الإبداع والتحولات المعرفية في جلسات مؤتمر الأدباء بالفيوم
تاريخ النشر: 1st, December 2023 GMT
أقيمت أولى جلسات مؤتمر أدباء إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي في دورته الثالثة والعشرين، والذي تنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة عمرو البسيوني، بمحافظة الفيوم تحت عنوان "الفعل الثقافي في زمن التحولات"، ويعقد برئاسة الشاعر محمد حسني إبراهيم، وأمانة الشاعر محمد شاكر.
بمكتبة الطفل والشباب بطامية جاءت الجلسة بعنوان "الإبداع والتحولات المعرفية والبيئية والتقنية" وشارك بها د.
في بحثه المعنون "السرد والعولمة الرقمية.. الرواية التفاعلية نموذجا"، تناول د. شريف الجيار ثلاثة محاور، فجاء المحور الأول بعنوان "العولمة" أوضح به أن العولمة تمثل تحولا حتميا، وتطورا حضاريا مفصليا فى التاريخ المعاصر، يجسد رؤية استراتيجية شمولية، تهدف إلى إعادة صياغة العالم، وفق معطيات الراهن الجديد، الذى تبلور فى النصف الثاني من القرن العشرين، وأثمر نتائجه عن هيمنة القطب الواحد وسيطرة نموذجه على الدول والمجتمعات الإنسانية.
وتناول "الجيار" في المحور الثاني بعنوان "الأدب التفاعلي والتلقي التكنولوجي" وأكد خلاله أن العولمة وتداعياتها التكنولوجية المعاصرة، استطاعت أن تطرح خطابا أدبيا هجينا، ونمطا إبداعيا مغامرا، يفيد من فنية الأدب، وعلمية الواقع الرقمي الجديد، عبر ممارسة جمالية تجريبية، ونسق نصي مغاير، يتجاوز المألوف والسائد، أمام لغة كتابية جديدة ومختلفة لم تعد الكلمات سوى جزء من كل فيها.
وفي المحور الثالث الذي حمل عنوان "الرواية التفاعلية هجنة التكوين وسلطة التلقي" أوضح "الجيار" أن الرواية التفاعلية تمثل نمطا سرديا تجريبيا هجينا، من أنماط الخطاب السردي التفاعلي الرقمي، يقوم على تضفير المكتوب السردي، بالسمعي والبصري، واللفظي بالتقني، داخل الوسيط الحاسوبي، عبر تقنية النص المترابط ومنظومة الروابط ذات اللون الأزرق، التى تدمج الكلمة السردية، بالوسائط المتعددة، حيث أفاد كل منهما من الآخر.
وفي البحث الثاني بعنوان "الأشكال الجمالية الوجيزة والتحولات المعرفية المعاصرة" أشار د. أيمن تعيلب أننا نعيش عصرا معرفيا جديدا، لا يعد امتدادا لما سبقه من عصور بل يعد ابتداء معرفيا جذريا، عصرا مركبا معقدا متداخلا انهدمت فيه الحدود بين المعارف والعلوم والتصورات والثقافات وصرنا نعيش آليات معرفية وفلسفية وجمالية جديدة على مستوى الوعي والإدراك والممارسة.
وتضمن البحث أربعة محاور، فجاء المحور الأول بعنوان "الأشكال الجمالية الوجيزة والوعي الجمالي المنظومي" مؤكدا خلاله أنه انتفت فكرة الأحادي والثنائية المنهجية سواء فى بنية العلوم التطبيقية التجريبية أو بنية النصوص أو بنية الأفكار النقدية التى تعالج النصوص، وحلت محلها فكرة التحليل التى تقوم على مفهوم التفكير الشبكي المنظومي البيني التعددي.
وتناول "تعيلب" في المحور الثاني "بلاغة الأشكال الجمالية الوجيزة" موضحا أن الأشكال الجمالية الوجيزة جنس أدبي جديد، نما فى أحضان الكثافة المعرفية والفلسفية والحضارية المعاصرة، وأن الشكل الوجيز المعاصر شكل أدبي مغاير وربما ينسف كل أشكال الإيجاز البلاغى الموروث نسفا.
وفي المحور الثالث "الأشكال الوجيزة أشكال تجريبية" أشار أن المبدع شخصية تتمتع بحساسية دينامية حادة تجاه ذاته وواقعه والعالم من حوله، شخصية قلقة متوترة حالمة لا تهدأ ولا يقر لها قرار حتى ترى العالم كما يجب أن يكون. وفي المحور الرابع "الأشكال الجمالية الوجيزة والخيالات البينية" أضاف أن الأشكال الجمالية الوجيزة المعاصرة ببنية تشكيلية غير مركزية وهى جماليات مفرطة تتمتع بسعة تشكيلية بينية هائلة تتجاوز جميع ثنائيات الأشكال الجمالية المتعارضة حدا ونوعا وجنسا في فكرنا الجمالي والنقدي.
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الفيوم الفيوم أخبار الفيوم ثقافة الفيوم مؤتمر الادباء فی المحور
إقرأ أيضاً:
التصوف في السودان: بين التاريخ والتحديات المعاصرة
دخل التصوف السودان مع موجات الإسلام الأولى عبر التجار والصوفية الوافدين من مصر وشمال إفريقيا في القرون الوسطى، ووجد بيئة خصبة في المجتمع السوداني المتعدد الثقافات. انتشر عبر الطرق الصوفية الكبرى مثل القادرية والشاذلية، وفي القرن الثامن عشر، ظهرت طرق محلية متأثرة بالبيئة السودانية، مثل السمانية التي أسسها محمد بن عبد الكريم السمان، والختمية التي أسسها محمد عثمان الميرغني، والتي ارتبطت لاحقًا بالسياسة عبر حزب "الاتحاد الديمقراطي".
التصوف وتشكيل الهوية السودانية
الدور التعليمي والاجتماعي
عملت الزوايا والخلاوي الصوفية كمراكز تعليمية وروحية، حيث حُفظ القرآن، ودُرِّس الفقه، وأُديرت النزاعات عبر "المحاكم الصوفية". كما قدمت دعمًا للفقراء من خلال نظام التبرعات.
المقاومة الثقافية
خلال الاستعمار التركي-المصري (1821–1885)، تحولت الطرق الصوفية إلى قوى اجتماعية فاعلة. قادت الثورة المهدية (1881–1898) بقيادة محمد أحمد المهدي، الذي استند إلى رؤى صوفية في دعوته للجهاد ضد المستعمر.
التعايش الديني
ساهم التصوف في دمج الإسلام بالثقافات المحلية، كما في جبال النوبة ودارفور، حيث تأثرت طقوس مثل "الزار" والاحتفالات المحلية ببطرق الاحتفال الاسلامي" بالعادات المحلية، ما عزز التفاعل بين المسلمين وغير المسلمين.
الرمزية والطقوس الصوفية
الحضرة
طقس جماعي يجمع الذكر بالإنشاد والحركات الدائرية، ويعكس تأثير الثقافة الإفريقية في الإيقاع والرقص.
السجادة الروحية
نظام لترسيخ الشرعية الروحية عبر سلسلة الإسناد المتصلة بالنبي محمد ﷺ.
الشعر الصوفي السوداني
تميّز بلهجة محلية، ومن أبرز رموزه البرعي، حمد النيل، الشيخ غريب، وحسب الرسول، حيث دمجوا الحكمة الشعبية بالروحانية.
التصوف والسياسة: من التحالف إلى الصراع
بعد الاستقلال (1956)، تحالف زعماء الطرق الصوفية (كالختمية مع حزب الأمة) مع النخب السياسية، لكن منذ سبعينيات القرن العشرين، واجه التصوف تحديات من التيارات السلفية التي انتقدت "البدع" مثل زيارة الأضرحة. في العصر الحديث، أصبح التصوف جزءًا من الهوية الوطنية، خاصةً بعد انفصال جنوب السودان (2011)، حيث استُخدم خطابًا للتماسك في شمال متعدد الأعراق.
التصوف اليوم بين التحديات والتكيف
تصاعد الخطاب السلفي
شهد السودان تناميًا للتيارات السلفية المدعومة خارجيًا، والتي هاجمت ممارسات صوفية كزيارة الأضرحة وطقوس "الحضرة"، مما أدى إلى تقليص دور الزوايا في الفضاء العام، خاصة بعد سقوط نظام البشير (2019).
تآكل دور الزوايا في التعليم الديني
كانت الخلاوي والزوايا حاضنات رئيسية للتعليم، لكن مع انتشار المدارس النظامية، تراجع دورها لصالح مناهج تعليمية تُفضِّل تفسيرات فقهية أكثر حرفية، مما أضعف التواصل بين الأجيال حول التراث الصوفي.
دور المرأة الصوفية
رغم أن النساء يشكّلن عمادًا في طقوس مثل "الحضرة" وزيارات الاضراحة إلا أن أدوارهن ظلت محصورة في الإطار الشعبي، دون وصولهن إلى القيادة الروحية، باستثناءات نادرة مثل الشيخة فاطمة أحمد في كردفان.
التحولات الاجتماعية السريعة
أدت العولمة والتحضر إلى تغيّر أنماط الحياة، خاصةً بين الشباب الذين أصبحوا أكثر ارتباطًا بالثقافات الرقمية، مما قلل من اهتمامهم بالطقوس الصوفية التقليدية.
التداخل مع السياسة والدولة
حاولت بعض الحكومات توظيف التصوف كأداة لاحتواء الغضب الشعبي خلال الاحتجاجات، أو نشر خطاب "السلام الاجتماعي"، مما أثار تساؤلات حول استقلاليته.
استجابة التصوف السوداني: محاولات التجديد
لم تستسلم الطرق الصوفية لهذه التحديات، بل سعت إلى التجديد عبر:
• دمج التكنولوجيا: بث طقوس "الحضرة" عبر الإنترنت، وإنشاء مجموعات تواصل للمريدين.
• إحياء الاحتفالات: تحويل موالد الأولياء إلى مهرجانات ثقافية لجذب الشباب.
• الحوار مع التيارات الأخرى: تنظيم مؤتمرات مع مثقفين وعلماء دين لإثبات أن التصوف جزء من الإسلام "المعتدل".
هل ينجح التصوف في تجديد نفسه؟
رغم الضغوط، يظل التصوف السوداني ذاكرة جمعية للشعب، ووعاءً لتاريخه وتنوعه. نجاحه في البقاء يعتمد على توظيف أدوات العصر دون التخلي عن جوهره الروحي، وانحيازه إلى هموم الناس اليومية، كفقراء يبحثون عن العدالة قبل أن يكونوا مريدين يبحثون عن النور.
zuhair.osman@aol.com