تنوعت العواصم المصرية على مر التاريخ، واختلف موقعها على خريطة الدولة مع اختلاف الحاكم المؤسس لهذه العاصمة أو تلك، فتجدها تارة في أقصى الجنوب، وأخرى في أقصى اليسار، وعواصم في قلب الدلتا، وغيرها قرب الجدود الشرقية، وعلى الرغم من هذا التنوع، والتعدد الكبير في هذه العواصم إلا أن كل منها تركت إرثًا ثقافيًا وحضاريًا كبيرًا منذ فجر التاريخ، وحتى العصور الإسلامية التي تنوعت عواصمها أيضًا واختلفت مسمياتها باختلاف الدولة الحاكمة.

"طيبة، أون، منف، العسكر، القطائع، الأسكندرية، القاهرة"، ليست مجرد أسماء مدن عابرة للذاكرة، ولكنها العواصم التي شهدت على فترات تاريخية شديدة الثراء من عمر الدولة الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، حيث كانت كل مدينة منها مركزا للحكم وإدارة شئون البلاد، وكانت أيضًا شاهدة على تطور مصر كدولة ذات حضارة عظيمة، وعريقة وقادرة على المُضي نحو المستقبل على مر العصور.

 

عواصم مصر تنوعت عبر تاريخها الطويل

"تنوعت عواصم مصر عبر تاريخها الطويل"، هكذا تحدث عالم الآثار الدكتور مصطفى الصغير مدير آثار الأقصر وطريق الكباش، قائلًا: منذ عصر ما قبل الأسرات حتى وقتنا الحالي تتعدد العواصم المصرية، ومن المعروف أنه في ما قبل الأسرات أي قبل توحيد قطري مصر الشمال والجنوب على يد الملك "نارمر" موحد القطرين سنة 3200 ق.م كانت مصر حينها تنقسم لمملكتين عظيمتين، إحداهما في الشمال والأخرى في الجنوب، وكانت عاصمة الجنوب مدينة "نخب" وهي الواقعة قرب مدينة إدفو الحالية بمحافظة أسوان أقصى جنوب مصر، وكان يُطلق عليها أيضا "هيراكينوبوليس"، أما عاصمة الشمال كانت "بوتو" وهي قرية "تل الفراعين" الحالية في محافظة كفر الشيخ. ومع بداية التوحيد من الأسرة الأولى حتى الأسرة الثامنة أي عصر الدولة القديمة، وكانت هناك العاصمة مدينة "منف" من "نفر أي" المشهورة باسم الأثر الجميل "إنب حج" أي الجدار الأبيض، وهي المعروفة حالياً باسم "ميت رهينة" وهذا الاسم يرجع للتسمية المصرية القديمة "تا ميت رهنت" أي طريق الكباش، وذلك نظراً لوجود طريق كباش أمام المعبد الرئيسي لمدينة منف. وفي عصر الانتقال الأول "الأسرة التاسعة والعاشرة" كانت العاصمة إهناسيا التي كانت تعرف باسم "نن سو"، ومن هنا جاء اسم إهناسيا، وفي الأسرة الحادية عشر كانت العاصمة طيبة حيث تم حينها توحيد القطرين مرة أخرى بعد عصر الانتقال الأول، وانفصال مصر إلى الشمال والجنوب مرة أخرى، وتم توحيد القطرين للمرة الثانية على يد الملك "منتوحتب الثاني"، وحينها تم اتخاذ طيبة عاصمة لمصر، وكلمة "طيبة" مُشتقة من الكلمة المصرية القديمة "تا إيبت" وتعني أرض الحرم، وفي عصر الأسرة 12 في الدولة الوسطي تم إنشاء عاصمة جديدة إسمها "إيسيت تاوي" وتعني القابضة على الأرضين، وكانت قُرب مدينة اللشت الحالية.

فترة حكم الهكسوس المعروف باسم عصر الانتقال الثاني كانت عاصمة مصر "خاسو خوت" وهي مدينة "سخا" أقصى شمال مصر في دلتا النيل، ومع بداية تأسيس الأسرة 18 عصر الدولة الحديثة، إلى الأسرة 20 تنقّلت العواصم ما بين طيبة مرة أخرى، وهي مدينة الأقصر أقصى جنوب مصر، ومدينة تل العمارنة في المنيا في وسط صعيد مصر، والتي عُرفت باسم "أخت آتون" وتعني أفق آتون، وفي عصر الرعامسة كانت العاصمة مدينة "برعمسيس" بالقرب من محافظة الشرقية، الواقعة شرق مصر بين محافظات الدلتا والقناة.

وفي الأسرة 21 كانت هناك عاصمتين لمصر، طيبة في الجنوب وتانيس في الشمال، وفي الأسرة 22 كانت عاصمة مصر مدينة "بر باست" أو "تل بسطة" وهي المدينة المعروفة حالياً في محافظة الشرقية، وفي الأسرة 24 و26 كانت عاصمة مصر هي "سايس" أو "ساو" وهي مدينة "صا الحجر" حالياً، واستمر ذلك إلى الأسرة 28، وفي الأسرة 25 كانت طيبة هي العاصمة من خلال حكم الملوك النوبيين بداية من الملك "طهارقا" وغيره من ملوك الأسرة 25.

في عصر الأسرة 30، آخر الأسرات المصرية الحاكمة في مصر القديمة، كانت العاصمة "سمنود"، وعند قدوم الإسكندر الأكبر إلي مصر أسس "الإسكندرية" التي أصبحت عاصمة مصر، وظلت العاصمة طوال العصر البطلمي والروماني إلى أن دخل العرب مصر بقيادة عمرو بن العاص، وأسس الفسطاط، وتلاها خلال العصور المختلفة مُدن "العسكر" و"القطائع"، ثم "القاهرة"، والتي بدأت كعاصمة لمصر في عصر الفاطميين وظلّت عاصمة مصر إلى الآن. 

 

تأسيس العواصم في العصر الإسلامي

قامت فكرة تأسيس المدن والعواصم في العصر الإسلامي على مجموعة من المعايير التي جعلت منها مدن متميزة النشأة وفريدة الطابع، وذلك في إطار رؤية تخطيطية للمدينة الإسلامية اهتمت بالجوانب الوظيفية والاجتماعية والسياسية لمجتمع المدينة الإسلامية مما يؤكد أصالة طابع تأسيس المدينة، وعمق الفكر الإسلامي ورؤيته السليمة في تخطيط المدن، وهو الفكر الذي تبلّور واتضح مع تقدّم العصر، مستفيدًا في ذلك بالتجربة. هكذا وصف الباحث في الآثار والتاريخ الإسلامي الدكتور عبد الحميد عبد السلام أبو عليو، طُرق تأسيس العواصم الإسلامية في العصر الإسلامي، قائلًا، الحكام المسلمين اهتموا بالعمارة والعمران وشاركوا في اختيار مواضع المدن، ومتابعة إنشائها، والتاريخ الإسلامي مليء بعديد من الأمثلة المؤكدة لذلك، وقد تَبنّى الحُكام المسلمين في إنشاء المدن والعواصم الجديدة قواعد كانت نقطة انطلاق حكمهم وترسيخ دعائمه. 

الفسطاط جنوب حصن بابليون

الفسطاط "21- 132هـ 642- 750م"، عاصمة مصر الإسلامية العربية الأولى، فبعد دخول العرب إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص اختار الموقع الاستراتيجي والحضاري القائم عند تفرّع النيل إلى الدلتا، وأسس مدينة الفسطاط في الموقع الفسيح إلى الشمال من حصن بابليون وهو موقع له أهميته من الناحية العسكرية والعمرانية، وقد ساعده على اختيار هذا المكان وجود بركة "الحبشة" جنوب حصن بابليون، وظلت الفسطاط تحتل مكان الصدارة في مصر رغم ظهور عواصم أخرى فيما بعد، وظلت الفسطاط العاصمة السياسية لمصر أثناء حكم الخلفاء الراشدين والأمويين، حتى شيد العباسيون قاعدة جديدة لحكمهم في مصر وهي مدينة "العسكر" التي أسسها صالح بن علي العباسي أول والٍ للعباسيين في مصر سنة "133 هـ - 750 م" شمال الفسطاط وانتهى من بنائها بعد عامين.

 

العسكر مدينة على شاطئ النيل

وبعد مائة عام تقريبا من إنشاء مدينة الفسطاط، وبعد سقوط الدولة الأموية ودخول العباسيون مصر، أنشأوا حاضرة جديدة لدولتهم هي مدينة العسكر لتكون العاصمة الثانية لمصر، بموقع على شاطئ النيل عُرف في صدر الإسلام "بالحمراء القصوى"، وكان نهر النيل عندئذ يجري بجانب المرتفع المشيد عليه جامع عمرو بن العاص ثم ابتعد عن مجراه بمرور الزمن، وكان الهدف من إنشاء مدينة العسكر هو انتقال السلطة من الخلفاء الأمويين في دمشق إلى العباسيين في بغداد، حيث أدى الصراع بينهم لإحراق جزء من مدينة الفسطاط، الأمر الذي دفع الوالي صالح بن علي لتأسيس دار الإمارة وثكن للجند بالمدينة الجديدة "العسكر"، وإلى مدينة العسكر قدم الأمير أحمد بن طولون من العراق ونزل بدار الإمارة فيها وظل يسكنها حتى انتهى من بناء قصره في حاضرته الجديدة "القطائع". 

 

القطائع بها أكبر مساجد العالم الإسلامي 

بعد أن تولى أحمد بن طولون حكم مصر سنة "870م" في العصر العباسي، سعى للاستقلال بمصر عن دولة الخلافة، فكوّن جيشًا كبيرًا ضاقت به مدينة العسكر عاصمة مصر آنذاك، فشيّد أحمد بن طولون مدينة القطائع لتكون العاصمة الثالثة لمصر، وبدأ ذلك في الجانب الشمالي لمدينة العسكر، وسُمّيت بذلك لاقتطاع كل فرقة من جنده قطعة للسكنى بها، وتضم كل قطعة منها جماعة من السكان تربط بينهم رابطة الجنس والعمل، ووضعت خطة المدينة لتكون قاعدة كبيرة تليق بحالة البلاد، واتصل البناء بعمارة الفسطاط، واقتطعت كل جماعة من الجند والأتباع منطقة خاصة سميت كل قطعة باسم من يسكنها، وكان من أهم ما شيد في مدينة القطائع الجامع الكبير الذي يتوسط القطائع، وما زال جامع أحمد بن طولون يُعد من أكبر مساجد العالم الإسلامي وأروعها، وعادت الفسطاط مرة أخرى "905 إلى 969م" عاصمة مصر، وظلّت كذلك حتى دخول الفاطميون مصر، وإنشاء العاصمة الرابعة مدينة "القاهرة".

 

القاهرة اتسعت ونمت بشكل ملحوظ

بدأ تاريخ مدينة القاهرة عام 969م، وتُعد رابع عواصم مصر منذ العصر الإسلامي، حينما أرسل المعز لدين الله قائد جُنده جوهر الصقلي لمصر، وبدأ جوهر في تأسيس مدينة القاهرة بأمر من الخليفة المعز لدين الله شمال الفسطاط، واتسعت المدينة ونمت بشكل ملحوظ، وعند قدوم المعز لمصر سنة "972م" أطلق عليها القاهرة المعزية، وانتقلت القاهرة من حياة العصور الوسطى الي الاتصال بالحضارة الأوربية من خلال الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م وكذا البعثات التعليمية، التي أسفرت عن ميلاد وبناء دولة عصرية حديثة بدءً من عام 1805م، حيث شهدت القاهرة مرحلة جديدة في عمارتها وأعيد تخطيطها من جديد لتواكب الحياة الحديثة، ومنذ ذلك الحين حتى الآن أصبحت القاهرة درّة مصر وآخر عواصمها.

 

متحف عواصم مصر

تخليدًا لهذه العواصم المصرية القديمة، أنشأت الدولة المصرية متحفًا للآثار في مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الإدارية الجديدة، تحت مُسمى "متحف عواصم مصر" ليكون سجلًا موثقًا لتاريخ العواصم المصرية، وذلك بداية من "منف" إلى "طيبة" مرورا بالإسكندرية خلال العصر اليوناني والروماني، وصولا إلي "الفسطاط" والقاهرة الفاطمية والقاهرة الخديوية.

المتحف الذي أنشيء على مساحة 8500 متر مربع، وُضِعَ سيناريو العرض له بشكل يعتمد على إبراز الهيكل الإداري للدولة المصرية، وذلك بدءً من العاصمة منف وصولًا للعاصمة الإدارية الجديدة، وهذا السيناريو يبرز العواصم المصرية القديمة على مر العصور وأسباب انتقال العاصمة من واحدة لأخرى، والتأكيد على أن تغيّر العاصمة متأصل منذ القدم، وهذا التغير لم يكن يعني بالضرورة إلغاء الدور السيادي للعاصمة السابقة. 

القاعة الرئيسية للمتحف تضم تمثالًا مهيبًا للملك رمسيس الثاني، والقاعة الرئيسية تعرض آثار 9 عواصم، على اليمين "منف وطيبة وتل العمارنة والإسكندرية"، وعلى اليسار "الفسطاط والقاهرة الفاطمية ومصر الحديثة والقاهرة الخديوية"، وخلف التمثال تقّبع قاعة العاصمة الإدارية، والتي تتضمن معروضات ومقتنيات مختلفة عن أنماط الحياة في كل حقبة تاريخية خاصة بكل عاصمة على حدة، مثل أدوات الزينة وأدوات الحرب والقتال ونظام الحكم والمكاتبات المختلفة وغيرها.

WhatsApp Image 2023-02-06 at 2.33.21 PM WhatsApp Image 2023-02-06 at 2.33.24 PM WhatsApp Image 2023-02-06 at 2.33.26 PM WhatsApp Image 2023-02-06 at 2.33.51 PM WhatsApp Image 2023-02-06 at 2.33.58 PM WhatsApp Image 2023-02-06 at 2.34.11 PM WhatsApp Image 2023-02-06 at 2.34.39 PM WhatsApp Image 2023-02-06 at 2.34.40 PM

المصدر: البوابة نيوز

كلمات دلالية: العواصم المصرية القاهرة الإسكندرية العسكر منف المصریة القدیمة العصر الإسلامی کانت العاصمة وفی الأسرة عاصمة مصر وهی مدینة مرة أخرى فی العصر فی عصر فی مصر

إقرأ أيضاً:

سداسي الزمالك يترقب المشاركة أمام مودرن سبورت بـ كأس عاصمة مصر

ينتظر سداسي الزمالك"مصطفى الزنارى، أحمد حسام، أحمد محمود، سيف فاروق جعفر، محمد عاطف، ومهاب ياسر" فرصة الحصول على المشاركة في مباراة مودرن سبورت، المقرر لها السابعة مساء غدا باستاد القاهرة الدولي، ضمن منافسات الجولة الثالثة من بطولة كأس عاصمة مصر.

مران الزمالك 

أختتم الفريق الأول لكرة القدم بنادي الزمالك تدريباته الجماعية اليوم، السبت، استعداداً لمواجهة مودرن سبورت المقرر لها السابعة مساء غد الأحد باستاد القاهرة الدولي، ضمن منافسات الجولة الثالثة من بطولة كأس عاصمة مصر.

واستقر البرتغالي جوزيه بيسيرو المدير الفني على خوض المران الختامي على ملعب النادي بميت عقبة، وبعد المران يختار قائمة الفريق للدخول في معسكر مغلق حتى موعد المباراة.

ويحرص الجهاز الفني للزمالك على دراسة الفريق المنافس من خلال متابعة فيديوهات لمباريات فريق مودرن سبورت الأخيرة، للوقوف على نقاط القوة والضعف لاستغلالها لتحقيق الفوز بالبطولة.

موعد مباراة الزمالك ومودرن سبورت

تُقام المباراة غدًا الأحد، الموافق 6 أبريل، على ملعب القاهرة الدولي، في تمام الساعة السابعة مساءً بتوقيت القاهرة، حيث يسعى الفارس الأبيض لتعويض تعادله القاري بتحقيق فوز محلي يعزز من فرصه في التأهل بالدور الحالي من البطولة.

القنوات الناقلة لمباراة الزمالك ومودرن سبورت 

تنقل قناة "أون تايم سبورت" المباراة بشكل حصري ضمن تغطيتها لمنافسات بطولة كأس عاصمة مصر، مع تقديم استوديو تحليلي قبل وبعد اللقاء.

 تشكيل الزمالك المتوقع أمام مودرن سبورت في كأس العاصمة كالتالي:

حراسة المرمى: محمد صبحي

خط الدفاع: أحمد محمود، وأحمد حسام، ومصطفى الزناري، ومحمد حمدي

خط الوسط: محمود جهاد، وسيف فاروق جعفر، وناصر ماهر، ومحمود بنتايك

في الهجوم: محمد عاطف، وناصر منسي.

ترتيب الزمالك ومودرن سبورت في المجموعة

ويحتل الزمالك المركز الرابع في المجموعة الأولى برصيد نقطة واحدة فقط، خلف فرق بتروجيت وسموحة ومودرن سبورت.

أما فريق مودرن سبورت فقد خسر في الجولة الأولى أمام بتروجيت بهدف دون رد، ثم عاد وحقق فوزًا مهمًا على سموحة بنتيجة 2-0، ليحتل مركزًا متقدمًا في المجموعة.

مقالات مشابهة

  • كانوا بيقضوا العيد في المنوفية.. وفاة 5 من أسرة واحدة بحادث على الطريق الإقليمي
  • غيابات تضرب نادي الزمالك قبل مواجهة مودرن سبورت
  • عرض خليجي لخطف نجم الزمالك
  • كأس عاصمة مصر.. موعد مباراة الزمالك ومودرن سبورت والقنوات الناقلة
  • سداسي الزمالك يترقب المشاركة أمام مودرن سبورت بـ كأس عاصمة مصر
  • موسكو تواصل ريادتها على عواصم أوروبا وتعرض “ماتريوشكا” أول حافلة كهربائية ذاتية القيادة في روسيا
  • موعد مباراة الزمالك ومودرن سبورت في كأس العاصمة
  • انفجارات ضخمة.. جيش الاحتلال الإسرائيلي يقصف مدينة الكسوة جنوب دمشق
  • قاهرة المعز.. جوهرة التاريخ وسحر الحضارات
  • مضوي: “كانت تنقصنا اللمسة الأخيرة أمام اتحاد العاصمة”