أكدت ندوة فكرية أقيمت مطلع الأسبوع الجاري، أن معالجة ظاهرة العنف ضد المرأة يحتاج إلى منظومة متكاملة حقيقية، ويتطلب رؤية واضحة واستراتيجية محكمة، كما يتطلب تضافر كل الجهود والهيآت، منطلقها فضائل الخير ومكارم الأخلاق وباعث القوة الذاتية الإيمانية الإرادية، وإعادة الاعتبار لدور الأسرة وتوعية الشباب وتعزيز الحماية، والتنبيه على دور المسجد في تربية الجيل الجديد.



جاء ذلك في ندوة علمية نظمتها لجنة الأسرة وقضايا المرأة التابعة للمركز الدولي للقيم الإنسانية والتعاون الحضاري تحت عنوان "العنف ضد المرأة بين الرفض الأخلاقي والتجريم القانوني" عن بعد، بمشاركة ناديا صيام من فلسطين، رئيسة الائتلاف المغاربي لنصرة القدس سابقا؛ وجميلة الشملالي من تونس، حقوقية وفاعلة جمعوية، ولطيفة لعرجوم من الجزائر، باحثة دكتوراه وخبيرة في القضايا الأسرية والتربوية والدكتورة منية الطراز من المغرب، باحثة في قضايا المرأة والأسرة في الإسلام.

افتتحت اللقاء مديرة الندوة الدكتورة أنيسة الكركاري بكلمة ترحيبية بالمشاركات، ثم عرضت لسياق الندوة، الذي هو اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، مستحضرة ما تعانيه المرأة الفلسطينية، في ظل تجاهل المنتظم الدولي، وطرحت مجموعة من الأسئلة، ستروم الضيفات الإجابة عنها خلال مداخلاتهن.

أحيلت الكلمة بعد ذلك على الدكتورة منية الطراز التي عنونت مداخلتها بـ "نظرات شرعية مستأنفة في قضايا العنف ضد النساء"، لتؤكد على أن العنف بكل أشكاله وأوصافه منبوذ وفق كل القوانين والتشريعات، وهو منبوذ بمقتضى الفطرة ومقتضى العقل والذوق والدين، وهو أوكد وأوجب في النبذ والرفض حين يتعلق بقضية المرأة باعتبار ما يعتريها من ضُعف البنية وحساسية النفسية مقارنة مع الرجل. ثم قدمت شواهد قرآنية في نبذ العنف ضد المرأة على أربع مستويات وهي: المستوى المادي، المستوى اللفظي، المستوى النفسي والعنف الجنسي.

مررت مديرة الندوة فيما بعد الكلمة إلى لطيفة لعرجوم والتي كان موضوع مداخلتها "مقاربة ظاهرة العنف من طرف القانون الدولي والاتفاقيات الدولية"، حيث عرجت على مختلف مظاهر الفهم الخاطئ للإسلام، الّذي أفرزه الموروث الفكريّ، ودعّمه التّراث ببعض كتبه ودواوينه، وبعض العادات والتّقاليد الّتي تحمل في فلسفتها أفكارا خاصّة عن المرأة، وإفرازات الواقع الاجتماعيّ وما تعارف عليه النّاس، واعتبر من الدّين، والذي يعدّ من أهمّ الأطر الّتي تبرّر العنف ضدّ المرأة، ومعاملتها بدونيّة ووضعها في الدّرجة الثّانية من السّلم الإنسانيّ. وأقرت أنّ نظرة القرآن للمرأة تكون هي المرجع الأساسيّ في فهم النّصوص وتفسيرها.

كما أضافت أن العزلة الاجتماعيّة والثّقافيّة الّتي ضربت على المرأة، بسبب تراكم التّقاليد المنافيّة لجوهر الإسلام، مكّن الحاقدين، من تحقيق قدر من النّجاح في اختراق الأمّة الإسلاميّة، من خلال ثغر خطير من ثغورها وهو المرأة، وقد أفرز هذا الوضع، أسلوبا جديدا في طرح قضيّة المرأة، من خلال المؤتمرات والاتّفاقيّات الدولية، الّتي شكّلت منعرجا خطيرا في قضيّة المرأة ا، ونقلها من عنف تقليديّ بسبب تسلّط الذّكورة إلى عنف مصادم للفطرة.

تناولت جميلة الشملالي الموضوع من الجانب القانوني، تجربة تونس نموذجا، إذ قدمت دراسة للقانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 الذي يهدف إلى وضع التدابير الكفيلة بالقضاء على كل أشكال العنف ضد المرأة القائم على أساس التمييز بين الجنسين من أجل تحقيق المساواة و احترام الكرامة الإنسانية. والذي حاول اتباع مقاربة شاملة تقوم على التصدي لمختلف أشكال العنف ضد المرأة بثلاث آليات: آلية الوقاية و آلية الحماية و آلية العقاب.

وأشارت الشملالي إلى ثغرات في النص القانوني والتي تؤكد أن تغيير الواقع يستدعي مقاربة شاملة في التشخيص و المعالجة للظواهر المجتمعية المرَضية. وظاهرة العنف ضد المرأة تتنزل ضمن هذه القاعدة. كما أكدت على أن المعالجة يجب أن تتجه إلى عمق الظاهرة و ذلك بوضع برامج تعليمية وتربوية و ثقافية و إعلامية تهدف إلى نبذ العنف و إزالة الوصم الاجتماعي لرافضات العنف بتكليف جهود التوعية للنساء بالتدابير والخدمات المتاحة لحمايتهن من العنف ( خاصة النساء الريفيات والأميات ) و توفير الإرشاد القانوني لضحايا العنف.

وختام المداخلات كان مع ناديا صيام، في ورقة تحت عنوان "العنف ضد النساء: نموذج المرأة الفلسطينية في ظل الاحتلال"، والتي سلطت فيها الضوء على معاناة المرأة الفلسطينية. فبالإضافة لما تعانيه أي امرأة من أنواع الاضطهاد المختلفة، تعاني المرأة الفلسطينية، من صور أخرى، من الاضطهاد والعنف، وكل حسب موقعها: الفلسطينيات في الشتات، المرأة الفلسطينية في الأراضي المحتلة سنة 1948، (مايسمونهم بعرب إسرائيل)، وهو أيضا يختلف عما تعانيه المرأة المقدسية، أو ما تتعرض له حرائرنا في سجون الاحتلال، ناهيك عما تمر به أخواتنا وأمهاتنا ونساؤنا الغزيات على أرض غزة العزة. فلكل واحدة منهن حكايات ومعاناة تختلف عن أختها، إلا أنهن يشتركن في قضية واحدة، ويحملن همها ومسؤوليتها؛ ألا وهي قضيتهن الأم، القضية الفلسطينية.

وصفت معاناة الأسيرات في سجون الاحتلال من قهر واضطهاد، وتعرضهن في السجن لأبشع أنواع التنكيل وعنف نفسي وسجدي يفوق التخيل، هذا فضلا عن القهر والإذلال. وعرجت عن آثار الهجرات المتكررة للاجئات وما يتبعها من ضرورة الاندماج في المجتمعات الجديدة دون الذوبان فيها، الى اعتبار المرأة في اراضي 48 اقل انسانية، ليكتمل المشهد بالصور والفيديوهات التي تصل من غزة، من عنف وحشي امام مرآى العالم حيث تهاوت كل الاعراف والقوانين الدولية.

وأقرت نادية صيام أن هذا ما هو سوى غيض من فيض، لما تلاقيه النساء الفلسطينيات من اضطهاد جسدي ونفسي في ظل الاحتلال.

فتحت مديرة الندوة بعد ذلك باب الإضافات وطرح الأسئلة والاستفسارات للتفاعل معها، وختمت الندوة بتوصيات جامعة قاصدة مفادها أن معالجة ظاهرة العنف يحتاج إلى منظومة متكاملة حقيقية، ويتطلب رؤية واضحة واستراتيجية محكمةـ، وتضافر كل الجهود والهيآت، منطلقها فضائل الخير ومكارم الأخلاق وباعث القوة الذاتية الإيمانية الإرادية، وإعادة الاعتبار لدور الأسرة وتوعية الشباب وتعزيز الحماية، التنبيه على دور المسجد في تربية الجيل القرآني.

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير تقارير ندوة العنف المغرب النساء المغرب نساء عنف ندوة تقارير تقارير تقارير تقارير تقارير تقارير سياسة سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المرأة الفلسطینیة العنف ضد المرأة ة المرأة

إقرأ أيضاً:

عقدة الدونية لدى الجنجويد

"كل الإحترام والتقدير لكل قبائل السودان حيث ليس هناك قبيلة أفضل من الأخرى ولا فرد أفضل من أي فرد، وبهذا أخص مليشيا الجنجويد فقط، وداعميها".

تتعدد العوامل النفسية والاجتماعية والسياسية التي تقف خلف هذه الحرب، لكن من أبرزها عقدة الدونية التي يعاني منها الجنجويد تجاه أهل الشمال. هذه العقدة ليست مجرد شعور عابر بالنقص، بل هي ديناميكية متجذرة تشكّل سلوكهم السياسي والعسكري، وتدفعهم إلى العنف كوسيلة لتعويض إحساسهم التاريخي بالتهميش.

الأصل النفسي لعقدة الدونية

من منظور علم النفس الاجتماعي، تنشأ عقدة الدونية (Inferiority Complex) عندما تتراكم مشاعر النقص عبر الأجيال نتيجة عوامل ثقافية أو اقتصادية أو سياسية. في حالة الجنجويد، فإن الإحساس المتوارث بالتهميش أمام أهل الشمال، الذين ظلوا تاريخياً مركز السلطة والنفوذ في السودان، خلق لديهم نزعة تعويضية قوامها العنف والقوة المفرطة، بدلاً من تحقيق التفوق عبر تطوير الذات والاستفادة من الموارد البشرية والطبيعية المتاحة لهم.

الجذور التاريخية للتهميش

لا يمكن فهم عقدة الدونية هذه بمعزل عن التمييز التاريخي في السودان. فمنذ الحقبة التركية-المصرية ثم الاستعمار البريطاني، تمتع الشمال السوداني بنفوذ أكبر في مؤسسات الدولة، نتيجة تفوقه في التعليم والإدارة والتنمية في كنف المستعمر، بينما بقيت مناطق مثل دارفور وكردفان على هامش الدولة بسبب سياسة المستعمر التي ركزت التنمية حول ضفاف النيل ولم تكن مهمومة بالأطراف.

هذا التفاوت ولّد شعوراً بالحرمان لدى بعض الجماعات العربية في دارفور، فوجدوا في الميليشيات المسلحة، وعلى رأسها الجنجويد، فرصة لتعويض هذا الحرمان عبر القوة والسلاح. وقد ساهم نظام البشير في تعميق هذه الأزمة، إذ صنع الجنجويد كأداة لمواجهة حركات الكفاح المسلح الدارفورية، مما رسّخ للجنجويد شعوراً بأنهم أصحاب دين مستحق على أهل الشمال، رغم أن حكومة البشير نفسها كانت تمثل قلة معزولة من أهل الشمال لم تكن تحظى بإجماعهم.

العنف كأداة تعويض نفسي

عندما اجتاح الجنجويد مناطق واسعة في السودان، لم يسعوا إلى طمأنة المواطنين أو تقديم مشروع سياسي يعزز شرعيتهم، بل تحولوا إلى أدوات قمع وحشية، يمارسون القتل والنهب والاغتصاب بلا رحمة. وبدلاً من توظيف القوة لتحقيق التنمية أو بناء مجتمع أكثر عدالة، استخدموها كأداة انتقام ونزع سلطة عبر العنف. والمفارقة أن شعورهم بالدونية لم يدفعهم إلى تجاوز تاريخ الجرائم التي ارتكبوها في دارفور، بل دفعهم إلى ارتكاب المزيد من المجازر، في محاولة يائسة لتعويض نقصهم عبر فرض الهيمنة المطلقة.

الحلقة المفرغة للعنف

من منظور التحليل النفسي التجريبي، فإن عقدة الدونية لا تتلاشى مع الزمن، بل تتعزز كلما استمر الصراع. فبدلاً من أن يؤدي القتل والنهب إلى تحقيق الإحساس بالتفوق، فإنه يعمّق العداء، ويكرّس فكرة أنهم العدو الذي يجب محاربته، مما يخلق حلقة مفرغة من العنف المتكرر. فكلما زادت قسوتهم، زادت مقاومتهم، وكلما فقدوا الشرعية، ازدادوا وحشية، حتى أصبحوا كياناً منبوذاً لا يمكن التعايش معه.

الحل السياسي: تفكيك المركزية لإنهاء الصراع

الحل الجذري للأزمة السودانية يقتضي تجاوز الحلول العسكرية، وإعادة التفكير جذرياً في المنظومة المركزية العقيمة التي كانت جذر كل الحروب. فبدلاً من اللجوء إلى القوة كخيار وحيد، تحتاج الدولة إلى حلول سياسية جريئة، مثل:
• إعادة هيكلة الحكم الفيدرالي ليكون كونفدرالياً في بعض الأقاليم
• منح الأقاليم ذات التعقيد التاريخي والاجتماعي، كدارفور، نوعاً من السيادة الكونفدرالية الذاتية، أو حتى الاستقلال التام

لكن الأزمة لا تتوقف عند صراع الجنجويد مع أهل الشمال، بل تمتد حتى داخل معسكر النضال الدارفوري نفسه، حيث عجزت عشرات الحركات المسلحة عن التوحد تحت هدف مشترك، مما جعل النزاع أكثر تعقيداً. وبينما تواصل السلطة المركزية تجاهل هذه التناقضات، يظل السودان عالقاً في دوامة نزاعات كان يمكن تفاديها لو وُجدت إرادة سياسية حقيقية، تعمل على تفتيت المشكلات الكبرى إلى مشكلات أصغر عبر إعادة توزيع السلطة كونفدرالياً لمنع النزاعات و وقف الحروب.

٤ أبريل ٢٠٢٥
sfmtaha@msn.com

   

مقالات مشابهة

  • آفاق جديدة لعلاج السرطان.. ندوة علمية بصيدلة عين شمس
  • مؤلفاته أصبحت مراجع علمية.. رحيل الفنان العراقي حميد صابر
  • «الصدق مع النفس».. ندوة تثقيفية متميزة بـ كلية علوم التغذية جامعة حلوان
  • غدا.. ندوة ومعرض فني يستعرضان عبقرية الحضارة المصرية في مكتبة القاهرة الكبرى
  • ندوة علمية بصيدلة عين شمس تكشف عن آفاق جديدة لعلاج السرطان الشخصي
  • خارجية الشيوخ: مصر ملتزمة بمسؤوليتها تجاه القضية الفلسطينية.. وثوابتها لم تتغير
  • عقدة الدونية لدى الجنجويد
  • القومي للمرأة يدق ناقوس الخطر: بعض من دراما رمضان يشوه صورة المرأة
  • بين الرفض والتهديد.. كيف رد العالم على رسوم ترامب الجمركية؟
  • 515 ورقة علمية ضمن «منصة أبحاث الفضاء»