"مصدر الهداية والحكمة".. تأملات في سورة البقرة
تاريخ النشر: 26th, November 2023 GMT
"مصدر الهداية والحكمة".. تأملات في سورة البقرة.. تعد سورة البقرة أطول سورة في القرآن الكريم، وتحتوي على 286 آية، وتعد هذه السورة واحدة من أهم السور في القرآن الكريم، حيث تحتوي على العديد من القصص والحكم والتوجيهات الهامة التي تعطي للمسلمين دروسًا قيمة وتوجيهات واضحة لحياتهم اليومية.
وفيما يلي مقال كامل عن سورة البقرة وفضلها والدروس المستفادة منها.
فضل سورة البقرة:-
"نور يومك بقراءة سورة الواقعة".. فضل البداية بالذكر الصباحي سورة البقرة رحلة من النور والبركة "فضل وأثر في حياتنا اليومية" فضل قراءة سورة البقرة.. ( تحمي من الشيطان)تحظى سورة البقرة بمكانة فضيلة في الإسلام، حيث يروى عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة"، مما يشير إلى أهمية تلاوة هذه السورة وتأثيرها الإيجابي في تطهير المنزل من الشياطين.
وتعد سورة البقرة أيضًا مصدرًا للبركة والرحمة، حيث يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اقرؤوا البقرة فإنَّ أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيع البطلة أن تقرأها"، مما يعني أن تلاوة سورة البقرة يجلب البركة والخير وتركها يسبب الندم.
الدروس المستفادة من سورة البقرةنقدم لكم في السطور التالية الدروس المستفادة من سورة البقرة:-
"مصدر الهداية والحكمة".. تأملات في سورة البقرة1- الإيمان والتوحيد: تحتوي سورة البقرة على توجيهات وتذكيرات متعددة بأهمية الإيمان بالله وتوحيده، وتحذر من الشرك والتدين السطحي. كما توضح أهمية الاعتقاد بالله ورسله واليوم الآخر.
2- العدل والقضاء: تقدم سورة البقرة العديد من الأحكام والتوجيهات المتعلقة بالعدل والقضاء، فهي تحث المسلمين على تحقيق العدل في القضايا والمعاملات المختلفة وتحذر من الظلم والاستبداد.
3- العبادة والصلاة: تحتوي سورة البقرة على توجيهات وتذكيرات بأهمية العبادة وأداء الصلاة، فهي تذكر المسلمين بأن الصلاة هي ركن من أركان الإسلام وتحث على أداء الصلاة بتركيز وتفانٍ.
4- الصبر والتحمل: تقدم سورة البقرة العديد من القصص والأمثلة التي تعلم المسلمين أهمية الصبر والتحمل في مواجهة التحديات والابالأحداث في الحياة. فهي تذكر بأن الله يحب المتحملين ويثني على صبرهم وأن الصبر هو سلاح قوي في مواجهة الصعاب.
5- الإخلاص والعمل الصالح: تحث سورة البقرة على الإخلاص في العبادة والأعمال الصالحة، فهي تذكر المسلمين بأن الأعمال الصالحة هي التي تقربهم من الله وتجلب لهم الثواب الكبير في الدنيا والآخرة.
6- العلاقات الاجتماعية والأخلاق: تحتوي سورة البقرة على توجيهات وتذكيرات بأهمية العلاقات الاجتماعية الصحيحة والأخلاق الحسنة. فهي تحث المسلمين على التعاون والتعاطف والعدل في التعامل مع الآخرين وتحذر من الغيبة والنميمة والظلم في العلاقات الاجتماعية.
7- الاستجابة لله والتوبة: تحث سورة البقرة على الاستجابة لأمر الله والتوبة من الذنوب والخطايا. فهي تعلم المسلمين أن الله غفور رحيم وأنه يقبل توبة العباد ويرحمهم ويغفر لهم.
إن سورة البقرة تحوي دروسًا عظيمة وتوجيهات قيمة يمكن للمسلمين أن يستفيدوا منها في حياتهم اليومية.
ومن المهم أن يقرأ المسلمون هذه السورة بتدبر وتأمل، وأن يحاولوا تطبيق تعاليمها في حياتهم ليكونوا من الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه.
المصدر: بوابة الفجر
كلمات دلالية: سورة البقرة فضل سورة البقرة سورة البقرة على مصدر ا
إقرأ أيضاً:
أندرو مارش حول الديمقراطية المسلمة.. تأملات في فكر راشد الغنوشي
شغلت أسئلة الديمقراطية والإسلام والحداثة الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، وظلت الإجابات المختلفة المقدمة من قبل الحركات الإسلامية ومواقفها من هذه القضايا الأساسية، أحد المعايير الأساسية التي اعتمدها المفكرون والباحثون العرب والأجانب في تصنيف وتمييز الحركات الإسلامية بعضها عن بعض.
ففي الوقت الذي يعتبر فيه بعض الإسلاميين أن هناك إمكانية للتوفيق بين الإسلام والديمقراطية، ويرى فريق منهم في الديمقراطية تطبيقا لمفهوم الشورى في القرآن استنادا إلى ما جاء في القرآن والسنة النبوية وبعض الآراء الاستثنائية في الفقه الإسلامي التي تعتبر الشورى ملزمة، نجد فريقا ثانيا يعتبر أن الديمقراطية والشورى سواء.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2ما الذي جرى لليابان بعد أن اكتشفت الإسلام؟list 2 of 2الأيديولوجيا والقتل الجماعي.. ما الذي يدفع البشر لارتكاب الإبادة؟end of listويذهب إلى الاستدلال على ذلك بوثيقة المدينة التي يرى فيها "أول عقد مواطنة في التاريخ" لما فيها من حث على العدل والتعددية وحماية الأقليات واعتبار اليهود والمسلمين أمة واحدة.
كما أن هناك فريقا آخر من الإسلاميين يعتبر أن الديمقراطية والإسلام ضدان لا يجتمعان، وينقسم هؤلاء بدورهم إلى فريقين: فريق تقليدي وآخر جهادي، ويستشهد الفريقان بالكتاب والسنة لإثبات أن الحكم لله وليس للشعب، وأن التشريع لله وليس للبرلمان.
ويرى الفريق الأول أن الديمقراطية تتعارض مع التصور الإسلامي للسلطة والحكم، فيما يتجاوز الفريق الثاني التعارض الفقهي إلى المفاصلة العقدية، ويرى في الديمقراطية كفرا ويصفها بـ"طاغوت العصر".
ولعل هذه التفريعات والتصورات المختلفة المبنية على قناعات منها الراسخ والمتحول المبني على التحولات المجتمعية والتغيرات الفكرية والسياسية والإستراتيجية وحتى الأيديولوجية، والناتج عن موجة الديمقراطية العالمية التي هبت على العالم أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
إعلانوهذا ما أنتج الكثيرَ من الكتابات العربية والأجنبية التي أغنت المكتبة العربية في هذا الاتجاه، وسلطت الضوء على الكثير من القضايا الشائكة المتعلقة بالتجديد الديني والحداثة والديمقراطية والليبرالية، والإسلام السياسي ومنزلقاته الخطيرة، خاصة بعد موجة "الربيع العربي" ومطالبة الشعوب العربية بالحرية والكرامة والمساواة والديمقراطية ومشاركة المرأة في الحياة السياسية.
ومن بين هذه الكتب نجد كتابات أشهر القادة الإسلاميين في العالم الإسلامي والمجتهدين في الفكر والفقه الإسلامي المعاصرين:
وهما المفكر والزعيم السياسي والديني السوداني الراحل حسن عبد الله الترابي صاحب كتاب "السياسة والحكم: النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع"، الذي أصدره عام 2003 وهو في السجن بعد اختلافه مع نظام الحكم في السودان الذي كان هو عقله المدبر. والمفكر وزعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي المعتقل منذ عام 2023 صاحب كتاب "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" بجزأيه الأول الصادر عام 1993 والثاني الصادر عام 2012. إضافة إلى كتابه "الديمقراطية وحقوق الإنسان في الإسلام" الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات وعن الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2012. الغنوشي والديمقراطية المسلمةإن هذه الأعمال المجددة للشيخ راشد الغنوشي وغيرها من كتاباته، التي فاقت الـ20 مؤلفا، والتي قدم فيها اجتهادات في مواضيع الحريات والعلاقة بين الديمقراطية والإسلام، وتشبع بها حتى على مستوى الممارسة السياسية بتونس والمواقف التي تصدر عنه، هي ما أثار الاهتمام بهذا الرجل السياسي والمفكر والزعيم الإسلامي من قبل الباحثين العرب والغربيين.
فلقد أفردوا له كتابات، بل وخصصوا له من الوقت ما لم يخصصوه لغيره، وعلى رأسهم الباحث الأميركي وأستاذ العلوم السياسية أندرو مارش الذي أصدر عام 2023 كتابا عنه وبالتعاون معه باللغة الإنجليزية تحت عنوان: "ON MUSLIM DEMOCRACY: ESSAYS AND DIALOGUES-حول الديمقراطية المسلمة: نصوص وحوارات" عن "منشورات جامعة أكسفورد" قسم الدين والسياسات العامة.
إعلانوهو كتاب يضم مجموعة من النصوص والمقالات للشيخ راشد الغنوشي المترجمة من العربية إلى الإنجليزية من قبل الباحث الأميركي المتخصص في الفكر الإسلامي، وحوارا مطولا معه يرصد مساره الفكري والسياسي والتحولات الكبيرة التي عرفها وكيفية انتقاله من الديمقراطية الإسلامية إلى الديمقراطية المسلمة وقطعه مع الإسلام السياسي.
تحدث الباحث الأميركي أندرو مارش عن تأليفه لهذا الكتاب، الواقع في 284 صفحة من الحجم المتوسط، في الملتقى الفكري حول "الإسلام والديمقراطية" الذي خصصه "منتدى المتوسط للتبادل والحوار" مساء يوم الثلاثاء 18 مارس/آذار الجاري بمدينة سلا المغربية للاحتفاء بهذا المؤلف ومناقشته بحضور نخبة من الكتاب والسياسيين والمثقفين المغاربة وحضور المناضل التونسي رضا إدريس مستشار الغنوشي للعلاقات الخارجية.
قال الباحث إن دواعي تأليفه تعود إلى اهتمامه بدراسة المفاهيم الإسلامية المتعلقة بالحكم والحرية، حيث أثارت قراءته لكتاب الشيخ راشد الغنوشي "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" فضوله المعرفي للنبش العميق في مفهوم "الاستخلاف"، باعتباره مبدأ محوريا في الفكر الإسلامي السياسي.
ذلك ما دفعه إلى الاهتمام بتتبع مراحل تطور الفكرة من نموذج الخلافة التقليدية إلى التفاعلات الديمقراطية الحديثة، خصوصا مع ما شهده العالم العربي والإسلامي في ظل "الربيع العربي"، وتحديدا تونس التي أطلقت شرارته الأولى في عام 2011.
ويعرض الأكاديمي الأميركي والأستاذ بجامعة "ماساتشوستس" في مقدمته لهذا الكتاب، والتي تفوق 30 صفحة، الأسباب التي دفعته إلى تأليفه مع الغنوشي، ولجمع وترجمة مجموعة من المقالات إلى اللغة الإنجليزية وهي غير معروفة بالنسبة إلى القارئ الغربي.
وقد تم ذلك بعدما عمل مع جامعة "ييل" الخاصة في كنتيكيت على ترجمة كتاب "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" إلى الإنجليزية، وهو ما فتح أمامه المجال للقاء الغنوشي والتواصل معه بشكل مباشر، والكتابة عن العشرية الديمقراطية بتونس، والتي كان للغنوشي دور كبير في إنجاحها.
إعلانحيث لعب الغنوشي دورا محوريا على مستوى الممارسة السياسية في فترة الانتقال الديمقراطي في تونس بعد الثورة، ثم في فترة "التوافق" التي جمعته بالرئيس السابق الباجي قائد السبسي.
وتميزت حركة النهضة عن غيرها من الحركات الإسلامية بتقديم تنازلات كبيرة لمعارضيها العلمانيين من أجل المحافظة على استقرار تونس، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك وتخلت عن السلطة السياسية، التي حصلت عليها في انتخابات حرة ونزيهة، لصالح حكومة تكنوقراطية.
كما أنها أعلنت رسميا في مؤتمرها العاشر في مايو/أيار 2016، بعد عامين من اعتماد دستور ديمقراطي، تمت صياغته بعد ما يقرب من 3 سنوات من المداولات والمفاوضات الشاقة في مجلس تأسيسي وطني، أنها تجاوزت تسمية "الإسلام السياسي" وعرّفت نهجها باسم "الديمقراطية المسلمة".
ودعت إلى حوار مع مجموع الديمقراطيين المسلمين من أجل سن نهج صحيح يقوم على رفض أي تناقض بين قيم الإسلام والحداثة، وفق ما جاء في البيان الختامي لمؤتمر النهضة العاشر.
وهو ما رأى فيه الكثير من المراقبين والمتتبعين لحركة النهضة قطيعة حادة وانفصالا عن النهج التاريخي والأيديولوجي الذي خطته الحركة لنفسها منذ البداية.
ويضيف البروفيسور أندرو مارش في أول لقاء بالعالم العربي لتقديم هذا الكتاب بعد لقاءات خصصت له بتركيا وببعض الدول الغربية، أن ما يتعرض له الغنوشي من اعتقال إلى غاية اليوم يعد انتكاسة كبيرة للتجربة الديمقراطية في تونس.
وأن هذا الوضع "يعكس التحديات التي تواجه الديمقراطية المسلمة، ليس فقط كتجربة سياسية، ولكن أيضا كمفهوم فكري يسعى إلى تحقيق التعددية والحرية ضمن إطار إسلامي".
يشير مارش إلى أنه على الرغم من أن ظاهرة "الديمقراطية الإسلامية" كانت موضوعا لبعض الدراسات، فإن هذا الكتاب، على حد قوله، هو أول عمل باللغة الإنجليزية يقدم ترجمة لنصوص "المصدر" الأولية التي توضح بالتفصيل معالمه الأيديولوجية، لأنه يقف على نموذج حي هو حزب النهضة التونسي الذي تجاوز الإسلام السياسي الكلاسيكي، ودور مؤسسه راشد الغنوشي في تطوير مفهوم "الديمقراطية المسلمة"، الذي يراه تطورا فكريا يتجاوز الإسلام السياسي التقليدي.
العلاقة بين الإسلام والديمقراطية فهل "الديمقراطية المسلمة" مجرد مصطلح سياسي، أم أنها تمثل رؤية فكرية متكاملة تتجاوز الإسلام السياسي؟ وهل هي أيديولوجية أم نظرية حول السياسة من وجهة نظر إسلامية؟ وما أوجه اختلافها عن الإسلام السياسي أو النظريات السابقة لـ "الديمقراطية الإسلامية"؟ وكيف تختلف عن النظريات غير الإسلامية للديمقراطية البرلمانية التعددية؟ وهل الأمر يتعلق بتسويق سياسي في مرحلة الانتخابات فقط أم بقرار إستراتيجي مناهض للأحزاب الأخرى المعادية لدمقرطة الإسلام؟ إعلانهذه بعض من الأسئلة الأساسية المؤطرة لكتاب "حول الديمقراطية المسلمة" الذي يناقش فيه الأكاديمي أندرو مارش العلاقة بين الإسلام والديمقراطية والعدالة والتعددية، ويقدم محاولة فريدة لتفسير هذه الظاهرة أيديولوجيًا من خلال ترجمة 10 مقالات مركزية لراشد الغنوشي تطور مقاربة متميزة للسياسة والديمقراطية والخلاف، فضلا عن حوار فلسفي مطول بين الغنوشي أحد مفكري الحركة الإسلامية والأكاديمي السياسي أندرو مارش.
وعلى هذا الأساس جاء الكتاب موزعا إلى مقدمة عامة تحمل عنوان "من الديمقراطية الإسلامية إلى الديمقراطية المسلمة: راشد الغنوشي في الفكر والعمل"، و10 فصول.
الأول منها يحمل عنوان "الحريات الأساسية في الإسلام" والثاني "جدلية الوحدة والاختلاف والتعددية السياسية في الإسلام" والثالث "متى يكون الإسلام هو الحل؟" والرابع عن "الحرية أولا" والخامس "بين سيد قطب ومالك بن نبي: عشر نقاط" والسادس حول "الإسلام والمواطنة". ثم الفصل السابع حول "مشكلات الخطاب الإسلامي المعاصر" والثامن حول "العلمانية والعلاقة بين الدين والدولة من منظور حزب النهضة" والتاسع حول "دلالات ومتطلبات دستور ما بعد الثورة". أما الفصل العاشر المعنون بـ "حقوق الإنسان في الإسلام" فيضم حوارات فلسفية لاهوتية حول الديمقراطية والتعددية والإسلام والعلمانية للأكاديمي أندرو مارش مع زعيم حزب النهضة التونسي راشد الغنوشي.وهي حوارات يتتبع فيها مسار هذا الزعيم السياسي الاستثنائي، الذي بدأ علمانيا وقوميا، وتحول إلى الحركة الإسلامية عبر حزب النهضة، وتعرض إلى الكثير من المضايقات والاعتقال والتعذيب في ثمانينيات القرن الماضي.
كما حكم بالإعدام مرتين في التسعينيات، ما اضطره إلى البقاء في المنفى بلندن لمدة 21 عاما من 1989 إلى غاية2011، بسبب أفكاره وتصوراته التي لم تكن تجد صدى لها من طرف الكثير من معارضيه، خاصة حينما حاول تقديم نموذج فكري جديد يمكن أن يلهم الدول الإسلامية الأخرى التي تسعى إلى تحقيق التغيير السياسي والاجتماعي.
إعلانبَيد أن خصومه من الإسلاميين والعلمانيين الذين يؤمنون باستحالة التوفيق بين الإسلام السياسي والديمقراطية، كانوا يصفون التيارات التي تتماهى مع الديمقراطية بالتلفيق، ومحاولة أسلمة الديمقراطية أو دمقرطة الحركات الإسلامية كإجراء تكتيكي مرحلي للوصول إلى الحكم ثم الانقلاب على الديمقراطية لصالح دولة الخلافة التاريخية، رغم أن حركة النهضة أعلنت الانسحاب من المشاركة السياسية في الحكومة حفاظا على الديمقراطية والسلم والوطن.
ولهذا فالغنوشي حسب مارش، ليس مجرد سياسي، بل هو "مفكر ومجدد سعى إلى التوفيق بين التراث الإسلامي ومتطلبات الديمقراطية الحديثة"، وهو ما حاولت هذه الحوارات الغنية والمفيدة الوقوف عنده عبر التركيز على عصارة فكر الغنوشي وأطروحته السياسية، وتقديم الخصائص الأساسية للديمقراطية المسلمة التي تدمج القيم الإسلامية في إطار ديمقراطي تعددي بما يجعلها تتميز عن الديمقراطية الإسلامية، والتي اجتهد في إبرازها راشد الغنوشي عبر التركيز على التعددية السياسية والحقوق والحريات وعلى رأسها حرية المعتقد والضمير والإيمان بالدولة المدنية والعدالة.
من الديمقراطية الإسلامية إلى الديمقراطية المسلمةوانطلاقا من التجربة التونسية التي تختلف عن تجارب بلدان مثل تركيا، والمغرب، وماليزيا، وباكستان، ومن داخل المنظومة الفكرية للشيخ راشد الغنوشي وحركة النهضة، يبرز الأكاديمي الأميركي الكثير من الفوارق الجوهرية بين الديمقراطية الإسلامية التي تسعى إلى فرض نموذج إسلامي على الدولة، وبين الديمقراطية المسلمة التي تعترف بالتعددية كحقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها، مشيرا إلى أن التجربة التونسية فرضت هذا التحول، حيث لم يعد من الممكن تجاهل الأحزاب العلمانية، والليبرالية، واليسارية، مما استدعى تبني نهج أكثر مرونة يقوم على مرتكزات أساسية لتخطي مجموعة من الصعوبات والمنزلقات، وعلى رأسها الالتزام بالحرية، حيث يرى الغنوشي أن "الحرية ليست مجرد قيمة ليبرالية، بل هي شرط أساسي لأي عمل أخلاقي وديني، ولا يمكن تحقيق الفضيلة الدينية دون حرية حقيقية".
ثم الاعتراف العميق بالتعددية السياسية، على اعتبار أنها ليست أمرا سحريا، بل عمل أنطولوجي للسياسة. مستدلا على "وثيقة المدينة" أو صحيفة المدينة التي وضعها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، باعتبارها أول دستور مدني في تاريخ الدولة الإسلامية، والتي تمثل حسب الغنوشي "نموذجا لدولة تعددية تنبني على توافق دنيوي قائم على المصالح المدنية وليس على الانتماء الديني أو العقدي".
إعلانويشير مارش في تقديمه لهذا الكتاب إلى أن الغنوشي بعد عقود من النضال السياسي انتقل من الطوباوية إلى الواقعية السياسية، وأضحى يتبنى رؤية أكثر واقعية، لأنه أدرك أن السياسة ليست مجالا للمثاليات، بل هي مجال لإدارة المصالح وتقليل الأضرار.
وهنا ركز على تحول مثير لدى الغنوشي في رؤيته للعلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين، حيث لم يعد ينظر إلى الصراع السياسي من منظور ديني يفرق بين العدو والصديق أو الأخ المتدين والكافر، بل من موقع آخر في إطار الديمقراطية المسلمة لأن العدو أصبح هو "المعارض للديمقراطية، سواء كان إسلاميا أو علمانيا" وأصبح الصديق هو "المؤمن بالديمقراطية، بغض النظر عن انتمائه الأيديولوجي ولكن خارج الدكتاتورية والاستبداد ومن دون أي مساندة من أي بلد خارجي".
ويخلص مارش في هذا الكتاب إلى أن نجاح الديمقراطية المسلمة يعتمد بالأساس على قدرتها على تقديم بديل عملي وفعال للاستبداد، بديل نابع من الداخل يقوم على الحرية والتعددية وتحقيق العدالة.
فبدلا من تقديم نموذج مثالي للدولة الإسلامية برأيه، تسعى الديمقراطية المسلمة إلى خلق نظام سياسي يسمح بالتعايش بين مختلف التيارات، ولهذا فإن الديمقراطية المسلمة بحاجة إلى ديمقراطيين، ويقول إنه "لا يعرف أي شخص ملتزم بها أكثر من الشيخ راشد الغنوشي الذي يمضي رمضانه الثاني في السجن"، ويرى في اعتقاله "اختبارا حقيقيا لمستقبل الديمقراطية المسلمة"، وأن استمرار سجنه يعكس "صعوبة ترسيخ القيم الديمقراطية في العالم الإسلامي".
ويختم حديثه عن الكتاب بالقول: "الديمقراطية ليست مجرد نظام حكم، بل هي ثقافة تحتاج إلى أناس يؤمنون بها. وإذا كان الخيار بين الديمقراطية والاستبداد أو الحرب الأهلية، فإن الديمقراطية المسلمة تظل الحل الأمثل لضمان الاستقرار والتعددية في المجتمعات المسلمة".
ويعتبر المشاركون في الملتقى الفكري حول "الإسلام والمواطنة" لمنتدى المتوسط للتبادل والحوار الذي يرأسه السياسي الإسلامي رضا بنخلدون، أن كتاب أندرو مارش وراشد الغنوشي ليس مجرد تجميع لمقالات وحوارات امتدت على مدى سنتين 2021 و2022.
إعلانبل كتاب استوعب آخر إنتاجات الغنوشي، كما يقول الباحث بلال التليدي، وهذه نقطة تحسب للأكاديمي الأميركي أندرو مارش، الذي وقف عند أفكار وتفسيرات الغنوشي وحركة النهضة، ولم يسائلها.
مع العلم أن النسق الغنوشي -لمن درس أدبياته- مختلط يجمع بين القطعية والتحوّلية، ولهذا وجب إعادة النظر، حسب التليدي، في هذه الأدبيات وتصنيفها من جديد وتتبع مسعى التأصيل الديمقراطي فيها دون إغفال التوازنات أو التنازلات التي رضخ لها حزب النهضة.
ويرى الكاتب حسن أوريد من جانبه أن الكتاب يحتاج إلى وقفة، لأنه يعتبر نقلة نوعية في مسار الحركة الإسلامية، وفي المرجعيات التي أثرت في هذه الحركة وعلى رأسها سيد قطب الذي يرى أن الحاكمية لله، ولا شيء غير الله، وأن الإسلام هو الحل وأن الذين لا ينخرطون في توجه إسلامي يحق عليهم نوع من التكفير، وهي المرجعية الناظمة للإسلام السياسي.
فالكتاب، برأيه، ينقلنا من مرجعية أثرت في جيل وألهمت الحركات السياسية وغيرها، إلى مرجعية أخرى ترى أن "الحاكمية لله لا تتنافى مع سيادة الشعب، وأن استخلاف الإنسان لا يعفيه من المسؤولية ولا يمكن تبعا لذلك أن نقسم المجتمع إلى جاهليين وغير جاهليين، ولكن إلى أطياف يمكن أن يجمع بينها الحوار والتوافق عوض التكفير، لتقوم آصرة مثلى بين عناصر المجتمع وهي المواطنة".
ويعود الفضل في هذه النقلة الفكرية النوعية إلى راشد الغنوشي، حيث يظل فكره حاضرا ببصمته المميزة، بوصفه رجل فكر أتى من الفلسفة وليس من الفقه الإسلامي، ورجل فعل عرك السياسة وعانى من التضييق، أغنته تجربة المنفى في لندن ومكنته من أن يخلق نوعا من المواءمة وليس التوفيق بين التجربة الإسلامية والفكر الغربي والفصل بين ما هو دعوي وسياسي عبر تبني مفهوم الديمقراطية المسلمة، لأنه لا بديل عن الديمقراطية اليوم فهي الجامع المشترك بيننا.
إعلانوبشكل عام، فإن كتاب "حول الديمقراطية المسلمة" لأندرو مارش وراشد الغنوشي له راهنيته، فهو يقدم رؤية مستقبلية ملهمة تسعى لتحقيق التوازن بين الأصالة والحداثة، ما يجعله مرجعا مهما لكل من يهتم ببناء مجتمعات ديمقراطية قائمة على القيم الإسلامية. كتاب لا يسائل علاقة الديمقراطية بالإسلام بل يتجاوزها إلى علاقة الإسلام بالحداثة ككل.
كما يسائل التجربة الديمقراطية التونسية التي تنبأ لها الكل بالنجاح، ولكنها كما يقول مستشار الغنوشي في العلاقات الخارجية رضا إدريس في ختام الملتقى، قد أخفقت لأنها "ديمقراطية لم تنتج الثروة، والمجتمع التونسي كان ينتظر الثروة من الثورة".
كما أن "التونسيين قد أخفقوا في أمر آخر وهو بيع الديمقراطية وأن تكون جذابة للمال الحلال"، كما يقول، ولهذا فإن النخبة التونسية التي تفننت في صناعة الدستور التونسي المتقدم، يلزمها بعض الوقت للقضاء على الشعبوية التي استشرت، والعمل على بناء نهضة ديمقراطية جديدة للبلد، بحسب وصفه.