خطاب الحرب والسياسة.. لماذا تناول هنية الملفات السياسية قبل انتهاء المعركة بغزة؟
تاريخ النشر: 28th, November 2023 GMT
فتح الخطاب الأخير لرئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" إسماعيل هنية، بابا للتكهنات حول العملية السياسية الفلسطينية في مقابل إجراءات الاحتلال الإسرائيلي، ورغبة من الحركة في طرح رؤيتها السياسية التي يدعمها صمود المقاومة في قطاع غزة والخسائر في صفوف الاحتلال جيشا وحكومة واقتصادا، وسط حراك غير مسبوق في قطر لمفاوضات بشأن هدن مؤقتة، يحتمل أن تتطور لتشمل تفاوضا لحل أطول وقتا، وأوسع مدى بخصوص القضية الفلسطينية.
وأكد هنية في خطابه في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري على أن إنهاء العدوان على غزة مقرون أيضا برفع الحصار الشامل على القطاع، وتبادل الأسرى، ووقف الاعتداءات على المسجد الأقصى، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة في إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، ومنحه الحق في تقرير مصيره.
وحمل الخطاب الأخير رسائل سياسية أكثر مما تناول المعركة الدائرة على الأرض بين الاحتلال الإسرائيلي، والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة المحاصر.
وفي خطاب آخر مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر، قال هنية إن حركته قدمت تصورا شاملا لوقف العدوان على غزة، وفتح المعابر، وصفقة لتبادل الأسرى، وفتح المسار السياسي للوصول إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، ما وصفه مراقبون بأنه يعني موافقة الحركة على مسار يؤدي لحل سياسي وهدنة طويلة المدى.
اقرأ أيضا: هنية: الاحتلال نزل عند شروط المقاومة وإرادة الشعب الفلسطيني
ورأى مراقبون أن هنية أراد من خطابه توسيع دائرة الضوء المسلط على غزة في حربها مع الاحتلال، لتقول الحركة إن المعركة يتردد صداها في الضفة والقدس المحتلة، ولها علاقة بكل فلسطيني في الأراضي المحتلة، وخارجها.
وأكد هنية في كلمته، أن الحركة لن تغادر مواقعها ولن تتخلى عن مسؤولياتها تجاه أبناء الشعب الفلسطيني قبل المعركة وأثناء المعركة وبعد المعركة، مشيرا إلى تمسكها بوحدة الأرض والشعب والمصير.
المحلل السياسي، والخبير في شؤون الشرق الأوسط، الدكتور حسن مرهج، رأى أن تناول القضايا السياسية في خطاب هنية يأتي من باب أن العمل العسكري على الأرض وفي الميدان، هو الذي يمهد لحلول سياسية توائم تطلعات الشعب الفلسطيني، وكرئيس للحركة، كان يجب أن يتناول الشق السياسي بالتزامن مع طرح أطراف مختلفة القضية على المنابر المختلفة، لا سيما "حل الدولتين".
وتابع مرهج بأنه إذا ما كان هنالك توجه إلى الحلول السياسية، فإنه لا بد للجانب الفلسطيني أيضا أن يضع القواعد باتفاق الأطراف السياسية، والفصائلية.
وأكد أن طرح هنية يتماشى مع ما يطرح إعلاميا، لا سيما من طرف الولايات المتحدة بشأن التفاوض على الحلول السياسية، مع غياب الطرف الإسرائيلي الذي يصمم على الحل العسكري ويرفع شعار القضاء على حماس بالكامل في قطاع غزة، رغم وجود رئيس الاستخبارات الإسرائيلية "الشاباك" في الدوحة من أجل التفاوض.
اقرأ أيضا: الدبلوماسية في غزة تعزز دور قطر كوسيط عالمي
ولفت إلى أن الحديث عن الأسرى والتبادل، قد يتوسع ليطال إنهاء الملف كاملا، وهو ليس ملفا سهلا، وعليه ربما يأخذ وقتا طويلا، وقد يكون هناك مبادرات سياسية خلال التفاوض مثل اقتراح رئيس النظام المصري، عبد الفتاح السيسي، بدولة فلسطينية منزوعة السلاح.
وتناول هنية في كلمته ضرورة إنهاء العدوان الإسرائيلي على المسجد الأقصى – الذي سميت عملية المقاومة على اسمه – وطالب بإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، ومنح الفلسطينيين حق تقرير المصير.
وشدد على أن الشعب الفلسطيني يخوض معركة التحرر الوطني عبر جبهة متراصة في غزة والقدس وفي كافة أماكن تواجده، مشيدا ببطولات السكان في الضفة الغربية في مواجهة المستوطنين وجيش الاحتلال الذي يقوم بإرهاب منظم ضد الأهالي والأسرى في الضفة والقدس.
اتساع الصراع في غياب الحلول
واتسع الصراع ببطء بعد شن الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على قطاع غزة، فدخلت المقاومة اللبنانية في تبادل لإطلاق النار والصواريخ مع الاحتلال الإسرائيلي، وأوقعت ضحايا، وقدمت عددا من الشهداء المقاتلين، والمدنيين في لبنان، كما اتسع القتال ووصل المليشيات المسلحة في العراق، التي وجهت عدة ضربات للقواعد المتواجد بها عناصر أمريكيون وردت أمريكا عسكريا واعتبرت أنها تحركت بدفع من الحرس الثوري الإيراني.
كما دخلت جماعة أنصار الله اليمنية على خط المعركة، وقصفت منطقة إيلات المحتلة غير مرة، واحتجزت سفينة تشغلها شركة إسرائيلية، وقالت إنها ستستهدف المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر، وكل من يحاول حماية سفنها، إلى حين انتهاء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
من جانبه، قال مرهج إنه في غياب الحل السياسي، واستمرار الحرب، فإن العواقب ستكون وخيمة، ولذا نلحظ تسارعا في الحراك السياسي، إقليميا وعالميا، ونرى تغيرا في المواقف الداعمة لإسرائيل، لأن الجميع يعرف أن استمرار اتساع نطاق الصراع يعني صراعا من باب المندب إلى سوريا والعراق ولبنان، وربما يصل البلدان المجاورة والخليج العربي.
وكان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون قال خلال أول طاولة مستديرة في منتدى باريس للسلام: "كل شيء مترابط".
وأضاف: "لدينا اليوم دول ضعيفة للغاية، إذا لم نساعدها من خلال التضامن الدولي، ستنجر إلى النزاع الدائر" في الشرق الأوسط.
اقرأ أيضا: مديرا المخابرات الأمريكية والإسرائيلية في قطر لبحث هدنة غزة
وتابع: "بالتالي فإن تحرك صندوق النقد الدولي، خاصة في الأردن ومصر في إطار النزاع حاسم للغاية".
كما عبر خبير شؤون الشرق الأوسط عن مخاوف الغرب من وصول التداعيات إلى أوروبا، وأمريكا، وهو ما لا يتماشى مع السياسة الأمريكية، خصوصا أثناء انشغالها بملفات أخرى مثل الصين، وروسيا، وأوكرانيا.
وعبرت دول أوروبية على رأسها فرنسا وألمانيا، عن قلقها من تزايد مظاهر "معاداة السامية" في البلدين الكبيرين، مع استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وعبر كبير حاخامات إسرائيل في هولندا، يوني فيدر، عن مخاوف اليهود في هذا البلد الهادئ والمسالم، من ارتداء الرموز اليهودية، وتجنبهم الحديث بالعبرية في الأماكن العامة، بسبب الأجواء السياسية غير المريحة في البلاد بسبب الحرب على غزة.
وأطلق أمريكي النار على ثلاثة طلاب فلسطينيين في ولاية فيرمونت الأمريكية الأسبوع الجاري، الأمر الذي أزعج البيت الأبيض الذي عبر عن "صدمته الشديدة" من الحادثة.
حراك محموم في قطر
على جانب آخر، تشهد العاصمة القطرية الدوحة حراكا محموما على صعيد مفاوضات الهدنة التي تم تمديدها ليومين إضافيين، بعد أربعة أيام شهدت تبادلا للأسرى من جانب الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية.
وقالت مصادر عدة إن مدير جهاز المخابرات الإسرائيلية "الموساد"، ديفيد بارنياع، ومدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "CIA"، ويليام بيرنز، وصلا قطر للقاء رئيس وزرائها، الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، بشأن الهدنة بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية في غزة.
وأضاف مصدر لوكالة رويترز، أن مسؤولين مصريين حضروا الاجتماع في الدوحة الذي سيتناول أيضا المرحلة التالية من اتفاق محتمل.
وقال مصدر آخر لوكالة فرانس برس إن المذكورين اجتمعوا للبناء على التقدم المحرز في اتفاق الهدنة الإنسانية الذي تمّ تمديده وبدء المزيد من المباحثات حول المرحلة المقبلة من اتفاق محتمل، وأكد المصدر أيضا حضور مسؤولين مصريين الاجتماع.
وتأمل دول عديدة على رأسها قطر المفاوض الأساسي في الملف، بأن تؤدي الهدن الإنسانية المؤقتة، إلى الوصول لوقف إطلاق نار شامل.
وختم مرهج بأن على حركة المقاومة الإسلامية "حماس" أن تكون جاهزة على صعيد الملفات السياسية، وعلى أصحاب القرار في المعركة اتخاذ القرار المناسب لأن صمودهم، أو خسارتهم، عامل مهم في إنجاح، أو فشل المفاوضات السياسية، وأن على العرب أن يكونوا جاهزين على صعيد المبادرات السياسية.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة مقابلات سياسة دولية حماس الاحتلال غزة احتلال حماس غزة طوفان الاقصي سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الاحتلال الإسرائیلی الشعب الفلسطینی قطاع غزة على غزة
إقرأ أيضاً:
قصص من السماء... تحقيق في استهداف إسرائيل صحفيي الدرون بغزة
قبل أربع سنوات، بدأ سمير إسليم، المعروف باسم محمود البسوس، بمراسلة الطباطيبي على وسائل التواصل الاجتماعي، طالباً منه أكثر من مرة أن يعلّمه التصوير بالطائرة من دون طيار (الدرون). لم يعر الطباطيبي، أحد أشهر صحفيي الدرون بغزة، اهتماماً كبيراً في البداية. ولكن مع إصرار البسوس، وافق الطباطيبي: « في فرق بالعمر بيني وبينه، لكن بحب الشخص المجتهد، ويسعى إنه يطور من نفسه، فلقيت الحاجة دي عند محمود ».
أصبحا قريبين من بعضهما البعض. بدأ البسوس ينضم إلى الطباطيبي في مهمات تصوير. عندما بدأت الحرب، انتقل الطباطيبي، الذي كان يعمل مع وكالة أنباء دولية، إلى الجنوب. وبقي البسوس في الشمال. ومع قطع الحركة بين المنطقتين من قبل الجيش الإسرائيلي، بقيا على اتصال. بدأ الطباطيبي تكليفه بالتصوير. كما بدأ البسوس العمل مع وسائل إعلام دولية، بما في ذلك وكالة « رويترز » ووكالة « أنباء الأناضول » التركية. وحتى بعد مغادرة الطباطيبي إلى مصر، استمر التواصل بينهما.
يوم السبت 15 مارس، كان البسوس يصور افتتاح توسعة مخيم للنازحين واستعدادات لإفطار رمضاني في مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، لصالح « مؤسسة الخير » البريطانية، عندما ضربت غارتان جويتان إسرائيليتان المنطقة. قُتل سبعة أشخاص على الأقل، من بينهم البسوس. « كنت في حالة صدمة… ما كنت متوقعها واحد بالمية، ليش؟ لأنه نحنا في هدنة »، يقول الطباطيبي.
أصبح البسوس، خامس صحفي يعمل بطائرة درون يُقتل على يد إسرائيل، منذ بدء الحرب على غزة في تشرين أكتوبر 2023.
يقول متحدث باسم رويترز: « شعرنا بحزن عميق عندما علمنا بمقتل الصحفي البسوس، الذي نشرت رويترز أعماله في الأسابيع الأخيرة، في غارة إسرائيلية أثناء قيامه بمهمة لصالح مؤسسة الخير ».
في مطلع مارس، تعاونت « فوربيدن ستوريز » مع البسوس لتصوير لقطات درون من مخيمي جباليا والشاطئ، لإعداد هذا التحقيق ضمن الجزء الثاني من « مشروع غزة ». وقبل بضعة أيام من الغارة التي أودت بحياته، أكمل البسوس المهمة. كتب أحد الزملاء في مجموعة خاصة بالمشروع: « عاد الصحفي إلى المنزل وهو بأمان ». كانت فوربيدن ستوريز تنسق عملية التصوير وتطلع شركاءها بانتظام على مستجدات العمل.
الصحفي الذي كان يعمل على قصة عن قتل صحفيي الدرون، صار جزءاً منها.
صحفيو الدرون: الخطر مضاعفأصبحت غزة أخطر مكان في العالم بالنسبة للصحفيين. وفقاً للجنة حماية الصحفيين (CPJ)، فإن الحرب على غزة هي أكثر الصراعات دموية بالنسبة للصحفيين. فقد قُتل ما لا يقل عن 165 صحفياً فلسطينياً (حتى تاريخ نشر هذا التحقيق)؛ أي أكثر مما قُتل خلال ست سنوات من الحرب العالمية الثانية.
ويواجه صحفيو الدرون خطراً أكبر. فقد قُتل خمسة منهم وأصيب واحد بجروح خطيرة، من بين مجموعة من نحو عشرة صحفيين، كانوا يعملون في غزة بداية الحرب، وفقاً للصحفي الطباطيبي. وثقت أريج وفوربيدن ستوريز وشركاؤهما، أن قتل أو إصابة هؤلاء الصحفيين، جاء بعد التقاط الصور الجوية في كل الحالات تقريباً.
وفي بعض هذه الحالات، بما في ذلك غارة 15 مارس، اتهمت إسرائيل الصحفيين الذين قتلتهم بالانتماء لتنظيمات مسلحة، لكنّها لم تقدم أدلة قاطعة. وتشير المقابلات مع جندي احتياط إسرائيلي سابق، ووثائق داخلية مسربة، إلى غياب أي قواعد اشتباك واضحة، عندما يتعلق الأمر بصحفيي الدرون.
نظراً لحجم الدمار الهائل في غزة، غالباً ما تكون لقطات الدرون هي الطريقة الوحيدة لتصوير حجم هذا الدمار. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك، مقطع فيديو مدته دقيقة -نشرته وكالة الأنباء الفرنسية في يناير، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ- يُظهر حجم الدمار في رفح.
استُخدمت طائرات الدرون في غزة منذ عام 2014، عندما أدخلها الصحفي والمخرج أشرف مشهراوي لأول مرة في التغطية الصحفية. وقد استُخدمت على نطاق واسع لتوثيق الدمار بعد حرب عام 2014.
يعتقد الطباطيبي أن استخدام الدرون كان ضرورياً لتصوير حجم الدمار خلال الحرب الحالية، وهو أمر لم يستطع التصوير الأرضي إظهاره؛ لذا استمر في التصوير، حتى يناير 2024.
قتل أول صحفي درون خلال الحربفي 7 يناير 2024، كان من المفترض أن ينضم الطباطيبي إلى صديقه مصطفى ثريا في جلسة تصوير. كان الاثنان يتشاركان خيمة واحدة، ويغطيان الحرب معاً. لكن في ذلك الصباح، لم يخرج الطباطيبي برفقة ثريا، وبقي لمساعدة زوجته في تطعيم ابنتهما حديثة الولادة. قُتل ثريا، -الذي كان يعمل مع وكالة الصحافة الفرنسية وقناة الجزيرة- في غارة جوية إسرائيلية، بعد تصويره آثار غارة سابقة بطائرة درون، ليكون أول صحفي درون يُقتل في الحرب.
وقال الجيش الإسرائيلي إنه « حدد وقتل إرهابياً كان يُشغّل جهازاً طائراً يشكل تهديداً للقوات الإسرائيلية ». لكنّ تحقيقاً أجرته صحيفة واشنطن بوست يناقض هذا الادعاء. حلّلت الصحيفة لقطات حصلت عليها من الدرون الخاصة بمصطفى، ولم تجد أي جنود إسرائيليين أو طائرات أو معدات عسكرية قريبة من موقع التصوير.
في 24 فبراير، أصيب عبد الله الحاج، وهو صحفي درون آخر، بجروح خطيرة في غارة إسرائيلية بعد انتهاء تصويره في مخيم الشاطئ للاجئين. يقول الحاج: « بمجرد أن انتهيت من التصوير ووضعت الدرون داخل حقيبتي، تم استهدافي ».
بُترت ساقا الحاج جراء إصابته. وبعد عدة أيام من الهجوم، تعرض منزله للقصف، ويرى الحاج أن استهداف منزله كان بهدف تدمير الأرشيف الذي جمعه على مدى 20 عاماً.
وفي تعليقه على حادثة يوم 24 فبراير، ادّعى الجيش الإسرائيلي أنه ضرب « خلية إرهابية تستخدم طائرة درون ». وينفي الحاج أي علاقة له بالتنظيمات المسلحة، واصفاً هذا الادّعاء « بالكاذب ». وقال إن القوات الإسرائيلية دققت هويته مرتين؛ الأولى في مستشفى الشفاء، والثانية قبل مغادرته غزة للعلاج في قطر. ويضيف: « لو كنت من حماس لما تمكنت من مغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج ».
فقدان شقيقين في آن واحد
في أبريل، تلقى الطباطيبي مكالمة من المصور إبراهيم الغرباوي، الذي كان قد اشترى طائرة درون وطلب المساعدة في تعلم تشغيلها. نصحه الطباطيبي بعدم استخدامها، قائلاً إن الوضع « مخيف ».
كان إبراهيم وشقيقه أيمن قد نزحا مع أسرتهما إلى رفح. في 26 أبريل، ذهبا إلى خان يونس لتصوير الدمار الذي خلفه الاجتياح الإسرائيلي، وفقاً لشقيقهما عبد الله. تقول إيناس زوجة إبراهيم، إنه اتصل ليخبرها بالانتهاء من التصوير، وإنهما في طريق العودة. كان هذا آخر اتصال بينهما. وفي وقت لاحق من تلك الليلة، علمت أنهما قُتلا في غارة جوية إسرائيلية.
كان فقدان شقيقين في آن واحد مفزعاً. يقول عبد الله: « لا تمر لحظة إلا ونذكرهما ونتذكرهما، ونبكي عليهما ».
« شعرت أن كل شيء تجمد للحظة »« بعد أن تم استهدافه (يقصد إبراهيم)، قررت إنه كفى.. خلاص ». قرر الطباطيبي المغادرة إلى مصر، وباع طائرته الدرون لزميله المصور محمد أبو سعادة (31 عاماً). بعد ثلاثة أشهر، قُتل أبو سعادة في غارة جوية على خيمة عمه في خان يونس، حيث ذهب لاستخدام الإنترنت لتحميل لقطات فيديو. يقول ابن عمه سيف، الذي كان معه في ذلك الوقت: « كانت الساعة 5:29 (مساء)، أذكر أنني كنت أنظر إلى الهاتف. بالكاد ابتعدت (عن المكان الذي كانوا يجلسون فيه)، عندما سقط صاروخ… شعرت أن كل شيء تجمد للحظة ». لقي أبو سعادة وثلاثة من أشقاء سيف حتفهم.
يظهر محمد أبو سعادة في آخر منشور مع طائرته وهو يصور الدمار في بني سهيلا شرق خان يونس، قبل نحو أربعة أشهر من مقتله، وكان الصحفي الوحيد الذي لم يُقتل مباشرة بعد تصويره في الميدان. يقول سيف إن ابن عمه لم يكن يستخدم الدرون: « كنا نعلم جميعاً أن أي شخص يستخدم واحدة منها سيتم استهدافه ».
لا قواعد واضحةبحسب مسؤولين سابقين في الجيش الإسرائيلي، ومنهم مايكل عوفر زيف، وهو جندي احتياط سابق، فإنه لم تكن هناك إرشادات واضحة حول كيفية التعامل مع طائرات الدرون ذات الاستخدام المدني. ويقول عوفر زيف: « لم أتلقَ في أي مرحلة من مراحل هذه الحرب وثيقة رسمية تحدد قواعد الاشتباك، وهذه مشكلة، لأنها تترك مجالاً كبيراً للتأويل ».
ويضيف عوفر زيف أن الأجواء العامة في غرفة العمليات كانت واضحة: « إذا رأينا أي شخص يقوم بتشغيل طائرة درون ليست لنا، كان التوجّه هو إسقاط الطائرة وقتل الشخص الذي يتحكم بها، دون أي تساؤلات ».
تُظهر رسائل بريد إلكتروني مسرّبة تعود لعام 2020، تمت مشاركتها مع فوربيدن ستوريز، أن مسؤولين في وزارة العدل الإسرائيلية كانوا يحذرون من الإشارة إلى أن الصحفيين الذين يستخدمون الدرون قد يتم الخلط بينهم وبين المقاتلين، حيث يمكن أن يُنظر إلى ذلك على أنه عدم التزام من إسرائيل بقوانين الحرب.
وتُظهر الرسائل نقاشاً بين مسؤولين رفيعين (اثنين) في مكتب المدعي العام الإسرائيلي، حول قتل الصحفي ياسر مرتجى خلال « مسيرة العودة الكبرى » في أبريل عام 2018. ويشيران إلى تصريح أدلى به وزير الدفاع آنذاك أفيغدور ليبرمان: « لا أعرف من هو، مصور أم ليس مصوراً، من يُشغّل طائرات الدرون فوق جنود الجيش الإسرائيلي يجب أن يفهم أنه يعرض نفسه للخطر ».
يشير المسؤولان إلى أن مثل هذا التصريح، الذي تم الاستشهاد به في تقرير تحقيق للأمم المتحدة حول مسيرات الحدود في غزة، قد يُنظر إليه على أنه تشويش للخط الفاصل بين الصحفيين والمسلحين، وهو ما حذرا من احتمالية استخدامه « لتقويض مزاعم إسرائيل بأنها تلتزم بقوانين الحرب بشكل عام، ومبدأ التمييز بشكل خاص ».
لم نرصد في تحقيقنا أي تحذير إسرائيلي رسمي للصحفيين من استخدام طائرات الدرون للتصوير. يقول المشهراوي، الصحفي الذي كان أول من أدخل الدرون إلى غزة: « لم يصلنا أو نسمع بأي بيان منه (الجيش الإسرائيلي)، ولكن كان هناك نمط واضح في استهداف أي صحفي يستخدم الدرون ». ويضيف: « لديهم أدوات لتعطيلها أو حتى الاستيلاء عليها، من دون الحكم على الصحفي بالموت. هناك العديد من الخيارات الأخرى قبل إطلاق الصاروخ ».
في ثلاث من الهجمات الأربع التي قتل فيها صحفيون يعملون بطائرات درون، والتي وثقها هذا التحقيق، نجت الطائرات، ولم ينجُ أصحابها.
رد الجيش الاسرائيليتوجه فريق مشروع غزة (الجزء الثاني)، بأسئلة للجيش الإسرائيلي عما إذا كانت لديه سياسة محددة بشأن طائرات الدرون في غزة، وكيف يميز بين المدنيين والأهداف العسكرية. كما طلبنا معلومات حول العديد من الحوادث. لم يردّ الجيش الإسرائيلي على الأسئلة المتعلقة بحوادث محددة، لكنه قال إنه « يرفض بشكل قاطع الادعاء بوجود هجوم ممنهج على الصحفيين ».
ويقول الجيش في ردّه إنه « يتخذ جميع التدابير الممكنة للتخفيف من الأذى الذي يلحق بالمدنيين، بمن فيهم الصحفيون ». وأضاف أنه لا يستهدف سوى « الأهداف العسكرية » والأفراد المشاركين مباشرة في الأعمال العدائية، وأن الحالات الاستثنائية تخضع للمراجعة الداخلية، من دون أن يُحدّد ما إذا كانت أي من الحالات الواردة في هذا التحقيق قد خضعت لتحقيق داخلي.
العودة إلى 15 مارس – الاتهاماتفي أعقاب غارات 15 مارس، التي أدت إلى مقتل البسوس، ادّعى الجيش الإسرائيلي أنه استهدف « إرهابيين »، من بينهم اثنان كانا يُشغّلان طائرة من دون طيار، ونشر قائمة بالأسماء والصور. لكنّ بيان الجيش تضمن أسماء أشخاص تم تحديد هويتهم بشكل خاطئ، وشخصاً واحداً على الأقل لم يُقتل في الغارات، وفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
لم يورد البيان اسم أو صورة البسوس الذي كان يصور بالدرون. وبدلاً من ذلك، أدرج الجيش الإسرائيلي اسم شخص آخر مشابهاً، ووصفه بأنه « إرهابي من حماس يعمل تحت غطاء صحفي »، وأشار إلى وجود صلة بين طائرة الدرون التي استُخدمت في بيت لاهيا وحركة الجهاد الإسلامي.
وقالت مؤسسة الخير إنها « تدحض تماماً » أي ادعاءات بأن فريقها كان على صلة بالمسلحين. وأضافت أن أعضاء الفريق تم استهدافهم عمداً، أثناء قيامهم « بمهمة إنسانية بحتة ».
لجنة حماية الصحفيين: هؤلاء صحفيونأدرجت لجنة حماية الصحفيين على موقعها الإلكتروني الصحفيين الخمسة الذين قُتلوا بطائرات من دون طيار، بمن فيهم البسوس. وصنّفت مقتله « جريمة قتل »، وهو تصنيف تحتفظ به المنظمة للحالات التي يبدو فيها أن الصحفي قد استُهدف عمداً.
في مقابلات أجرتها أريج وشركاؤها في الجولة الأولى من مشروع غزة العام الماضي (2024)، يقول كارلوس مارتينيز دي لا سيرنا، مدير البرامج في لجنة حماية الصحفيين: « هناك نمط من الجيش الإسرائيلي في اتهام الصحفيين بأشياء مختلفة، وأحياناً تصريحات متناقضة في غضون أيام، لأن هذه هي الطريقة التي تعمل بها البروباغاندا، في البداية تزرع بذرة الشك… لكن لا يوجد دليل من أي نوع ».
يقول المشهراوي إن شركته أوقفت استخدام الدرون بسبب مخاوف على سلامة الفريق، خاصة بعد غارة 15 مارس: « سيتم استئناف التصوير بالدرون في حال التأكد التام من عدم استهداف الصحفيين بسبب استخدامهم له خلال عملهم الصحفي ».
الساعة الواحدة والنصف صباحاً في الليلة التي سبقت مقتل البسوس، يتذكر الطباطيبي مكالمة هاتفية معه تحدثا فيها عن أمور حياتهما. كان البسوس (25 عاماً) يخطط للزواج. يقول الطباطيبي ضاحكاً بهدوء رغم الألم: « احنا في غزة بنتزوج بدري ». تحدثا لأكثر من ساعة، وهي أطول مكالمة بينهما منذ فترة. لم يكن يعلم أنها ستكون الأخيرة.
ساهم في إعداد هذا التحقيق: فراس الطويل، فرح جلاد، ظريفة أبو قورة (أريج)، جايك جودين، ثوماس بوردو، شارلوت ماهر (بيلينغكات)، ماريانا أبرو (فوربيدن ستوريز)، ماريا ريتير (بيبر تريل ميديا)