زحام حب بين أحضان عُمان الحبيبة
تاريخ النشر: 27th, November 2023 GMT
منى بنت حمد البلوشية
عندما أتحدث عن وطن كوطني يسعدني أن تكون أبيات شعر تعلو كل حديثي، فذاقت ذائقتي حروفاً قرأتها من قصيدة "نسل السلاطين" للدكتور حمير المحروقي، وأصبحتُ أرددها وأقرأها منذ ذلك الحين:
"أهدي إليكِ محبتي وبياني // يا قصة تحيا بكل لساني
يا من علاكِ أعزني وأمدني // بفصاحة المعنى وحسن بيانِ
أقسمتُ أن العشق أنتِ حروفه // أنتِ الهوى يا أجمل البلدان"
قرأتها وباقي أبياتها التي أصبحت عالقة بذهني وجدتها افتتاحية لحروف مقالتي هذه.
الجميع خطط لوجهته ولرحلته خلال إجازة اليوم الوطني الـ53 المجيد، وكانت الخطط أكثرها متجهة لأن تكون بين أحضان الوطن الحبيب، وكم أبهجني رؤية المواطن العزيز لأن تكون وجهته عُمان وبين أروقة ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
وكم أسعدني مشاهدة ذلك الزحام على متحف عُمان عبر الزمان بولاية منح بمحافظة الداخلية، حيث بلغ عدد الزائرين له في أول أيام إجازة اليوم الوطني ما يقارب 11800 زائر من داخل السلطنة وخارجها، هذا المتحف الذي وضع حجر الأساس له جلالة السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- في الرابع عشر من يوليو 2015 على مساحة 35000 متر مربع هذا المتحف الذي خُصص ليروي تاريخ سلطنة عُمان على مر العصور التي مرت بها، ليروي تاريخ السلطنة عبر مختلف الأزمنة، وتفضل جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- بافتتاحه في الثالث عشر من مارس 2023.
متحف عمان عبر الزمان من أبرز المتاحف التاريخية العريقة التي شهدتها السلطنة وصولا لعصر النهضة الحديثة المتجددة بجانب ما شهدته السلطنة من إنجازات مستمرة، ويعتبر هذا المتحف من المتاحف المهمة في السلطنة ووجهة لكل المواطنين، والزائرين من داخل وخارج السلطنة، وقد كانت لي زيارة له في شهر سبتمبر الفائت وأبهرني بأن يكون تحفة فنية ومعمارية وما يحتويه من أحدث التقنيات الذي احتواه، ولا ننس وجود المرشد الذي يأخذك من دخولك المتحف حتى نهايته، مرشدًا وشارحًا كل ما به من أزمنة وعصور ومراحل ما يحتويه المتحف بكل إتقان، وستتجول بين أروقته ما يقارب ساعتين وأكثر حتى يستطيع الزائر استكماله ومشاهدة حتى العروض التي يشرح بها من العصور السابقة ومنذ عام 1970 وحتى زمننا هذا وما يحتويه من تقنيات عالية الجودة.
ومن ناحية أخرى وفي مقالتي هذه أكتب عن نزوى بيضة الإسلام، وقلعتها وسوقها الذي أصبح وجهة للزائر العماني والسائح في فترة أيام إجازة اليوم الوطني، تلك الوجهة التي أصبحت مكتظة ما بين القلعة وسوقها وأزقتها ونزلها، ما أروع ذلك الحراك الذي شاهدناه فيها وزحام حب واحتضان للوطن بها، عمان الماضي والحاضر والمستقبل نجدها بين محافظاتها ومناطقها وولاياتها وما بين قلاعها وحصونها، وما بين أوديتها التي قصدها المواطنون ليقضوا أيام إجازتهم بها، وبكل حب يحتضنون كل بقعة على أرض عمان الحبيبة لأن تكون وجهتهم.
وجهتهم لم تكن فقط هنا بل في جميع بقاع أرض الوطن وما بين حدائقها، وقلاعها وحصونها والمحميات الموجودة بها، لنُعرف أبناء الوطن بأنه هو الذي يستحق أن تكون أيام قضاء إجازاتنا بين أنفاس ترابه النفيس والغالي، فالوجهة هي عمان وحسب.
هذا هو حب الوطن أن يعيش المواطن بين أحضانه وترابه، حاضنا لأبنائه يجوب بهم الوطن وأن يغرس حبه في نفوسهم، ففترة الإجازات متنفس للجميع ولأن تكون وجهتنا عُمان، فالوطن هو القلب الذي ينبض بنا ويسكننا والروح التي تسري بنا والحب الذي يجري بعروقنا، وأن حب الوطن فطرة إنسانية منذ أن كنَّا في أرحام أمهاتنا أودعها الله تعالى في نفوس البشر.
ما أروع أن يجعل المرء من نفسه موجهًا ومرشدًا لوطنه، مُكرِّسًا جهده وطاقاته لأجله، ويجعل من نهجه نهجا راسخا متألقا دائما لارتقاء وطنه وحبه له، وما على الإنسان إلا أن يقدم نفسه خدمة لهذا الوطن المعطاء، وأن يكون الجميع يدا واحدة لأجله وإعلاء رايته وارتقائه في سماء المجد والعزة وأن يكون الجميع كالجسد الواحد لأجل ترابه النفيس.
هذه بلادي سأظل أتغنى بحبها وعشقها ما حييت، وستظل وجهة حب في الزحام وبانفرادي، "يا بلادي هاكِ قلبي إنه قلب حر // ما ارتضى في العمر شيئًا".
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الآثار السُّودانيَّة … إنهم يسرقون التاريخ!
(1)
قبل عشر سنوات من تاريخ نشر مقال الدُّكتور الدبلوماسي حمد عبد العزيز الكواري، رئيس مكتبة قطر الوطنية، بعنوان "السُّودان … جرح الحضارة النَّازف: تدمير المتحف القوميِّ السُّودانيِّ"، أعدَّ الصَّحفيَّان رجاء نمر وحسن أبو الرِّيش تحقيقًا صحفيًّا عن الآثار السُّودانيَّة بعنوان "الآثار السُّودانيَّة: إنَّهم يسرقون التَّاريخ"، نشرته صحيفة التَّيَّار في يوليو 2015. تناول الصَّحفيِّان المشار إليهما في ذلك التَّقرير موضوع سرقة الآثار السُّودانيَّة، وعرضا بشكل مفصَّل التَّهديدات الكبيرة الَّتي تواجه التُّراث الثَّقافيَّ والتَّاريخيَّ في السُّودان. وأبانا حجم الاعتداءات والسَّرقات، الَّتي تعرَّضت لها الآثار السُّودانيَّة من قِبَل عصابات النَّهب المحلِّيَّة والأجنبيَّة. وأشارا إلى الدَّور الَّذي تقوم به مافيا الآثار في المناطق الغنيَّة بالموارد الأثريَّة مثل مرويِّ البجراويَّة وجبل البركل. والآن يشهد السُّودان أكبر عمليَّة نهب في تاريخه، بعد العمليَّة الَّتي قام بها الطَّبيب الإيطاليُّ جوزيبي فريليني (1797-1870)، الَّذي رافق حملة غزو محمد علي باشا للسُّودان عام 1820. وبعد انتهاء خدماته مع الجيش الغازي عام 1934، أخذ فريليني إذناً من خورشيد باشا، حكمدار عام السودان؛ للتنقيب في بعض المواقع الأثرية، ثم شدّ رحاله إلى مرويِّ البجراويَّة ومنطقة جبل البركل ونوري، وقام بتفجير العديد من الأهرامات بحثًا عن الذَّهب والمجوهرات الكوشيَّة. ويقال إنَّه قد سرق مقتنيات مقبرة الملكة أماني شكتو (Amanishakheto)، وبعد عودة إلى بلاده سارع بعرضها على المتاحف الأوروبِّيَّة في ميونخ وبرلين. وقد وثَّق لهذه العمليَّة الإجراميَّة بول ثيروكس (Paul Theroux)، الرِّوائيَّ الأمريكيَّ، الَّذي أكَّد أنَّ فريليني قد قام بنسف قمم الأهرامات بالدِّيناميت، فشوِّهها وأفقدها قيمتها الجماليَّة وطمس أسرارها، وسرق مكتنزاتها الثمينة. والعملية الثانية تحدث الآن أمام أعيننا، حيث نُهبت آثار ومقتنيات متحف السودان القومي وغيره من المتاحف الأخرى. لمزيد من التفصيل، ينظر:
(Yvonne Markowitz and Peter Lacovara, “The Ferlini Treasure in Archeological Perspective”, Journal of the American Research Center in Egypt, Vol. 33 (1996), pp. 1-9).
(2)
متحف السُّودان القوميِّ ونهب آثاره
يُعَدُّ متحف السُّودان القوميِّ في الخرطوم، أكبر المتاحف السُّودانيَّة على الإطلاق. بدأ العمل فيه في النِّصف الثَّاني من ستينيَّات القرن العشرين، واُفتتح عام 1971 في عهد حكومة مايو (1969-1985). ويحتلَّ المتحف موقعًا متميِّزًا في العاصمة الخرطوم، إذ يطلُّ على شارع النِّيل وجوار مبنى قاعة الصَّداقة، ويفتح مدخله الرَّئيس صوب النِّيل الأزرق، وقبل التقاء النِّيلين في منطقة المقرن. وقد صُمَّمت مباني المتحف بطريقة رائعة، إذ يوجد في فناء مدخله الرَّئيس متحف مفتوح، يحتوي على عدد من المعابد والمدافن والنَّصب التِّذكاريَّة والتَّماثيل، الَّتي تعكس طرفًا من الآثار النَّوبيَّة السُّودانيَّة الَّتي غمرتها مياه السَّدِّ العالي، وقد وضعت هذه القطع الآثاريَّة حول حوض مائيّ، تعطي الزَّائر انطباعًا بأنَّها في موضعها الأصليِّ. وكانت قاعات المتحف تحتوي على مقتنيات أثرية من مختلف أنحاء السودان، يرجع تاريخها إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث تشمل الآثار الحجرية، والجلدية، والبرونزية، والحديدية، والخشبية، الأدوات الفخارية، والمنحوتات، والصور الحائطية، فضلاً الآثار المسيحية والإسلامية، التي تشكل جزءًا من هوية السودان.
وعندما اقتحمت قوَّات الدَّعم السَّريع مباني متحف السودان القومي في بداية هذه الحرب اللَّعينة تطير العارفون بمقتنياته شرًّا، وبعد تحرير الخرطوم نقلت عدسات القنوات الفضائية أنَّ مقتنيات المتحف قد نهبت. ولذلك وصف الكواري ما حدث بأنَّه: "أمر محزن. . . أنَّ نرى التَّاريخ يباد تحت أقدام الطَّامعين، وأن يُسرق ما لا يعوِّض، ويُطمس ما لا يُقدَّر بثمن." نعم، يمكن إعادة إعمار الأضرار المادِّيَّة التي لحقت بمباني المتحف، و"لكن كيف يُعاد ما سُرق؟ كيف تُبعث من جديد قطع أثريَّة عمرها آلاف السِّنين؟ كيف يُعوِّض شعب تُسلب ذاكرته وهو ينزف؟ إنَّ ما يحدث في السُّودان ليس مجرَّد حرب على السُّلطة، بل هو جريمة في حقِّ الحضارة، جريمة ترتكب أمام أعين العالم، الَّذي يراقب بصمت، بل ويُسهم البعض في إشعالها. وما يُؤلم أكثر، أن تُمحى آثار هذا البلد العظيم، بينما أهل السُّودان يُواجهون القتل والتَّشريد والجوع، ويُترك وطنهم فريسةً للصِّراعات وأطماع العابثين."
(3)
أسئلة الكواري تحتاج إلى إجابات ممكنة؟
عليه يُرفع النداء إلى أبناء السُّودان الحادِّبين على الحفاظ على آثارهم التَّاريخيَّة أن يشرعوا في القيام بحملة لإعادة ما نُهب. فمقتنيات السُّودان الأثريَّة ليست لها علاقة بدولة "56" المزعومة، بل تشكِّل جزءًا من تاريخ البلاد وهويَّتها، والشعب الذي لا يحافظ على تاريخه، لا يستطيع أنَّ يبنّي مجدًا حاضرًا. فالإجابة عن أسئلة الكواري تحتاج إلى وعي بقيمة الآثار المنهوبة، وإلى عمل منظَّم يبدأ بالحفاظ على الموجود، والبحث عن المنهوب وسبل إرجاعه؛ وذلك عملًا بالمثل السُّوداني القائل: "الجفلن خلِّهنَّ أقرع الواقفات". فنبدأ بالحفاظ على الموجود، ثمَّ نشرع في استرداد المنهوب. فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة.
ahmedabushouk62@hotmail.com