة المستثمرين وأصحاب السيارات في النظام التجاري والتصديري للدولة وتمخضت هذه الآراء عن نقاش واسع في المنتديات المتخصصة بمجال السيارات.
وأشار المتحدث باسم الوزارة محمد حنون في تصريح إلى أهمية هذا الإجراء في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمستهلكين وتسهيل الإجراءات الإدارية واستناداً إلى التجربة الأولية تبين أن الآلية ستعمل على تقليص الفجوة بين العرض والطلب في سوق السيارات المستوردة مما يدعم جهود الدولة لتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة
واختتمت الوزارة بيانها بالتأكيد على مواصلة متابعة تنفيذ الآلية فور صدور التعليمات الرسمية ودعت جميع الجهات ذات العلاقة إلى التعاون لضمان نجاح العملية واستغلال الفرص الاقتصادية المتاحة لصالح الوطن
وترى تحليلات ان الأزمة المرورية تتطلب تنسيقاً بين الجهات الحكومية والخاصة لتطوير بنية تحتية متكاملة تشمل تحديث أنظمة الإشارات المرورية وتوسيع الطرق الرئيسية بما يتماشى مع الأعداد المتزايدة للمركبات وأكدت الإدارة أن الإصلاحات المطلوبة ستساهم في تخفيف الازدحام المروري وتوفير بيئة نقل أكثر أماناً وفعالية للمواطنين
كما أفادت تحليلات اقتصادية مبنية على بيانات ميدانية أن ظاهرة التضخم في عدد السيارات لا تتعلق فقط بزيادة أعداد المركبات بل تمتد لتشمل تأثيرات اقتصادية واجتماعية واسعة فقد لاحظت بعض الدراسات ارتفاعاً في معدلات استهلاك الوقود وزيادة في نسبة الانبعاثات الضارة مما يتطلب تدخلات بيئية عاجلة .
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post AuthorSee author's posts