لجريدة عمان:
2025-04-03@01:28:16 GMT

حل الدولتين والاقتصادين

تاريخ النشر: 26th, November 2023 GMT

يرى بعض الناس أن الحرب الدموية التي تدور رحاها في غزة ربما حطمت الإجماع الذي دام 35 عامًا على أن الحل الوحيد الممكن للمصاعب التي تحيط بالمنطقة يتلخص في إقامة دولتين، «فلسطين وإسرائيل» تعيشان بسلام جنبا إلى جنب. بيد أن آخرين يرون أن الفظائع التي شهدناها منذ السابع من أكتوبر قد تبشر بإحياء ذلك الهدف على وجه التحديد.

في تصريحات أخيرة، أَكَّـد مسؤولون أمريكيون وفلسطينيون وعرب أن حل الدولتين لابد أن يخرج من أنقاض هذه الحرب كما ينبعث طائر العنقاء من تحت الرماد. لا يملك العقلاء في كل مكان إلا الأمل في أن يظل هذا الحل كفيلا بتوفير الإطار المناسب لوضع حد بات نهائيا ومتفقا عليه من الطرفين لصراع دام قرنا من الزمن. الواقع أن توقيت هذا الاهتمام المتجدد لا يخلو من مفارقة ساخرة. ففي شهر نوفمبر، يحتفل الفلسطينيون بذكرى «إعلان الاستقلال» من جانب منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1988، الذي صدر في المنفى من الجزائر في أوج الانتفاضة الأولى. وقد قبلت الفصائل الفلسطينية كافة بتقسيم فلسطين ووجود إسرائيل بحكم الأمر الواقع ضمن حدودها قبل عام 1967.

بإصدار هذا الإعلان الخارق للعادة، حددت منظمة التحرير الفلسطينية رسميا شرطا رئيسا واحدا للسلام: تحرير المساحة التي تبلغ 22% من أرض فلسطين، والتي تتألف من الضفة الغربية المحتلة (بما في ذلك القدس الشرقية)، وقطاع غزة، من كل المستوطنين الإسرائيليين. خلافا لذلك، من غير الممكن أبدا أن تكون هذه المنطقة صالحة كمساحة تقوم عليها دولة مستقلة ذات سيادة تتمتع بمواردها الطبيعية وحدودها المعترف بها. بعد إعلان الجزائر مباشرة، بدأ خبراء الاقتصاد الفلسطينيون يتصدون للعواقب الاقتصادية المترتبة على صيغة الدولتين. في عام 1990، خلصت دراسة شاملة أجرتها منظمة التحرير الفلسطينية إلى أن دولة فلسطينية متصلة على الضفة الغربية وغزة، وعاصمتها القدس الشرقية، قد تكون قابلة للحياة اقتصاديا بالفعل. ولكن نظرا لضعف قاعدة الموارد، ومساحة الأرض الضئيلة، والتحديات المتوقعة المتمثلة في استيعاب اللاجئين والعائدين الفلسطينيين، فإن القدرة على البقاء كانت تعتمد في المقام الأول على انسحاب إسرائيل عسكريا وإخلاء وتفكيك المستوطنات. من دون انسحاب إسرائيل على هذا النحو، يصبح من غير الممكن ضمان التنمية الاقتصادية؛ لأن أي مستثمر لن يثق في السيادة الفلسطينية.

كانت اتفاقيات أوسلو في عام 1993، والتي قبلتها منظمة التحرير الفلسطينية، قاصرة عن تلبية هذا الشرط. لكنها بدلا من ذلك منحت السلطة الفلسطينية الحكم الذاتي المدني إلى حد كبير وسط الاستيطان الإسرائيلي المستمر، الأمر الذي دفع التخطيط الاقتصادي قسرا إلى مجال لم يكن معروفا حتى ذلك الوقت والذي يتمثل في «بناء دولة دون سيادة».

على مدار السنوات الخمس اللاحقة، كان المفترض أن تتوصل المفاوضات الانتقالية إلى اتفاق «الوضع الدائم» بشأن كل القضايا الخلافية؛ وكادت هذه النتيجة تتحقق في كامب ديفيد عام 2000.

لكن المفاوضات فشلت في نهاية المطاف، فأفضى ذلك إلى اندلاع الانتفاضة الثانية التي دامت من عام 2000 إلى عام 2005، والتي سرعان ما تحولت إلى العنف، وانتهت إلى رد عسكري إسرائيلي ساحق. وبدا حل الدولتين أبعد منالًا، وتقلصت صلاحيات السلطة الفلسطينية التي كانت محدودة بالفعل. لم يتسبب الانقسام بين فتح وحماس (الضفة الغربية وغزة) منذ عام 2006 في خلق الشقاق السياسي فحسب، بل أدى أيضا إلى نشوء تشوهات اقتصادية أعظم ومجموعة من التبعيات للاقتصاد الإسرائيلي المهيمن، والذي كان في ذلك الحين يشهد طفرة ازدهار طويلة الأمد.

على مدار السنوات العشرين الأخيرة، كرس خبراء الاقتصاد الفلسطينيون (وأنا منهم) قدرا كبيرا من الوقت والجهد للتخطيط من أجل «اقتصاد وطني» فلسطيني في إطار حل الدولتين. ولكن عندما نزعم أن بناء اقتصاد فلسطيني متماسك ومستقل ومُـنتِـج يظل في حكم الممكن حتى في ظل الاحتلال أو الحصار، فإننا بهذا نتخلى ضمنيا عن مبدأ منظمة التحرير الفلسطينية السابق بأن التنمية مستحيلة في غياب السيادة.

الآن، بات الإرث الاقتصادي الذي خلفته اتفاقيات أوسلو واضحا. إذ تهيمن إسرائيل على الاقتصاد الكلي الفلسطيني، من الـعُـملة والإيرادات الضريبية، وقنوات التجارة، وأسواق العمل إلى القدرة على الوصول إلى الطاقة والموارد الطبيعية، وكل ما عدا ذلك من مقومات الجدوى الاقتصادية ــ وبطبيعة الحال يمكنها أن تتلاعب بكل ما سبق. وعلى هذا فلم يعد من المعقول أن نزعم أن دولة فلسطينية مستقلة من الممكن أن تنشأ وسط أرخبيل من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وتضييق الخناق البيئي الديموغرافي الذي تخضع له القدس الشرقية، والآن تدمير غزة والكارثة الإنسانية التي يعيشها 2.2 مليون مدني. الواقع أن حتى أكثر أهل الاقتصاد شاعرية وإفراطا في التفاؤل سيشعرون بالعجز إزاء حجم ومدى تعقيد جهود إعادة البناء التي تفرضها هذه الحرب.

ما يزيد الطين بلة أن إحدى النتائج غير المباشرة للحرب تتمثل في انهيار الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. قبل فترة طويلة من السابع من أكتوبر، كانت التنمية الاقتصادية الفلسطينية تحولت إلى أضغاث أحلام، وخاصة مع صعود حكومة إسرائيلية عازمة كل العزم على الالتزام بأجندة القوميين المتدينين والمستوطنين المسيانيين. لقد دفعوا ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية إلى حافة الانهيار منذ بدأت الحرب، ودعوا صراحة إلى إخضاعهم بالقوة أو تهجيرهم. كما أَكَّـدَ الحكماء (مجموعة مستقلة من القادة العالميين) في رسالة مفتوحة مؤخرا، فإن المجتمع الدولي يتعين عليه أن يسارع إلى التحرك إذا كان راغبا في تحويل كارثة اليوم إلى فرصة أخيرة لتحقيق نتيجة إقامة الدولتين ــ أو فرضها إذا لزم الأمر. بطبيعة الحال، يرى كثيرون من الإسرائيليين الذين يحتلون مقاعد السلطة حاليا أن مثل هذه الفكرة قاتلة. ولكن بما أن التطرف داخل الائتلاف الإسرائيلي الحاكم حاليا لا يمكن تجاهله، فلابد من احتوائه، وخاصة من قِـبَـل الإسرائيليين من مُـحبي السلام وحلفائهم الأمريكيين. حتى في هذه الساعة الحالكة، ربما لا تزال الفرصة قائمة للتوصل إلى اتفاق «حقيقي» يستند إلى حل الدولتين؛ لأننا نعلم بالفعل ماذا يجب أن يتضمن.

لا تزال المتطلبات الأصلية التي حددتها منظمة التحرير الفلسطينية لضمان القدرة على البقاء اقتصاديا صالحة حتى يومنا هذا كما كانت قبل 35 عامًا؛ لأنها تمثل الأساس المادي الوحيد للتوصل إلى حل سياسي دائم وقابل للتطبيق.

لعقود من الزمن، ظل خبراء الاقتصاد والتخطيط الفلسطينيون عاكفين على إعداد الأسس الاقتصادية لقيام دولة فلسطين ذات السيادة. وقد واصلنا السعي وراء هذا الهدف على الرغم من انحسار آفاقه أمام نواظرنا. ولكن بعد معاينة الهوة السحيقة التي جرتهم إليها هذه الحرب، فهل لا يزال عدد كاف من الإسرائيليين والفلسطينيين يملكون من الشجاعة والبصيرة السياسية القدر الذي يدفعهم إلى اختيار السلام بدلا من المزيد من العنف؟.

رجا الخالدي المدير العام لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس).

خدمة بروجيكت سنديكيت

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: منظمة التحریر الفلسطینیة الضفة الغربیة القدس الشرقیة حل الدولتین

إقرأ أيضاً:

«القاهرة للدراسات الاقتصادية» يكشف فوائد حصول مصر على الشريحة الثانية من اتفاقية الشراكة الأوروبية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، إن مصر ستجني الكثير من الفوائد الاقتصادية الهامة من حصولها على الشريحة الثانية من اتفاقية الشراكة الأوروبية، بعد موافقة الاتحاد الأوروبي بأغلبية 452 عضوًا، علي إتاحة الشريحة الثانية من حزمة الدعم المالي لمصر ضمن الشراكة الاستراتيجية والشاملة مع مصر.

وأوضح مدير مركز القاهرة للدراسات، في تصريحات خاصة لـ«البوابة نيوز» أنه  قد سبق لمصر حصولها على الشريحة الأولى في ديسمبر الماضي 2024 وقدرها مليار يورو، ويبلغ إجمالي الشراكة نحو  7.4 مليار يورو، والتي وقعت عليها مصر مع الاتحاد الاوروبي  في مارس 2024، منقسمه إلى دعم الموازنة العامة بـ 5 مليار يورو، وهي عبارة عن " قرض ميسر"، وتدريب ومنح في حدود 600 مليون يورو، و1.8 مليار يورو مشروعات واستثمارات. 

وأضاف السيد، من المتوقع ان تحصل مصر علي الشريحة الثانية في آخر شهر إبريل الجاري، ولاشك ان دخول الشريحة الثانية في هذا التوقيت سيكون له أثر فعال كبير على مستوي الاحتياطي النقدي المصري الذي تجاوز  47 مليار دولار  من ناحية،  وأيضا سيساهم في سد جزئي للفجوة التمويلية من العملة الأجنبية التي تحتاج اليها الدولة المصرية لمواجهة التزاماتها المالية.

كما أنه سيكون له أثر إيجابي قوي على الاستثمارات لأنه من المتفق عليه أنه جزء من اتفاقية الشراكة المصرية الأوروبية، سوف يتم استثماره في قطاعات هامة وحيوية للاقتصاد القومي، مثل (الطاقة النظيفة والتصنيع والأمن الغذائي) مما يعني زيادة الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على الاقتصاد المصري وهو أمر هام يساعد على تشجيع القطاعات الإنتاجية وزيادة الصادرات ، حيث ان زيادة الاستثمارات الأجنبية تؤدي إلى توفير فرص عمل جديدة مما يساهم  في انخفاض معدلات البطالة البالغة 6.8 %، كما  تساهم هذه الشريحة في استقرار السياسات النقدية وتقليل الضغوط. 

وأكد الدكتور عبد المنعم السيد في تصريحاته لـ"البوابة" أنه  يجب مراعاة أن هذه الشريحة ليست بأكملها منحة  ولكن هي “ قرض بفائدة ميسرة” لهذا  يجب حسن استغلالها وإداراتها بما يساهم ويساعد على تحقيق أعلى استفادة منها وىدخولها في مشروعات تنموية وإنتاجية تحقق عوائد مالية.

مشددا على أن حصول مصر على هذه الشريحة سيقلل من لجوء مصر للأسواق الدولة لطرح سندات وأذون خزانة بعوائد مرتفعة، وهو ما يخفف من أعباء الديون على الموازنة العامة للدولة. 
 

مقالات مشابهة

  • ديمقراطيون بمجلس الشيوخ الأمريكي ينتقدون سياسات ترامب الاقتصادية والجمركية
  • تركيا.. تحقيق بدعوات "المقاطعة الاقتصادية" لشركات وسلع مرتبطة بأردوغان
  • تركيا.. تحقيق بدعوات المقاطعة الاقتصادية لشركات وسلع مرتبطة بأردوغان
  • الشراكة الاقتصادية الشاملة للإمارات مع كوستاريكا وموريشيوس تدخل حيز التنفيذ
  • "الشراكة الاقتصادية الشاملة" للإمارات مع كوستاريكا وموريشيوس تدخل حيز التنفيذ
  • «القاهرة للدراسات الاقتصادية» يكشف فوائد حصول مصر على الشريحة الثانية من اتفاقية الشراكة الأوروبية
  • تفاصيل اتصال ترامب بالسيسي.. جهود الوساطة والخسائر الاقتصادية
  • المنطقة الاقتصادية المتكاملة بالظاهرة.. فرص واعدة للدفع بالتنويع الاقتصادي
  • ضغط متوقع على أسعار النفط في 2025 وسط التقلبات الاقتصادية
  • الخارجية الروسية: لن ننسى ولن نغفر كل شيء بسرعة للشركات الأوروبية التي انسحبت من سوقنا