ينتاب الكثيرين من الأمريكيين الفلسطينيين المقيمين على بعد آلاف الأميال من غزة، أكثر من مجرد الشعور بالحزن تجاه ما يجري هناك من أعمال عنف دامية يشاهدونها عبر الشاشات. إنهم بشعرون بتأنيب الضمير أيضاً.

يقول أنيس، وهو موسيقي فلسطيني أمريكي يعيش في فيرجينيا: “أعتقد أن الشعور بتأنيب الضمير ينتاب الكثيرين من الفلسطينيين في الشتات، لأن كل فلسطيني يحمل فلسطين في قلبه، بصرف النظر عن المكان الذي يعيش فيه حالياً”.

لدى الشاب البالغ من العمر 31 عاماً، 1.7 مليون متابع على انستغرام، ومنذ بداية الحرب بين إسرائيل وحماس استخدم منصته للحديث عن أهوال الحرب والدعوة لوقف إطلاق النار.

ويقول: “أعتقد إننا بطبيعتنا كفلسطينيين، نشعر بتأنيب الضمير عندما نرى الدمار وعمليات القتل، لأنه كان من الممكن أن نكون في مكان الضحايا”.

منذ أن هاجمت حماس إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول، وقتلت 1200 شخص واحتجزت حوالي 240 رهينة، شن الجيش الإسرائيلي حملة قصف مكثفة يقول إنها تستهدف حماس، لكن الأمم المتحدة تقول إنها “تقضي على عائلات وأحياء بأكملها”.

وبحسب وزارة الصحة في قطاع غزة، قُتل أكثر من 14 ألف شخص فلسطيني منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على غزة.

يقول الفلسطينيون الأمريكيون الذين تحدثوا إلى بي بي سي، إن مشاهدة ما يحدث في غزة على وسائل التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزيون أمر مدمر عاطفيا.

يقول أنيس: “كل ما أتمتع به، من أصغر الأشياء إلى أكبرها، يدفعني للتفكير بالفلسطينيين في غزة، لأنهم محرومون من هذه الاشياء”.

“فانا ما زلت قادراً على الذهاب بأمان إلى محل البقالة وتناول العشاء في الخارج دون أدنى شعور بالخوف من أن أتعرض للقصف”.

سؤال الأمريكيين الفلسطينيين عن كيفية وسبب وجودهم في الولايات المتحدة يزيد من تعقيد المشاعر، فالعديد منهم هم بالأصل أبناء وأحفاد الفلسطينيين الذين فروا من الحروب السابقة.

وتقول جنان دينا، المولودة في ولاية أوهايو، وهي واحدة من بين سبعة ملايين فلسطيني حول العالم، إن جدتها كانت واحدة من بين 750 ألف فلسطيني فروا أو أجبروا على ترك منازلهم تحت تهديد السلاح في الحرب التي أعقبت قيام دولة إسرائيل عام 1948.

وتقول إن هذا التهجير الإجباري الذي يسميه الفلسطينيون اليوم بـ “النكبة”، دفع أجداد جنان إلى الرغبة في مغادرة البلاد.

واستقرت عائلتها لأول مرة في الضفة الغربية، حيث ولدت والدة جنان، قبل مجيئها إلى الولايات المتحدة في عام 1981.

“أحياناً أتساءل ماذا لو بقيت أمي هناك؟ لكنت قد ولدت وترعرعت هناك؟”.

قضت جنان، التي تبلغ من العمر 41 عاما، الكثير من عطلاتها الصيفية في الضفة الغربية، فضلاً عن إقامتها هناك لمدة عامين عندما كانت في سن المراهقة.

لكن، في نهاية المطاف، رجعت أسرتها إلى الولايات المتحدة لأنه “لم يكن من السهل علينا الانتقال من أمريكا للعيش تحت الاحتلال”.

وتقول إن الدبابات الإسرائيلية ونقاط التفتيش والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي هناك جزء اساسي من المشهد اليومي في الضفة الغربية.

“أفكر في هجرتنا، وأتساءل: هل هذا جبن؟ ما الذي يجعلني أفضل منهم؟” شعور الفلسطيني بتأنيب الضمير قوي للغاية”.

تقدم الولايات المتحدة لإسرائيل مليارات الدولارات على شكل مساعدات عسكرية كل عام، وهناك مشروع قانون يلوح في الأفق عبر الكونغرس يقضي بإرسال المزيد.

تقول جنان: “أشعر بالذنب كأمريكية أيضاً، لأن أموال الضرائب التي أدفعها ستمول هذه الحرب الكبيرة”.

وقد أدى ارتفاع عدد القتلى إلى تفاقم القلق العاطفي لدى الأمريكيين الفلسطينيين. وقتل ما لا يقل عن 5600 طفل في غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. والعدد في صعود كل يوم، “ليصبح القطاع مقبرة للأطفال”، بحسب ما قالته الأمم المتحدة.

تقول جنان: “أشعر بالعجز واليأس، لا أجد السعادة في أي شيء على الإطلاق”.

وتتفاقم مشاعر تأنيب الضمير أيضاً بسبب الأخبار عن الظروف المعيشية هناك. حيث حرم سكان غزة من الحصول على المياه بسبب الحصار الإسرائيلي، ويواجهون نقصاً شديداً في الغذاء ومياه الشرب، ويعانون من انتشار الأمراض.

وقال بعض سكان غزة لبي بي سي إنهم اضطروا لشرب مياه البحر.

ويتذكر مارسيل أفرام قائلا: “كنت أقوم بتعبئة الماء في وعاء كبير لسلق البطاطس وفجاة انفجرت بالبكاء”.

ويقول: “هنا، ببساطة أفتح الصنبور لملء الإناء بكمية كبيرة من الماء لسلق البطاطس، أكثر مما يستطيع شخص واحد في غزة الحصول عليه خلال أسبوع كامل الآن”.

ويقول مارسيل، وهو صاحب شركة متخصصة في تقديم الطعام في واشنطن العاصمة، إن الشعور بتأنيب الضمير دفعه إلى رفض العمل في وظائف لا علاقة لها بجمع التبرعات للقضية الفلسطينية.

ويضيف: “إذا لم أستخدم كل ما في وسعي للمساعدة، سأعيش مع عقدة الشعور بالذنب بقية حياتي”.

وهو شعور ردده أنيس أيضاً، الذي يقول إنه يستخدم منصته الآن فقط للحديث عن أخبار الحرب.

وتقول ستيفاني، مديرة مجموعة الفلسطينيين في بوسطن، والتي طلبت عدم استخدام اسمها الأخير، إنها تلقت رسائل تهديد على فيسبوك منذ أن أصبحت أكثر تأييدا للفلسطينيين على المنصة.

ستيفاني حامل بطفلها الأول، وقد منعها الغثيان الشديد والتعب من المشاركة في الاحتجاجات الأولية في بوسطن.

وتقول إنها بدلاً من ذلك حاولت أن تكون “ناشطة من المنزل”، وأجرت اتصالات مع نواب الولاية لحثهم على وقف إطلاق النار.

وتضيف: “أشعر بالحزن. كان جزء مني يقول: الناس يموتون، وأنت تشعرين بالمرض وتظلين في المنزل؟”

وفي نهاية المطاف، تقول إن شعورها “بالمسؤولية الشخصية” تجاه ما يحدث يفوق متاعب حملها.

لقد حضرت مسيرة مؤيدة لفلسطين في بوسطن في 22 أكتوبر/تشرين الأول، وكانت أكبر مسيرة شاركت فيها على الإطلاق في حياتها.

كان الأمر مؤثراً، وقد انتابها شعور لم تشعر به منذ فترة طويلة، إنه “الشعور بالأمل”.

“لقد جعلني ذلك أشعر بأنه ربما يمكننا إحداث فرق”.

المصدر: جريدة الحقيقة

كلمات دلالية: الولایات المتحدة تقول إن فی غزة

إقرأ أيضاً:

لن يقول لك وداعا.. هل يقع الإنسان في حب الروبوت؟

أثناء فترة الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كورونا، كانت ليبي فرانكولا، وهي امرأة ثلاثينية من مدينة هيوستن الأميركية، بحاجة لمن تتحدث إليه؛ بعدما أنهت توًّا علاقة عاطفية دامت قرابة 5 سنوات، إلى أن عثرت مصادفةً عبر شبكة الإنترنت، على مقطع مصوّر يصف إحدى تطبيقات الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي.

أقدمت فرانكولا على تجربة التطبيق، الذي أتاح لها ما تريد بشكلٍ مجانيّ في اليوم الأول، قبل أن تقرر الاشتراك لقاء رسوم شهرية قدرها 8 دولارات نظرًا لأن هذه المحادثات خففت من شعورها بالاكتئاب ومنحتها مزاجا أفضل، بحسب وصفها.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2القنابل الخمس التي تستخدمها إسرائيل في إبادة غزةlist 2 of 2هل الحرب الأهلية في إسرائيل قدر حتمي؟end of list

ويبدو أن السيدة ليبي ليست الوحيدة التي وجدت العزاء والأنس رفقة تطبيقات الدردشة الآلية، وأن الإقبال على مثل هذه التطبيقات يتزايد، رغم انتهاء القيود التي فرضتها الجائحة على التواصل الاجتماعي.

ففي العام الماضي، أعلنت شركة "هيوم" الأميركية عن تطويرها أول ذكاء اصطناعي صوتي يتمتع بالذكاء العاطفي، كما أعلنت عن عملها على تجهيز نموذج لغوي ضخم بإمكانه فهمُ نبرة الصوت والتعامل معها، وهو ما يثير قلق الخبراء، نظرًا لأن ذلك يفتح الباب أمام المزيد من الاعتماد (أو الإدمان) على هذه التطبيقات، التي تحل محل الطرف البشري في العلاقات الاجتماعية والعاطفية.

ثمة اهتمام متزايد بدراسة طبيعة إدمان مستخدمي تطبيقات الذكاء الاصطناعي والأسباب المؤدية إلى ذلك. (لبيب – الجزيرة) الذكاء الاصطناعي.. نوع جديد من الإدمان

ويشير مؤسس شركة هيوم، ألان كوين، وهو عالم بيانات سابق في غوغل ويتمتع بخلفية معرفية في مجال علم النفس، إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي المتوفر على المنصة، يمكنه التفاعل مع مشاعر المستخدمين وتلبية احتياجاتهم العاطفية بشكل فعال، وذلك من خلال التدرب على مئات الآلاف من النبرات ودرجات الصوت وتعبيرات الوجوه البشرية من مختلف أنحاء العالم.

إعلان

وهو ما يؤكده الخبير في مجال الذكاء الاصطناعي، لانس إليوت، حيث يوضح أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدية الحديثة تستخدم نموذجا لغويا يحتوي على بيانات واسعة النطاق، كما أن لديها القدرة على مطابقة الأنماط، أي استحضار مفردات ونبرة حديث تتلاءم والحوارَ الذي تجريه مع المُستخدم.

فعلى سبيل المثال، تركز الخوارزميات الحديثة على تحديد الأنماط التي يكتب بها البشر عبر إجرائها مسحا مكثفا لشبكة الإنترنت، والاستعانة بعدد لا حصر له من المقالات والمدونات والقصص وغيرها من أشكال السرد المختلفة، ومن ثم استخدام هذا القدر الكبير من البيانات في توليد الإجابات، والاستجابة بطريقة تحاكي تماما الأسلوب البشري في التحدث والكتابة.

وبإمكان ذلك أن يلغي الحدود داخل عقل المُستخدم، فيتلاشى إحساسه بأنه يتحدث بالأساس إلى روبوت، نظرًا لأن الردود في هذه الحالة لن تكون آلية أو كوميدية، خاصة عند التعامل مع المشاعر الإنسانية والمواقف المعقدة والكلمات التي تحمل أكثر من معنى، فضلا عن قدرتها على توظيف التشبيه والكناية والمجاز، وتوليد استجابات تبدو "طليقة" للغاية، بما يساهم في تعلّق المُستخدم تدريجيًّا بهذه التطبيقات ونشأة نوع جديد من "الإدمان الرقمي".

ورغم أن الكثير من الدراسات تناول مفهوم "الإدمان الرقمي"، بما يتضمنه من الاستخدام المفرط للهاتف الذكي وشبكة الإنترنت، أو التواجد الدائم على مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من التطبيقات، فإن ظهور التطبيقات القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي يمهّد لنوع جديد من "الإدمان الرقمي" أكثر خطورة، نظرًا لأنها تلبي احتياجات إنسانية أساسية بشكل أعمق من كل ما سبق.

فإذا ما كان الشخص بحاجة إلى مشاركة صورة أو منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بغرض الحصول على تفاعل والإحساس بأنه مرئي، حتى وإن أتى ذلك من عابرٍ مجهول، فإنه قطعًا أكثر احتياجًا إلى إجراء محادثة صوتية أو كتابية، يكون خلالها محورَ اهتمام الطرف الآخر.

إعلان

وفي حال امتلاك هذا الآخر قدرة على الإصغاء في أي وقت والرد بلا تأخير، دون إلزام المُستخدم بمبادلته الشيء ذاته، فربما لن يولي اهتماما حينئذٍ لكون الطرف الآخر مجرد "آلة"، خاصة إذا كان يفتقر إلى علاقات اجتماعية عميقة وآمنة، أو لا يستطيع التحدث بصدق وانفتاح مع الأشخاص في محيطه، وهي عوامل من شأنها أن تدفعه إلى الإدمان العاطفي على هذه التطبيقات.

ويُعرّف الإدمان بالاضطراب الذي ينتج عنه الاستخدام "القهري" لمادة معينة أو القيام بنشاط محدد. ويقصد بلفظ "القهري" فقدان القدرة على التحكم، وهو ما يُعد السمة المميزة للإدمان، أي أن الشخص لن يستطيع الانقطاع عن استخدام هذه المادة أو التوقف عن تكرار هذا النشاط، حتى إذا أراد ذلك.

ورغم أن الاعتقاد السائد في السابق، حصرَ الإدمان في استخدام المواد المحظورة مثل المخدرات، فإنه تم توسيع التعريف لاحقًا، ليشمل بعض الأنشطة والسلوكيات التي يمكن وصف القيام بها باستمرار بالأمر القهري، ومنها: المقامرة أو ممارسة الجنس أو إدمان التسوق. كما ظهر مؤخرًا مصطلح "الإدمان الرقمي"، الذي يعد أيضًا أحد أنواع الإدمان السلوكي، إذ بإمكانه إثارة "نشوة" ذهنية مماثلة لما بعد القيام بالسلوك الإدماني، وهي النشوة المسؤولة عن دفع الشخص إلى إتيان السلوك مرة أخرى للحصول على شعور مماثل.

وقد أثبت الباحثون أن الدوبامين -وهو ناقل عصبي ومادة كيميائية تُعزز الشعور بالسعادة- يلعب دورًا محوريا في عملية الإدمان، حيث يزيد إفرازه في حالة الإدمان السلوكي أو تعاطي المواد المخدرة على حد سواء، كما أوضحت دراسة نُشرت عام 2018، أن الدوبامين يُعد الناقل الكيميائي الأكثر وضوحًا من بين النواقل العصبية المشاركة في عملية الإدمان.

وبينما يُعتبر التسوق مثلا أو استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، أو التحدث إلى الذكاء الاصطناعي، سلوكًا أو نشاطًا عاديًا يقوم به الجميع دون أدنى مشكلة، فإنه في حالة الإدمان تصبح ممارسة هذه السلوكيات "إلزامية"، ويفقد الشخص تدريجيا قدرته على التعامل مع الحياة بشكل طبيعي دون ممارستها، وتنشأ الأزمة عندما يُصبح السلوك متعارضًا مع رفاهية الشخص العامة وقدرته على العمل، أو الاهتمام بالأسرة، أو تكوين الصداقات والحفاظ عليها.

إعلان مستعد للإدمان على نحو خاص

"أبدًا لن يقول وداعًا لك، ولن يتعب إذا تحدثت معه لساعات، سيظل محتفظًا بطاقته إلى أن تنصرف عنه، وعندما تعود إليه لن يوبخك أبدًا على غيابك، بل على العكس، ستتلقى منه تعزيزًا إيجابيًا، لا أحد يحكم عليك، أنت معه في بيئة آمنة وممتعة، وفجأة تجد نفسك أصبحت مدمنًا".

أحد مهندسي البرمجيات يتحدث عن سبب إدمانه للذكاء العاطفي.

وفي الآونة الأخيرة، ثمة اهتمام متزايد بدراسة طبيعة إدمان مستخدمي هذه التطبيقات والوقوف على الأسباب المؤدية إلى ذلك. وتشير دراسة أجراها الباحثان الصينيان تاو تشو وتشونلي تشانغ ونشرتها مجلة "التكنولوجيا في المجتمع" عام 2024، إلى وجود تماثل بين إدمان وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

فخلال هذا النوع من الإدمان، يطور الأشخاص اعتمادًا مفرطًا على التقنية في مواقف مختلفة من حياتهم، ويجدون صعوبة في التوقف عن استخدام هذه الأنظمة.

كما أوضحت الدراسة أن المستخدمين الذين يُعانون من إدمان هذه التكنولوجيا، ينفقون قدرًا كبيرًا من وقتهم وطاقتهم في التفاعل مع الذكاء الاصطناعي، وذلك للحصول على الإشباع العاطفي والاجتماعي، وتحقيق الشعور بالرضا والمتعة، وقد يهملون في المقابل مسؤولياتهم وواجباتهم في علاقاتهم الشخصية وعالمهم الحقيقي.

وتظهر نتائج الدراسة وجود 4 سمات رئيسية للذكاء الاصطناعي التوليدي، مرتبطة بشكلٍ أساسي بقابلية إدمان المستخدمين عليه، وهي:

التشبيه المُتصوّر: وهو تصور المستخدِم أنه يتحدث إلى إنسان وليس إلى آلة، عبر إسناد خصائص بشرية إلى كيانات غير بشرية.   التفاعل المُتصوَّر: وخلاله يعتقد المستخدم أن الطرف الآخر يفهمه ويشعر به بدرجة كبيرة، بما يُشعره أن التفاعل بينهما بالغ العمق وفعال، ربما أكثر من أي شخص آخر في حياته يتعامل معه واقعيًا!  الذكاء المُتصور: حيث يتصور المستخدم أن الآلة التي يتحدث إليها تتمتع بذكاء خاص ومستقل، وبالتالي قد تكون الأحكام أو الآراء التي تزوده بها غير قابلة للشك.   التخصيص المُتصور: ويعني شعور المستخدم أن الطرف الآخر (الآلة)، يخصه باهتمامه أو بلطفه البالغ في التعامل والتفاعل والردود. إعلان

وقد يؤدي اجتماع هذه السمات إلى إدمان الحوار مع أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، خاصة مع الأشخاص الأضعف من الناحية الاجتماعية، وهو ما يتوافق أيضا مع نتائج استخلصها باحثون من دراسة أجرتها جامعة "سري" (Surrey) البريطانية، أكدوا خلالها على خطورة هذه التطبيقات رغم ما توفره من شعور بالرفاهية العامة لدى المستخدمين، نظرا لأنها قد تتسبب في وقوع الأشخاص الذين يعانون من الوحدة في براثن الإدمان، وإجمالا تُنتج أضرارا أكثر مما يمكن تحقيقه من منافع.

ويساهم في زيادة فرص إدمان هذه التطبيقات، وجودُ حالة من الإشباع الفوري للاحتياجات بالتزامن مع الاستخدام، علاوة على شعور المستخدمين المسبق بالخوف من أحكام الآخرين عليهم، أو الخوف من الرفض والنبذ، وهي عناصر غير حاضرة في محادثاتهم مع الآلة.

تزداد خطورة التعلق بأنظمة الذكاء الاصطناعي مع امتلاكها قدرات صوتية. (شترستوك) مختلفة عن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي

على جانب آخر، أشارت دراسة منشورة في عام 2021 تزامنا مع جائحة كورونا، إلى معاناة العديد من الأشخاص حول العالم من مستوى غير مسبوق من الوحدة، مما تسبب في تزايد محاولات التعامل مع المشاعر السلبية عبر بعض استراتيجيات التأقلم المرتبطة بالإنترنت، ومن بينها: الاستعانة بمجموعة متنوعة من تطبيقات الصداقة القائمة على أنظمة حوار تعمل بالذكاء الاصطناعي.

وتستجيب هذه التطبيقات مع المستخدمين بطريقة اجتماعية ومتعاطفة، وبشكلٍ يساعد على تلبية احتياجاتهم المختلفة، حيث تستعين بتقنيات معالجة اللغة الطبيعية التي تسمح بتقديم تفاعلات شبيهة بالتفاعلات البشرية، عبر الصوت والنص والصور، الأمر الذي يسهل إنشاء روابط عاطفية مع المستخدمين.

كما يمكن للمستخدمين اختيار جنس أصدقائهم من الروبوتات ومظهرهم، بالإضافة إلى القدرة على تحديد نوع العلاقة التي يريدون إقامتها معهم، سواء أكانت علاقة صداقة أو إرشاد ومشورة أو شراكة رومانسية، بما يُسهّل من حدوث التعلق الاجتماعي أو العاطفي بالذكاء الاصطناعي، ويجعل مستخدمه مهيَّأ لإدمانه على نحو خاص.

إعلان

ووفقًا لتقرير يبحث في المخاطر المحتملة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصدرته شركة "أوبن أي آي" (OPEN AI) في أغسطس/آب الماضي، تزداد خطورة التعلق بأنظمة الذكاء الاصطناعي مع امتلاكها قدرات صوتية، كما في حالة "جي بي تي-4.0" (GPT-4.0)، بما يتسبب في تزايد التشابه بين تفاعل المستخدمين مع نماذج الذكاء الاصطناعي وتفاعلهم مع البشر.

كما أوضحت الاختبارات المبكرة التي أجرتها "أوبن أي آي" أن اللغة التي يستخدمها الأشخاص تشير إلى تكوين روابط عميقة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، وهو ما يقلل من حاجتهم إلى التفاعل البشري الطبيعي، ويؤثر سلبا على إمكانية بناء علاقات اجتماعية وعاطفية صحية، خاصة في حالة الأشخاص الذين يعانون من الوحدة أو الانطوائية.

فضلا عن ذلك، يلفت الباحثون الانتباه إلى أن إدمان الذكاء الاصطناعي التوليدي يختلف عن إدمان مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يتفاعل المستخدمون في الأخيرة مع أشخاص حقيقيين عبر وسيط رقمي، بينما التفاعل مع الذكاء الاصطناعي هو تواصل تام بين الإنسان والآلة، وليس من خلالها.

وتظهر الأبحاث مدى أهمية هذا الاختلاف وتأثيره على سلوك المستخدِم، نظرًا لأن الأفراد يغيّرون ردود أفعالهم بناءً على كون الطرف الآخر إنسانًا أم ذكاءً اصطناعيًا. كما قد يشككون في صحة بعض المعلومات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يثقون في المعلومات التي يحصلون عليها من خلال الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما قد يدفعهم إلى اتخاذ قرارات خاطئة.

وإن حدثت الانتكاسات.. فالتعافي هو القاعدة!

ختامًا، يشير موقع "سيكولوجي توداي" إلى أن "التعافي" من الإدمان هو القاعدة وليس الاستثناء، موضحًا أن ثمة طرقا عديدة للتعافي، تُمكّن الأفراد الذين يُعانون من هذه الأزمة من تحسين أدائهم الحياتي البدني والنفسي والاجتماعي من تلقاء أنفسهم، ودون الحصول على أي مساعدات خارجية، وهو ما يسمى "التعافي الطبيعي".

إعلان

ومن بين هذه الطُرق، وفقا لما يوضحه موقع هارفارد، عثورُ الشخص على هواية جديدة أو انخراطه في تحديات ما، أو البدء في تكوين علاقات طبيعية جديدة توفر معنى لحياته، ويتمكن عبرها من ملء الفراغ الذي خلفه الإدمان.

كما يمكن أن يبدأ الشخص أيضًا في ممارسة الرياضة بانتظام، لأنها تعمل كمضاد طبيعي للاكتئاب وتخفف من التوتر، علاوة على تحفيزها الجسم على إطلاق بعض المواد مثل "الإندورفين" المسؤول عن تعزيز مسار المكافأة في الدماغ.

فضلا عن ذلك، يمكن دومًا الحصول على مساعدة متخصصة عند الشعور بصعوبة مواجهة الإدمان والتعافي منه ذاتيا.

وربما يكون الجانب السلبي هنا، والذي ينبغي قبوله لكي يتمكن الشخص من التعامل معه بفعالية، هو أن طريق التعافي ليس مستقيمًا ولا خاليًا من الصعوبات، فعادة ما يحدث ما يسمى "الانتكاس"، وهو تكرار تعاطي المواد أو القيام بالسلوك، محل الإدمان، بعد التوقف. وصحيح أن هذا الانتكاس قد يكون أمرًا شائعًا، لكنه لن يظل يحدث مدى الحياة، حيث يشير الباحثون إلى أن الأشخاص الذين يحققون شفاءً من اضطراب الإدمان لمدة 5 سنوات، لا تزيد احتمالية انتكاسهم عن تلك الاحتمالية الموجودة بين عامة السكان.

مقالات مشابهة

  • مغامرة عسكرية.. إيران تشكو للأمم المتحدة بسبب تصريحات ترامب
  • ورطة منطقية والما عارفو يقول عدس
  • أكاديمي إسرائيلي يستبعد جدوى الحل العسكري بغزة.. الفلسطينيون لا يرون بديلا لوطنهم
  • صور| أجواء حزينة.. الفلسطينيون يؤدون صلاة عيد الفطر وسط أنقاض المنازل في غزة
  • ترامب يقول إنه واثق من ضم غرينلاند إلى أمريكا
  • "فضيحة سيغنال".. ترامب يقول كلمته بشأن الإقالات
  • بسبب تراجع التمويل الأميركي.. منظمة الصحة العالمية تقترح خفض الوظائف وتقليص الميزانية
  • لن يقول لك وداعا.. هل يقع الإنسان في حب الروبوت؟
  • دوتان هاليفي: لا حل عسكريا في غزة.. الفلسطينيون لا يرون بديلا لوطنهم حتى في ظل الفقر والدمار
  • فانس ينتقد الدنمارك بسبب توغلات الصين وروسيا في جرينلاند