فيلم القاتل.. توثيق لحظة التوحش في عالم أخرس
تاريخ النشر: 30th, November 2023 GMT
يوثق الفيلم الأميركي " القاتل" (The Killer) للمخرج ديفد فينشر، لحالة من حالات "الخرس" و"انقطاع التواصل" في العالم إلا من خلال الرصاص والدم. فرغم بلوغ مدة عرضه نحو الساعتين فإن الحوار في الفيلم لا يتجاوز بضع جمل، بينما منح القاتل فرصته الكاملة في سرد القصة برؤيته الخاصة عبر استخدام التعليق الصوتي.
والفيلم هو الـ95 في مسيرة مخرجه، وهو من بطولة مايكل فاسبندر الذي جسد شخصية قاتل محترف، يُعد الالتزامُ بقواعد المهنة أبرز صفاته، فلا مشاعر ولا أخلاق ولا ندم يمكن أن يثنيه عن مهمته التي يتقاضى الأجر عليها، لكنه ينحدر نحو فقدان الكفاءة التدريجي بسبب أوقات انتظار اللحظة المناسبة التي يستطيع خلالها أن يطلق النار على ضحاياه، ويحدث بالفعل أن يخطئ هدفه فيتحول إلى هدف مطلوب التخلص منه، وتبدأ معركة دموية بينه وبين شركائه السابقين.
ويعد إطلاق فيلم جديد لديفد فينشر مناسبة سينمائية تستحق الاحتفاء، لكن الفيلم الجديد لم يحقق الإيرادات المتوقعة، رغم أن تاريخ فينشر مع صناعة الأفلام قد تَشكل عبر نجاحات اعترف بها الجمهور والنقاد على اختلاف انتماءاتهم السينمائية. ومن بين أفلامه التي حققت نجاحات كبرى "حالة بنجامين بوتون العجيبة" 2008 (The Curious Case of Benjamin Button)، و"الشبكة الاجتماعية" 2010 (The Social Network)، و"سبعة" Seven) 1995)، و"نادي القتال" Fight Club)1999)، و"زودياك" Zodiac) 2007)، و"الفتاة ذات وشم التنين"2011 (The Girl with the Dragon Tattoo).
وكان فيلم "القاتل" عُرض في الدورة الـ80 من مهرجان فينيسيا في الثالث من سبتمبر/أيلول الماضي، ثم انطلقت عروضه التجارية في نهاية أكتوبر/تشرين الأول الماضي في دور العرض، وأخيرا بدأ عرضه على شاشة منصة نتفليكس في العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.
عودة الفيلم المظلميحمل فيلم "القاتل" ملامح سينما فينشر، بدءا من الأجواء المقبضة التي تفيض بها أغلب أعماله الأخيرة إلى تناول سيرة القتلة، مع ذلك الشغف الذي يصل إلى حد الهوس بالتفاصيل الدقيقة للأشياء. لكن جرعة "العتمة" التي تسوق بالضرورة إلى أجواء مخيفة ومربكة وأحيانا مسببة للاكتئاب، زادت في هذا العمل الذي جمع أغلب سوآت المجتمع الغربي وبينها العزلة والعدوانية وتقنين كل تفاصيل الحياة وصنع قواعد لها، مما جعل القاتل أو "مايكل فاسبندر" يبدو وكأنه روبوت بسبب انتظام حركته وعدم وجود ابتسامة واحدة على وجهه طوال ساعتين من الدراما الفردية.
ويعود فينشر في فيلمه الجديد بالزمن أكثر من 80 عاما إلى الوراء ليعيد إحياء نوع معين من الأفلام ظهر في أربعينيات القرن الماضي وأطلق عليه "فيلم نوار" (Film Noir)، وهو نوع أميركي نموذجي في الولايات المتحدة. ووفقًا للمؤرخ السينمائي باتريك بريون، فإن هناك "مصائر مأساوية لا يمكن التغلب عليها تسحق شخصياته وتتمثل في النهاية التراجيدية".
ويقدم فينشر "فيلم نوار جديدا" (Neo Noir)، حيث يضيف إلى قيم فيلم نوار الفرنسي الأميركي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية سمة حديثة تتعلق بعالم القرن الـ21 وقضاياه الاجتماعية والتحولات القاسية التي طرأت على الأسرة والأجيال الجديدة، وهو ما بدا واضحا في فيلمه "الفتاة ذات وشم التنين".
الصوت والضوءوبين صوت هادئ لكنه حاسم ومخيف، وضوء يهدف للإخفاء أكثر مما يهدف للظهور، يكشف القاتل الذي لا يحمل اسما عن شخصيته وعن صفاته والقوانين التي يحاول بها السيطرة على عالمه، لكن كل مشاهده -تقريبا- جاءت داخلية معتمة، وحتى تلك الخارجية وضع فينشر ومدير تصويره كشافات الإضاءة الخافتة نسبيا بمواجهة "فاسبندر" فبدا مظلما، وهو ما يعكس رؤية المخرج لذلك القاتل الذي يحمل كل ظلام العالم في داخله، ويتحرك كخفاش في المساحات المظلمة من الشوارع، ولا يترك المكان الذي تطؤه قدماه إلا وهو يحمل جثة أو يترك أخرى.
كان فاسبندر رابضا خلف سلاحه في المشهد الأول للعمل، يقبع في مكان مظلم من غرفة بمواجهة هدفه الظاهر عبر النافذة في المبنى المقابل، وبينما يسبح الضحية في أضواء باهرة، يطل الخفاش القاتل من ظلمته عبر عدسة السلاح بعينيه، وينتظر الحركة المناسبة لضحيته التالية، وحين أخطأ أدرك السيناريو القادم، فهي مهنة لا يُسمح فيها بهامش خطأ مطلقا، لذلك سارع بالعودة إلى بيته المعزول أيضا عن العالم، فوجد رفيقته في المستشفى بعد تعرضها لاعتداء وحشى، وهنا بدأ مشوار الانتقام وتصفية شركائه السابقين.
وإذا كانت وظيفة الإضاءة في السينما هي توضيح الأشياء لرؤيتها في المقام الأول، فإن تلك الإضاءة التي تفقد وظيفتها عبر وضع مصادرها في أماكن تهدف للإخفاء، إنما تنقل المشاهد إلى منطقة عدم الراحة، لكنها تشكل مشاعر متضاربة بين التشويق وانتظار زوال الظلمة، وتوقع المزيد من الدراما.
اهتم فينشر بالقصة فيما سبق من أفلام وشكل من تفاصيلها الدرامية لوحات سينمائية نابضة بالحياة، خاصة مع البناء المتقن لشخصيات أعماله التي يفضل اقتباسها من روايات أدبية. لكن الإضاءة والتعليق الصوتي الذي لم يسرد بقدر ما قام بالوصف؛ صنعا حالة مختلفة عن الأفلام السابقة للمخرج، فقد وضعت المشاهد "على وضع الانتظار" طوال العمل، وكأن صانع العمل لم يجرؤ على السير قدما نحو ذروة درامية.
وباستثناء دقائق قليلة تتوسطه، خلا الفيلم من الحوار، واكتفى بالسرد الذي بدا متعاليا على المشاهد، إذ قدم خلاصات تحكي عن قواعد مهنة القتل، وضرورة الالتزام بقواعد عدم الثقة وعدم التعاطف والالتزام بالخطة المتفق عليها وما شابه.
والخلو من الحوار في العمل مبرر تماما، حيث يتحدث العمل لغة الرصاص والسكاكين وشتى طرق القتل، وبدا الفيلم كأنه "مونودراما" نقلت من المسرح إلى السينما. أما الاستثناء فجاء في سياق عثور القاتل على امرأة شاركت في الاعتداء على رفيقته، والمناورات التي قامت بها لخداعه ثم قتله لها. وللمرة الثانية يتجاهل صناع العمل فكرة تسمية البشر، فاكتفوا بوصفها باعتبارها امرأة تشبه أعواد تنظيف الأذن نظرا لنحافتها الظاهرة، وجسدت دورها الممثلة ذات الأصل الأسكتلندي تيلدا سوينتون.
الظلام الحقيقييكمن خلف كل تلك العتمة التي أخفى بها ديفد فينشر ما يقرب من نصف تفاصيل عالمه على الشاشة سؤال قاس عن التحولات التي مرت بها الإنسانية في القرنين الماضيين على الأقل، فالعالم الذي حرص على إظهاره هو عالم كئيب موحش متوحش يقتل لئلا يقتل، فهل تحول كل شخص على الكرة الأرضية إلى قاتل محترف عليه أن يتربص في عتمة الظلام بضحيته ويقتله، فمن سينجو إذا بحياته وحياة أسرته؟
أسئلة قادمة من عقل رجل اعتاد على استخدام جريمة قتل واحدة -على الأقل- في كل فيلم من أفلامه للتفتيش في حاضر وتاريخ شريحة مجتمعية مختلفة، ومن ثم إلقاء ضوء كاشف ومبهر على حقيقة غابت لسنوات تطول أو تقصر.
لكنه قرر أخيرا عدم الكشف عن النصف المضيء من العالم إلا في مشهد النهاية، إذ قُتل الشركاء القتلة، وانضم القاتل (مايكل فاسبندر) إلى رفيقته على الشاطئ بعد شفائها لتستمر الحياة.
المصدر: الجزيرة
إقرأ أيضاً:
شفاه بارزة وملامح حيوانية.. ما سبب شعبية الأطراف الاصطناعية في عالم الموضة؟
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- أدهش المصمم الهولندي دوران لانتينك الجمهور بتصاميمه غير التقليدية خلال عرضه لمجموعة خريف وشتاء 2025 في أسبوع الموضة بالعاصمة الفرنسية باريس.
خطف جذعان اصطناعيتان ارتداهما عارضا أزياء الأضواء. وتألقت عارضة أخرى بجذع اصطناعي على هيئة عضلات بطن بارزة، ومن ثم ظهر عارض آخر بجذع اصطناعي على شكل ثديين.
حصدت مقاطع الفيديو الخاصة بهذه الإطلالات الجريئة ملايين المشاهدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث عبرّ لانتينك أن الأمر كان يتعلق بفكرة عرض البشر كدُمى.
لكنه قام أيضًا باستغلال صيحة تزداد شعبية على منصات الأزياء، أي الأطراف الاصطناعية.
في المواسم الأخيرة، استخدمت علامات الأزياء الغرسات، والأقنعة، وتقنيات المكياج ثلاثية الأبعاد لتحويل عارضي الأزياء إلى حيوانات، وكائنات فضائية، ورجال آليين.
قالت تانيا مور وهي مديرة دورة تُدعى "Hair, Makeup and Prosthetics for Performance" ضمن برنامج البكالوريوس في كلية لندن للأزياء، عبر البريد الإلكتروني: "يَستخدم المصممون الأطراف الاصطناعية لتحدي معايير الجمال، واستكشاف التحول، والهوية، ما يخلق سردية ثقافية أوسع".
نتائج مذهلة وواقعيةيعود تاريخ أقدم الأطراف الاصطناعية الطبية المعروفة، (كانت عبارة عن أصابع قدم اصطناعية) إلى مصر القديمة، حيث تم استخدامها كمُساعدات للمشي.
ومن ثمّ استُخدمت الأطراف الاصطناعية لأغراض الفن والترفيه، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من إطلالات السجادة الحمراء.
كانت خبيرة مكياج المؤثرات الخاصة، مالينا ستيرنز، وراء إطلالة المغنية "دوجا كات" في حفل "ميت غالا" بعام 2023، حيث جسدت نجمة البوب القطة المحبوبة للمصمم الراحل، كارل لاغرفيلد، بفستان مُصمم خصيصًا لها، بالإضافة إلى أطراف الاصطناعية للوجه.
على منصات العرض وخارجهارغم أن مواد مثل اللاتكس لا تزال معيارية في صناعة الأطراف الصناعية، إلا أنّ الطباعة ثلاثية الأبعاد تتيح المجال لابتكارات أكثر تعقيدًا.
وأصبحت الموضة تأخذ إلهامها بشكلٍ متزايد في عالم الترفيه.
تعاونت علامة "بالنسياغا" في عام 2019 مع خبيرة المكياج، إنجي غرونارد، لتركيب عظام وجنتين وشفاه بارزة للغاية للعارضات اللواتي شاركن في العرض.
في الوقت ذاته، تأتي ملكة الـ"دراغ"، أليكسيس ستون، لأسبوع الموضة في باريس بشكلٍ منتظم متقمصةً شخصية شهيرة مختلفة في كل موسم.
سبق أن حوّلت خبيرة المكياج ورائدة الأعمال، إيسامايا فرينش، عارضي الأزياء إلى كائنات فضائية لعلامتي "Paco Rabanne"، و"Collina Strada" التجاريتين.
وكتبت مؤسسة "Collina Strada"، هيلاري تيمور، عبر البريد الإلكتروني: "كان عرض ربيع وصيف 2023 يهدف إلى كسر الحواجز الاصطناعية التي نبنيها بيننا وبين كوكبنا. لذا، بدت فكرة تحويل العارضين إلى هجين من البشر والحيوانات فكرةً مثالية".
هل التعبير الفني هو الهدف؟عند استخدامها في عالم الموضة، تُعدّ الأطراف الاصطناعية بمثابة تعليق على واقع أصبحت فيه عمليات التجميل، مثل الـ"فيلر"، وشد الوجه، أكثر شيوعًا.
أرسلت المصممة مارتين روز عارضي الأزياء بأنوف اصطناعية إلى منصة العرض بأسبوع الموضة في مدينة ميلانو الإيطالية في يونيو/حزيران الماضي كمحاولة لتحدي معايير الجمال الأوروبية.