الجزيرة:
2025-04-05@04:18:04 GMT

عن فيروس الاستقطاب الذي ينخر مجتمعاتنا

تاريخ النشر: 12th, July 2023 GMT

عن فيروس الاستقطاب الذي ينخر مجتمعاتنا

من جملة مآسي العالم العربي التي عشناها، ولا نزال، منذ بدء الموجة المضادة للربيع العربي، هو انتقال حالة الانقسام والاستقطاب السياسي والأيديولوجي والمذهبي من السياسة إلى المجتمع، بحيث أصبح المجتمع ميدان الصراع، وليس السياسة من حيث التنافس والتدافع، وذلك في ما يشبه نوعا من الانتحار الذاتي تمر به مجتمعاتنا العربية.

فالانقسامات الأفقية والعمودية أصبحت طابعا أساسيا في معظم هذه المجتمعات، خاصة تلك التي مستها رياح التغيير ولو من بعيد خلال السنوات الماضية، فأثر سلبا على الروابط والوشائج العائلية والاجتماعية والإنسانية التي كانت جزءا أساسيا في تماسك هذه المجتمعات، وبدأ النسيج الاجتماعي في التآكل تدريجيا تحت وطأة السياسة وصراعاتها المريرة.

ما نخشاه هو أن يتحول هذا الخطاب التحريضي إلى واقع مادي ملموس فنشهد اغتيالات معنوية ومادية تنهار معها كل الثوابت، أو تلك التي كنا نظنها كذلك، فينتقل الخلاف السياسي الطبيعي، إلى صراع أهلي دامٍ يدفع ثمنه الجميع

حتى مع الدول القومية القديمة ذات الإرث المجتمعي المتماسك تاريخيا كما هي الحال في مصر، فإن جرثومة الانقسام والاستقطاب انتقلت من الفضاء السياسي إلى الفضاءين الاجتماعي والأهلي، بحيث بات المجتمع منقسما بموازاة كثير من الخطوط السياسية والأيديولوجية والطائفية.

لذا فما أن يقع حادث إرهابي سواء ضد مدنيين أو ضد مؤسسات الدولة، حتى تبدأ آلة التلاسن والتراشق والتخوين في العمل، بحيث ينسي الجميع الحادث نفسه وكيفية التعاطي معه حتى لا يتكرر، ويركز على تحقيق مكاسب سياسية منه. بل وصل الأمر إلى حد الانقسام حول مسألة الموت.

فما أن يُتوفى شخص معروف، سواء كان ممثلا أو مفكرا أو سياسيا، حتى تدور عجلة التشاحن والتلاسن والاتهامات بين المؤيدين والمعارضين، بحيث يصبون عليه إما الرحمات أو اللعنات، وكأنهم يقسمون رحمة الله وفق أهوائهم ومزاجهم، وكأن بأيديهم مفاتيح الجنة والنار يعطونها من يحبون، ويمنعونها عمن يكرهون.

خذ أيضا ما يحدث حاليا في السودان، وما جرى في ليبيا بعد القذافي، واليمن بعد انقلاب الحوثيين، وسوريا منذ بدء ثورتها عام 2011، والعراق بعد غزوه عام 2003، وقبل هذا كله ما حدث في الجزائر أوائل التسعينيات، ولا تزال آثاره باقية حتى يومنا هذا. فقد انتقل الصراع السياسي إلى حالة استقطاب وانقسام مجتمعي وأهلي وطائفي غير مسبوقة. وانتقل فيروس الانقسام إلى دول ومجتمعات كنا نظن أنها محصّنة ضده بحكم روابط التاريخ والدم والقبيلة التي تربطها وتشد وثاقها بها، وذلك مثلما حدث في أعقاب أزمة حصار قطر عام 2017 التي قسّمت عائلات وقبائل وأسرا وقطّعت أرحاما تربطها روابط الدم والأخوة والقبيلة والتاريخ، وذلك قبل أن تنقشع الأزمة ويبقى منها في النفوس ما يبقى.

أحتفظ بصداقات عديدة في معظم البلدان المذكورة آنفا، وأشعر بالمرارة وخيبة الأمل حين أجد كثيرا منهم يقع في فخ هذا الاستقطاب فيتمادى فيه متجاوزا السياسة إلى العلاقات الاجتماعية والإنسانية التي تربط أصدقاءه وأقاربه وعوائلهم، فيتحول الخلاف السياسي إلي صراع هوياتي واجتماعي يستند إلى لعبة صفرية "إما نحن أو هم". وأسمع قصصا كثيرة عن أصدقاء وأقارب تقطّعت أواصر علاقاتهم بسبب السياسة وخلافاتها وصراعاتها.

الأنكي أن الآلة الإعلامية لهذا الطرف أو ذاك لا تتوقف عن تغذية الانقسامات والاستقطابات عبر حملات التعبئة والحشد لهذا الطرف أو ذاك، متغافلة، أو هكذا يبدو، عن الآثار المدمرة لتسييس العلاقات الاجتماعية وآثار ذلك الفادحة على المديين المتوسط والطويل. ويبدو خطاب الكراهية والتحريض كما لو كان هو الورقة الرائجة التي تُكِسب هذه الآلة مزيدا من الجمهور.

الصراع السياسي انتقل إلى حالة استقطاب وانقسام مجتمعي وأهلي وطائفي غير مسبوقة (شترستوك)

ما نخشاه هو أن يتحول هذا الخطاب التحريضي إلى واقع مادي ملموس، فنشهد اغتيالات معنوية ومادية تنهار معها كل الثوابت، أو تلك التي كنا نظنها كذلك، فينتقل الخلاف السياسي الطبيعي، إلى صراع أهلي دامٍ يدفع ثمنه الجميع. رأينا ذلك في حالات كثيرة خلال السنوات القليلة الماضية التي تحولت فيها الخلافات السياسية إلى حالة تدمير لمجتمعات كاملة سقطت ولم تقم لها قائمة حتى الآن، وذلك نتيجة عدم وجود اتفاق ليس فقط حول قواعد اللعبة التي أصبحت لعبة صفرية كما أشرنا، وإنما حول تجنيب المجتمع وفئاته وتحييدها عن هذه الخلافات.

إذا كانت الأنظمة السلطوية هي المستفيد الرئيسي من هذه الانقسامات، وذلك على طريقة "فرق…تسد"، فإن بعض النخب العربية، بمختلف تلويناتها الفكرية والأيديولوجية والسياسية، أعطت غطاء شرعيا لهذه الانقسامات من خلال انحيازها لهذه الأنظمة، ووقوعها في فخ التوظيف السياسي والأيديولوجي لها رغبا أو رهبا. ولا تخجل هذه النخب أو قادة الرأي من التمادي في استخدام أوراق الانقسام المختلفة من أجل التعبئة والحشد باتجاه معين. ولا يدرك هؤلاء أن التعبئة على أساس قبلي أو هوياتي أو أيديولوجي في ظل حالة الانسداد والقمع السياسي تمثل الخلطة السحرية للانتحار الذاتي للمجتمعات.

كان لي صديق عزيز منذ أيام الطفولة، نأكل معا، ونلعب معا، ونذاكر معا، ونذهب للمدرسة معا، ونفرح معا، ونحزن معا. وظلت علاقاتنا على هذه الحال حتى بعد التخرج من الجامعة والحصول على الماجستير والدكتوراه، هو في مجال الطاقة النووية، وأنا في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية. ولكن بعد ما حدث في مصر خلال صيف 2013 ورفضي لما وقع من جرائم ومظالم، ومجاهرتي بذلك علنا، حتى توقف عن التواصل معي أو السؤال عن أحوالي، سواء تليفونيا أو في الفضاء الإلكتروني، وسواء كان ذلك في الأفراح أو الأتراح حتى ظننت أن سوءا قد مسّه.

بعد فترة أخبرني صديق مشترك بأن صاحبنا يرى أن علاقتنا وصداقتنا بمثابة تهديد له ولمستقبله المهني والوظيفي، خاصة أنه مرشح لمنصب قيادي بمؤسسته التي يعمل بها، لذلك قرّر أن يقطع علاقته بي خوفا على نفسه ومستقبله. وأزعم أن ما جرى بيننا ليس استثناء، فهو قطعا حدث، ولا يزال، مع آخرين كثر سواء في مصر أو في غيرها، وذلك بعد أن تحول الخلاف السياسي إلى استقطاب وانقسام مجتمعي، كما لو كان فيروسا يضرب مجتمعاتنا ويّدمر علاقاتنا الإنسانية، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

aj-logo

aj-logo

aj-logoمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معناأعلن معناوظائف شاغرةترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinerssجميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر: الجزيرة

إقرأ أيضاً:

لوبان والحكم بالإعدام السياسي

شكّل الحكم القضائي الذي صدر بحق زعيمة حزب «التجمع الوطني» الفرنسي المتطرف مارين لوبان، بمنعها من الترشح للانتخابات لمدة خمس سنوات، ما يعيق ترشحها للانتخابات الرئاسية عام 2027، وسجنها أربع سنوات، منها اثنتان تحت المراقبة بسوار حديدي، بتهمة اختلاس أموال عامة، ضربة قاصمة لها ولحزبها، كما شكّل صدمة لليمين الشعبوي الأوروبي.

الإدانة شملت أيضاً ثمانية من النواب الأوروبيين المنتمين لحزبها، بتهمة اختلاس ملايين اليوروهات من الأموال العامة خلال 11 عاماً في قضية تتعلق باستغلال المساعدين البرلمانيين الأوروبيين للعمل لصالح حزبها بين العامين 2004 و2016 حين كانت عضواً في البرلمان الأوروبي، وذلك من خلال «عقود صورية» معهم.

كان رد فعل لوبان الأوّلي على قرار إدانتها أن وصفت الحكم بأنه «سياسي.. وانتهاك لسيادة القانون»، ويهدف إلى منعها من خوض الانتخابات الرئاسية عام 2027، فيما أعلن «حزب التجمع الوطني»، أن الحكم يعتبر «مؤشراً على موت الديمقراطية»، وأن رئيسه جوردان بارديلا سيكون مرشحاً محتملاً للانتخابات الرئاسية، بدلاً من لوبان، وأعلن رودولف بوسيلوت محامي لوبان أنه سيستأنف الحكم.

وسارعت أحزاب اليمين الشعبوي الأوروبي إلى إعلان التضامن مع لوبان، فوصف ماتيو سالفيني رئيس «حزب الرابطة» الإيطالي، نائب رئيسة الوزراء، جورجيا ميلوني، الحكم بأنه «إعلان حرب»، وأعرب رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان عن تضامنه معها، وكتب في منشور باللغة الفرنسية على منصة (إكس)، «أنا مارين»، وأعرب الزعيم اليميني الشعبوي الهولندي خيرت فيلدرز عن صدمته إزاء «الحكم القاسي بشكل لا يصدق»، ولم يتأخر إيلون ماسك كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في القول إن «الحكم ستكون له عواقب وخيمة»، وإن إدانتها نتيجة «استغلال غير منصف للنظام القضائي».

في مطلق الأحوال فإن إدانة لوبان قد تشكل مقدمة لنهاية كارثية لمسيرتها السياسية التي حاولت من خلالها تغيير وجه فرنسا، وأخذها بعيداً عن القيم الديمقراطية التي التزمت بها من خلال سعيها الدؤوب، ومحاولة وضع حزبها في مقدمة الأحزاب على الساحة السياسية الفرنسية، والتطلع المستمر للوصول إلى قصر الإليزيه، بعدما حاولت خلال السنوات القليلة الماضية التي خلفت فيها والدها في زعامة الحزب، إزالة ما علق بصورتها من تشوهات عنصرية وعداء للاتحاد الأوروبي واليورو، لكن لوبان مثلها مثل ترامب تدعي أنها تمثل الشعب ضد النخبة، والأمة ضد العولمة، كما أن شعارها «دعم الفرنسيين لبلادهم» يلتقي مع شعار ترامب «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى».

الصحف الفرنسية من جانبها كان رد فعلها مع وضد، فصحيفة ليبيراسيون عنونت صفحتها الأولى: «مذنبة»، وأشارت إلى أن مارين لوبان تشن حملة ضد القضاء الفرنسي بعد إدانتها، أما صحيفة «لاكروا» فأشارت في افتتاحيتها إلى أن «الجميع سواسية أمام القانون بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية أو السياسية، وإدانة لوبان «لا تمنع الحزب من تقديم مرشح للرئاسة»، ووصفت صحيفة«لوبينيون» الحكم ب«الزلزال السياسي»، واعتبرت صحيفة«ليزيكو»أن الحكم القضائي «الصدمة التي ستعيد ترتيب الأوراق السياسية في الانتخابات الرئاسية».

أما صحيفة «لوفيغارو» فعنونت صفحتها الأولى:«زلزال ديمقراطي»، واعتبرت أن إدانة لوبان بعقوبة عدم الأهلية للترشح، تشكل سابقة قانونية، وتعكس تحولاً على الساحة السياسية.

الخيارات أمام لوبان محدودة، إما الطعن في الحكم من خلال الاستئناف، وإما التماس تعليق التنفيذ الفوري للحكم. 

مقالات مشابهة

  • وزارة الصحة: استراتيجية استباقية للوقاية من فيروس الورم الحليمي البشري
  • الصحة الإماراتية: استراتيجية استباقية للوقاية من فيروس الورم الحليمي البشري
  • «الصحة»: استراتيجية استباقية للوقاية من فيروس الورم الحليمي البشري
  • “كاسبرسكي” تحذّر من فيروس إلكتروني قد يهدد الكثير من هواتف أندرويد!
  • حميدتي كان الرجل الثاني في الدولة والأكثر تأثيرا في المشهد السياسي والاقتصادي والعسكري
  • هآرتس: قطر غيت قد تُنهي مستقبل نتنياهو السياسي
  • هل بدأ دور الإسلام السياسي يتلاشى في سوريا الجديدة؟
  • فيروس خطير يسرق أكثر من 270 ألف دولار من هواتف أندرويد
  • خطة عسكرية لليمن… متى المشروع السياسي؟
  • لوبان والحكم بالإعدام السياسي