لجريدة عمان:
2025-04-03@11:46:53 GMT

ضرر كيسنجر على الداخل الأمريكي

تاريخ النشر: 2nd, December 2023 GMT

ترجمة: أحمد شافعي -

ثمة الكثير الذي يمكن قراءته منذ توفي يوم الأربعاء الماضي هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي السابق للرئيسين ريتشارد نيكسن وجيرالد فورد. لكن ظني أن أفضل ما كتب له من نعي واستعراض هو ما ركز على دوره الهائل في نشر الشقاء الإنساني في أرجاء الكوكب، باسم السياسة الواقعية وما اعتبره «المصالح الوطنية» الأمريكية.

ولنبدأ بإسهام كيسنجر الكامل ـ بوصفه مستشار الأمن الوطني للرئيس نيكسن ـ في قرار التفويض بالقصف السري الشامل لكمبوديا الذي أسقطت فيه الولايات المتحدة أكثر من خمسمئة ألف طن من المتفجرات على ذلك البلد بما أسفر عن مصرع ما يصل إلى مئة وخمسين ألفا من المدنيين. لقد لعب ذلك القصف ـ الذي زعزع كمبوديا ـ دورا في صعود بول بوت والخمير الحمر، الذين مضوا حتى قتلوا ما يقرب من مليوني شخص خلال فترة ولايته التي استمرت لأربع سنوات في السلطة.

كان كيسنجر أيضا مهندس الجهود الأمريكية لتقويض حكومة سلفادور أليندي الاشتراكية المنتخبة ديمقراطيًّا في تشيلي. في غداة انقلاب عام 1973 الذي أتى بالجنرال أوجستو بينوشيه ليرأس نظاما دكتاتوريا عسكريا، دفع كيسنجر الولايات المتحدة أيضا لدعم نظام حكم جديد عمل على قتل وتعذيب وسجن الآلاف من مواطني تشيلي.

ولقد قال كيسنجر لنوابه ـ بحسب ما يرد في محاضر الاجتماعات التي رفعت عنها السرية ـ في الأسابيع التالية للانقلاب «أعتقد أننا يجب أن نفهم سياستنا، وهي أن هذه الحكومة مهما أساءت التصرف هي خير لنا من أليندي». وبعد سنوات قلائل، في عام 1976، سيقول كيسنجر لبينوشيه «إن تقديري هو أنك ضحية للجماعات اليسارية في العالم وأن خطيئتك الكبرى عندها هي أنك أطحت بحكومة كانت ذات نزعة شيوعية».

استشرى عمل كيسنجر القذر حتى تجاوز جنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية. فقد دعم ـ إلى جانب نيكسن ـ الجهود الوحشية التي بذلتها حكومة باكستان الغربية السابقة لقمع القوميين البنغال في باكستان الشرقية السابقة التي تعرف اليوم ببنجلاديش. وقد قدَّرت دراسة حديثة عدد القتلى في هذا الصراع بنحو 269 ألف شخص، فضلا عن دفع ملايين اللاجئين إلى الهند المجاورة. كما أعطى كيسنجر الضوء الأخضر لغزو الدكتاتور الإندونيسي سوهارتو لتيمور الشرقية سنة 1975 مشعلا شرارة صراع سوف يسفر في ما بين 1976 و1980 عن مقتل ما لا يقل عن مئة ألف من السكان البالغ عددهم قرابة ستمئة وخمسين ألفا.

وما تلك إلا عينة من أنشطة كيسنجر التي سوف تستمر في العقود التالية لخروجه من الحكومة إذ عمل مستشارا خاصا ومرشدا ـ من نوع ما ـ لفئة كبيرة متنوعة من الساسة وقادة الأعمال. ويشير المؤرخ جريج جراندين في النعي الذي نشرته مجلة ذي نيشن إلى أنه «ما من مستشار سابق للأمن للوطني أو وزير للخارجية قد حظي بمثل ما حظي به كيسنجر من نفوذ بعد تركه السلطة». وهذا النفوذ هو الذي يفسر السبب في أن كيسنجر قد «مات نجما» وعضوا مرموقا ومحترما في المؤسسة الأمريكية ـ حسبما كتب سبنسر أكرمان في رولنج ستون.

تأتي وفاة كيسنجر في وقت يتصاعد فيه القلق على مستقبل الديمقراطية الأمريكية. فثمة تخوف كبير من قيام دونالد ترامب ـ في حال حصوله على ولاية ثانية في البيت الأبيض ـ بتفكيك نظام حكمنا الذاتي الدستوري لصالح نوع من الأوتقراطية. فيجدر بنا إذن أن نفكر لا في تأثير كيسنجر فقط على السياسة الخارجية الأمريكية وإنما في تأثيره أيضا على الديمقراطية الأمريكية. ويمكنكم إيجاز ذلك في الازدراء الذي عبر عنه للديمقراطية التشيلية حينما قال إنه ما من سبب لدى الولايات المتحدة «للاكتفاء بالمشاهدة بينما تتجه تشيلي إلى الشيوعية من جراء محض انعدام المسؤولية لدى شعبها».

لم يظهر كيسنجر ـ شأن راعيه نيكسن ـ غير الازدراء للمحاسبة أو الرأي العام أو سيادة القانون. فقد كتب المؤرخ جاري جيه باس لمجلة ذي أطلنطيك يقول إن كيسنجر تجاهل حظر الكونجرس الصريح المفروض على إرسال أسلحة إلى باكستان.

وأعرض عن تحذيرات مساعدين في البيت الأبيض ومحامين في وزارة الخارجية والبنتاجون من عدم شرعية نقل الأسلحة إلى باكستان. وفي عام 1971 وجَّه نيكسن ـ في حضور النائب العام جون ميتشل ـ سؤالا إلى كيسنجر فقال: «هل الأمر بالفعل خارج كثيرا على القانون؟» فاعترف كيسنجر بأنه كذلك. ودونما مبالاة بوضع إطار قانوني للسلطة التنفيذية، مضى نيكسن وكيسنجر قدما وفعلا ما أرادا على أي حال. وقال نيكسن «إلى الجحيم بكل هذا، لقد فعلنا ما هو أسوأ».

وسوف نشهد خيانة كيسنجر وازدواجيته الجامحتين ـ وإيمانه الواضح بعدم أحقية الشعب في معرفة سلوك حكومته في الخارج ـ إذ يتردد صداهما في السياسة الأمريكية على المدار العقود التالية لخروجه من البيت الأبيض. فمن الصعب أن ننظر إلى أفعال بيت ريجان الأبيض في قضية إيران كونترا، على سبيل المثال، دون أن نرى المساعي كيسنجرية الطابع للتحايل على الشعب وممثليه بهدف ممارسة السلطة دونما محاسبة ديمقراطية.

ومثل ذلك يسري على برنامج التعذيب غير الشرعي الذي انتهجه الرئيس جورج بوش الابن. فالروح الكيسنجرية ـ في واقع الأمر ـ هي الاعتقاد بأن للرئيس أن يفعل ما يشاء، في أي مكان من العالم، دونما تداول ديمقراطي أو محاسبة شعبية. وهذه رؤية تعامل الديمقراطية إما بوصفها واجهة أو بوصفها ـ وهذا هو الحال في أكثر الأحيان ـ مصدر إزعاج يجدر اجتنابه كلما أمكن ذلك.

ولم يكن كيسنجر يبالي قط بالطموحات الديمقراطية لأغلب شعوب هذا الكوكب، والأمريكيون منهم لا أكثر ولا أقل.

كاتب المقال مراسل سياسي سابق لمجلة سليت، وكاتب رأي في نيويورك تايمز منذ 2019

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

متمرد جديد بالكونغو الديمقراطية وخلافات تعرقل تشكيل حكومة موسعة

تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية تطورات متسارعة تنذر بمزيد من التوتر وعدم الاستقرار بعد إعلان المدان سابقًا بجرائم حرب توماس لوبانغا عن تشكيل حركة متمردة جديدة في إقليم إيتوري بشرقي البلاد.

وفي الوقت ذاته، تعيش الساحة السياسية على وقع انقسامات حادة بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية، مما يعقّد جهود الدولة للخروج من دوامة الأزمات الأمنية والسياسية المتلاحقة.

عودة لوبانغا

في خطوة مفاجئة أثارت موجة من القلق داخليًا وخارجيا، أعلن توماس لوبانغا -أول شخص أدانته المحكمة الجنائية الدولية عام 2012 بتهم تجنيد الأطفال للقتال في صفوف مليشياته- عن تأسيس "الجبهة الشعبية"، وهي حركة مسلحة جديدة تنشط حاليا في إقليم إيتوري شرقي البلاد، حيث لا يزال الصراع الإثني والطائفي محتدمًا منذ سنوات.

وصرّح لوبانغا في تسجيل مصوّر بأن حركته تهدف إلى "الدفاع عن حقوق شعب إيتوري الذي يعاني التهميش، وحماية المجتمعات المحلية من الإهمال والعنف المنظّم".

واتهم الحكومة بعدم الوفاء بوعودها المتعلقة بالأمن والتنمية في المنطقة. وأضاف "نحن لا نحمل السلاح من أجل القتال، بل من أجل الدفاع".

وقد أثار هذا الإعلان استياءً واسعا في الأوساط الحقوقية والدولية، إذ يرى كثيرون أن الإفراج المبكر عن لوبانغا، دون آليات واضحة لإعادة تأهيله أو مراقبته، يشكّل خطرًا جديا على استقرار البلاد.

أعلن توماس لوبانغا، الذي أدانته المحكمة الجنائية الدولية عام 2012 بتهم تجنيد الأطفال، عن تأسيس حركة متمردة جديدة (رويترز) أزمة تشكيل الحكومة

بالتوازي، تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية أزمة سياسية متفاقمة إثر فشل الجهود الرئاسية في تشكيل حكومة وحدة وطنية، بهدف استيعاب المعارضة وضمان تمثيل أوسع بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة.

إعلان

ووفق تقارير صحفية، تنقسم الكتلة الرئاسية نفسها بشأن تشكيل حكومة جامعة؛ إذ ترى بعض الأطراف أن إشراك المعارضة غير ضروري، لا سيما بعد فوز الرئيس فيليكس تشيسيكيدي بولاية جديدة، في حين يعتبر آخرون أن تجاهل المعارضة في هذه المرحلة الحرجة قد يقوّض شرعية الحكومة ويُضعف قدرتها على التصدي للتحديات الأمنية والاقتصادية.

أما المعارضة، فقد عبّرت عن رفضها القاطع لأي صيغة مفروضة من جانب واحد، مشددة على أن "أي حوار حقيقي يجب أن ينطلق أولًا من مراجعة نتائج الانتخابات التي شابتها خروقات"، حسبما صرّح أحد قادة المعارضة لصحيفة "أفريكسوار" (Afriksoir).

يعاني شرق الكونغو الديمقراطية من انتشار الجماعات المسلحة المتمردة (رويترز) الشرق على شفا الانفجار

تعاني المناطق الشرقية، ولا سيما إقليمي إيتوري وكيفو، من تدهور أمني مستمر مع نشاط أكثر من 120 جماعة مسلحة، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

وتخشى منظمات حقوق الإنسان أن يسفر ظهور لوبانغا مجددًا عن إحياء موجات العنف الإثني، خاصةً أنه يحظى بدعم بعض المجموعات المحلية.

ويرى محللون أن ضعف الحكومة المركزية وتأخر تشكيل حكومة جديدة يفتحان الباب أمام عودة المزيد من المتمردين إلى الساحة، في ظل غياب خطة شاملة لنزع السلاح وإعادة الإدماج.

في ضوء هذه المعطيات المعقدة، تبدو جمهورية الكونغو الديمقراطية أمام مفترق طرق حاسم. فبين أزمة سياسية داخلية لم تُحسم بعد، وتطورات أمنية تنذر بالخطر في الشرق، يزداد الضغط على الرئيس تشيسيكيدي لاتخاذ خطوات حاسمة، سواء من خلال إطلاق حوار سياسي شامل أو بإعادة صياغة إستراتيجية الأمن والمصالحة الوطنية.

مقالات مشابهة

  • البيت الأبيض يكشف عن إجمالي الضربات الأمريكية التي تم تنفيذها على مواقع المليشيا الحوثية
  • صور| جانب من الدمار الذي لحق بمشروع ومبنى مؤسسة المياه في مديرية المنصورية جراء العدوان الأمريكي
  • «أطباء بلا حدود»: تصاعد العنف في شمال كيفو بالكونغو الديمقراطية يعيق تقديم الرعاية الطبية
  • استراتيجية إيران الجديدة في سورية: رهان على الميليشيات أم استغلال تناقضات الداخل؟
  • إسرائيل تلغي جميع الرسوم الجمركية على المنتجات الأمريكية قبيل يوم التحرير الذي أعلنه ترامب
  • البيت الأبيض: ضرباتنا على الحوثيين دفاعية لأنهم يهاجمون السفن الأمريكية
  • حصيلة طائرات MQ9 الأمريكية التي تمكنت الدفاعات الجوية اليمنية من اسقاطها
  • بعد قليل.. مشاهد لحطام الطائرة الأمريكية MQ-9 التي تم اسقاطها في أجواء محافظة مأرب
  • متمرد جديد بالكونغو الديمقراطية وخلافات تعرقل تشكيل حكومة موسعة
  • اعترافات إسرائيلية تؤكد تعرض 94% من فلسطينيي الداخل للعنصرية